مشروع لتحرير الحياة الثقافية في السعودية

الاهتمامات الثقافية والفنية تجمع شباب وفتيات جدة في "أرباب الحرف".
الثلاثاء 2019/10/22
لمسات جمالية على جدران أحياء مدينة جدة

تلتقي مجموعة من الفتيات والشبان في مجلس ثقافي وفني مفتوح في أحد أهم شوارع مدينة جدة السعودية، لا رابط بينهم سوى التعاطي مع الفن وصنوف الثقافة. يسمعون الموسيقى والشعر ويشاهدون الأفلام القصيرة. يغرقون في نقاش طويل يثري عقولهم وتجاربهم، في كل مناسبة ثقافية أو فنية تجد ركنا لهذا التجمع الثقافي الشبابي الذي اختار “أرباب الحرف” وسما واسما له.

“أرباب الحرف” مشروع لأنسنة الحياة وملتقى للحرفيين والفنانين في جدة، يهدف لخلق بيئة رائعة للطاقات الواعدة، وهو الوصف الرسمي للمجموعة التي تجتمع في مقهى يحمل الاسم نفسه، أسّسه الشاب السعودي عبدالله الحضيف بداية العام 2017 بعد أن قدم من بعثته في أستراليا.

عندما تزور مقر اجتماعهم الجديد، وقد انتهى فريق العمل من تجهيزه وتزيينه باللوحات الفنية والتشكيلية، ومقاطع من جواهر القصائد الشعرية، ولافتات ساحرة توثق جزءا من إنتاجات العقول العربية والعالمية، أول ما يصادفك وسط تلك القاعة الزاخرة بالفنون، هو ذلك الدّوي المتصاعد من النقاشات المستفيضة عن واحد من الموضوعات التي تستحوذ على اهتماماتهم، ربما انقضت ساعات منذ افتتح هذا النقاش، لينتهي بفكرة أو مبادرة أو رأي فني قرّ في صدورهم وأذهانهم التي تتنفس ذوقا وفنا.

تجمع شبابي مفتوح

يحدث أن يستضيف “أرباب الحرف” أسماء بارزة في فنون مختلفة، إذ تعقد مجالس أسبوعية، ابتداء بمجلس زرياب الموسيقي وصالون العقاد الثقافي ومجلس بزل للتصوير الفوتوغرافي ورصيف الصحافة وصومعة الأدب وأستوديو فان غوخ للرسم وسينما أرباب وورش عمل شهرية وأسبوعية في اهتمامات ومجالات مختلفة.

عبدالله الحضيف وهو شاب سعودي متذوّق للفن، يقطع من أجله المسافات الطويلة والعابرة، ولا يفوّت مناسبة تضيف إلى خبرته وتجربته الكثير من تراكم الجمال، بمجرد قدومه من خارج السعودية، إذ كان يدرس في أستراليا، عوّض الإحساس بالانفتاح وتعدّد الخيارات التي كان يجدها في أستراليا، بتأسيس مشروعه الشخصي لإثراء الحالة الثقافية والفنية وقضاء الكثير من الوقت في التعاطي مع فنونها المختلفة.

تحوّل هذا المشروع من مجرد اجتهاد شخصي إلى تجمّع شبابي مفتوح، ينخرط فيه الكثير من أصحاب الاهتمامات المتنوعة من الفتيات والشباب على حد سواء، وتحوّل إلى تجربة مؤسّسية ناضجة تديرها الشابة ديمة فتياني.

يقول الحضيف “الفكرة ولدت من رحم الاحتياج لحاضنة ثقافية جادة تحمل على عاتقها رسالة التنوير المتمثلة في الثقافة والفنون المختلفة، لتوصلها لكافة أطياف المجتمع من خلال توفير منصة لديها القدرة على التشكّل في صور ثقافية وفنية متباينة المحتوى، واضحة الملامح لتستوعب الجميع، وتسهم في إعادة توجيه البوصلة الثقافية بما يتّسق مع المرحلة الراهنة من أجل تحقيق الرؤية”.

"أرباب الحرف" يسعى اليوم للقيام بمهمة نوعية، عبر ترميم ثلاثة مبان تاريخية في جدة القديمة وتحويلها إلى مزارات ثقافية

ويضيف “في أرباب الحرف نتجرد من كل الانتماءات، نتطهر من أي أيديولوجيات، ننعتق من الولاءات الضيقة، انتماؤنا الوحيد للحرف والكلمة، للوتر والنغم، للألوان والريشة، للضوء والعدسة، رسالتنا السامية أنسنة الحياة، وتحيزنا الكامل للوطن”.

لا يحبّ رواد “أرباب الحرف” أن تحبس هذه الروح التوّاقة لبث الأمل والفن والحياة داخل جدران وأسوار موقع التجمع، بالإضافة إلى فتح الأبواب لطلبات الانضمام والاستمتاع بالجهود التطوعية والمجانية التي تنظم، فإن ضيوفا من نخب الثقافة والفكر والأدب يجدون مكانا لهم في هذا الوسط المشجّع، يتجاذبون الحديث ويستمتعون بالكشف عن جديدهم من الأطروحات والإنتاج الشخصي، ويجدون من لدن الشباب وافر الجدل والنقاش الذي يذكّي أمسيات الأدب ويحيي مواسم الفن والثقافة في مدينة جدة النائمة بهدوء على شاطئ البحر الأحمر.

خرجت من هذا الرحم الثقافي الكثير من المبادرات، التي تعبر عن صميم ما تنوي المجموعة توطينه في حوارات جدة ونفوس أبنائها، من ذلك تحويل ثماني حارات قديمة في مدينة جدة إلى مساحات من الفن والجمال على يد مجموعة “أرباب الحرف”، ضمن فعالية رمضانية غير مسبوقة، إذ أرسلت فرقا فنية للرسم والتلوين وإعادة تهيئة وتزيين الحارات والأزقة والحارات، لاسيما القديمة والشعبية، بغرض بث روح الأنس والفرح في قلوب أهلها وأطفالها وإضفاء لمسة فنية وإبداعية تُبدّد جمود وبرود الحارات العتيقة.

إضافة إلى الرحلات الثقافية التي تنظم بشكل أسبوعي لعدد من رواد وأعضاء المجموعة، يقضون أوقاتا من التأمل في البراري المفتوحة وعلى الشواطئ الساحرة أو في رحلات “هايكنج” لصعود الجبال وقطع الفيافي والوديان، لاسيما وأن السعودية تزخر بهذا النوع من التضاريس المختلفة التي تحثّ على التأمل والاتصال الحيوي بالطبيعة.

مزارات ثقافية

Thumbnail

يقوم “أرباب الحرف” اليوم بمهمة نوعية، عبر ترميم ثلاثة مبان تاريخية في جدة القديمة وتحويلها إلى مزارات ثقافية وفنية، إذ ستتحوّل قريبا إلى متحف الحضيف وهو مدرسة للحرف اليدوية، وبيت زرياب للموسيقى الشرقية وأخيرا بيت الحضيف للأعمال التطوعية، وستفتح كل هذه البيئات ذات الاهتمامات المختلفة، آفاقا جديدة ومميزة تنعش فرص الثقافة الحرة والفن المبدع.

هذا وأقامت “أرباب الحرف” معارض فنية في العديد من الفعاليات الموسمية، مثل معرض أرباب الحرف الذي أقيم في فعالية رقي التسامح في إعمار سكوير، والمشاركة في مهرجان حكايا مسك في جدة التاريخية لمدة أسبوع كامل، والمشاركة في مهرجان حوافز الذي أقيم في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية لمدة خمسة أيام كأكبر معرض فني مفتوح أمام الزوار على شاطئ المدينة، وبلغ عدد المشاركين فيه أكثر من 50 فنانا من أغلب مناطق المملكة وإخراج 100 عمل تشكيلي من كل فنان، وفعالية حياة الشعوب في فلامنغو مول لمدة أسبوع، بمشاركة عدد من الفنانين.

16