مشروع هدنة بين منتجي النفط لخفض تخمة الأسواق

لم تأخذ الأسواق أنباء التوصل إلى اتفاق بين عدد من كبار منتجي النفط لمعالجة فائض المعروض في الأسواق على محمل الجد، حين دفعت أسعار النفط إلى انخفاض طفيف، الثلاثاء، في دليل على صعوبة التوصل إلى اتفاق شامل، خاصة في ظل سعي إيران لزيادة الإنتاج.
الأربعاء 2016/02/17
تزاحم المواقف المتناقضة

الدوحة - اتفقت السعودية وروسيا وقطر وفنزويلا على تجميد إنتاجها من النفط عند مستويات شهر يناير الماضي سعيا لإعادة الاستقرار إلى أسعاره المتهاوية، بعد اجتماع وزاري في الدوحة، الثلاثاء، لكن تأثير الخطوة على الأسواق كان محدودا.

وأكد وزير النفط والصناعة القطري محمد صالح السادة خلال إعلان الاتفاق، أنه مرتبط بقيام منتجين كبار آخرين، خصوصا العراق وإيران، بتجميد مماثل.

وقال للصحافيين بعد الاجتماع إن “الدول الأربع اتفقت على تجميد الإنتاج عند مستوى يناير بهدف استقرار أسواق النفط، بشرط أن يحذو منتجون كبار آخرون حذونا”.

وذكر وزير النفط السعودي علي النعيمي، الذي تعد بلاده أكبر مصدر للنفط الخام في العالم، أن الدول الأربع تعتقد “أن التجميد الحالي للإنتاج عند مستوى يناير مناسب للسوق”.

وأضاف أن الاتفاق “بداية مسار، سنعمل على تقييمه خلال الأشهر المقبلة لنقرر ما إذا كانت هناك خطوات أخرى ضرورية من أجل استقرار الأسواق”.

وأوضح “لا نريد تذبذبات كبيرة في الأسعار، لا نريد خفضا للإنتاج، نريد أن نلاقي الطلب ونريد سعرا مستقرا للنفط”.

ويأتي الاتفاق في ظل وضع مضطرب تشهده أسواق النفط العالمية، بعدما أدى فائض الكميات المعروضة إلى تراجع كبير في الأسعار منذ منتصف عام 2014، ما كبّد الدول المنتجة خسائر هائلة في مداخيلها.

ورفضت أوبك، مدفوعة بالدرجة الأولى بقرار السعودية والدول الخليجية الأخرى، خفض إنتاجها سعيا لإعادة الاستقرار إلى الأسعار.

واعتبرت دول في المنظمة أن الخفض المنفرد للإنتاج سيؤدي إلى فقدانها حصتها من الأسواق، ولن يساهم في انتعاش الأسعار، ما لم تتخذ الدول المنتجة من خارج المنظمة خطوة مماثلة، نظرا إلى حصتها الوازنة في الأسواق.

ولم يجد الاتفاق أي صدى في الأسواق ولم تتأثر الأسعار بشكل كبير، في ما رجح محللون أن سبب ذلك أن الأسواق كانت تنتظر خفضا للإنتاج بدلا من تجميده فقط.

وقال المحلل في إي.تي.اكس كابيتال دانيال شوغرمان لوكالة الصحافة الفرنسية إنه رغم أن الاتفاق يعد “خطوة أساسية إلى الأمام… لكن الأهم في هذا الإعلان هو الربط بخطوة مماثلة من منتجين آخرين”.

وأضاف “يبدو على المدى البعيد أن التغيير مرتبط برد فعل بعض الدول المنتجة، التي لم تكن مشاركة في هذا الاجتماع”.

محمد صالح السادة: الاتفاق مرتبط بقيام منتجين آخرين بتجميد مماثل خاصة العراق وإيران

وأوضح الوزير القطري أن تواصلا “مكثفا” سيبدأ “فورا” مع منتجين آخرين بينهم إيران والعراق “نعتقد أن هذه الخطوة تهدف إلى استقرار السوق وستعود بالفائدة ليس فقط على المنتجين والمصدرين، بل أيضا على الاقتصاد العالمي”.

وخسرت أسعار النفط 70 بالمئة من قيمتها منذ يونيو 2014، بسبب عجز الأسواق العالمية عن استيعاب فائض الكميات المنتجة، لا سيما مع تراجع الطلب الصيني.

وهي المرة الأولى التي تتوصل فيها دول من أوبك وخارجها إلى اتفاق يهدف إلى إنعاش أسعار النفط منذ بدء انخفاضها الحاد قبل نحو عامين.

وسبق للمنظمة أن رفضت مرتين خلال الأشهر الماضية خفض إنتاجها، خشية فقدانها حصتها من الأسواق، والتي تنافسها فيها روسيا والولايات المتحدة، وخاصة من خلال النفط الصخري.

وشدد النعيمي، الثلاثاء، على ضرورة وجود توافق بين الدول في أوبك وخارجها لإعادة رفع الأسعار التي تعتمد بالدرجة الأولى على العرض والطلب.

ورأى المحلل في “سيتي اندكس” فؤاد رزاق زادة “في الواقع، الاتفاق مشروط بتجميد إنتاج النفط… في الواقع خيب آمال الأسواق بشكل طفيف لأن البعض كان يأمل في أن يتم الاتفاق على خفض الإنتاج بدلا من تجميده”.

وكما كان متوقعا سارعت طهران إلى رفض الاتفاق على لسان وزير النفط الإيراني بيجان زنغنة، الذي قال إن بلاده لا تنوي خفض إنتاجها النفطي، لكنها “مستعدة للنقاش” مع البلدان الأخرى المنتجة للنفط.

وأعلن أنه سيجتمع مع نظيريه العراقي والفنزويلي في طهران الأربعاء لمناقشة تلك الخطوة.

وقد أكد وزير النفط الفنزويلي ايلوجيو دل بينو من الدوحة عقد الاجتماع في طهران وقال “سنعقد اجتماعا، الأربعاء، مع الوزيرين الإيراني والعراقي وآمل أن يذهب معي الوزير القطري لنناقش معهما أسس هذا الاتفاق المهم جدا لتحقيق الاستقرار في السوق”.

وأكد زنغنة أنه لم يطلع بعد على “النتائج النهائية” لاجتماع الدوحة، مشيرا إلى أن “مناقشة وبحث هذه المسألة ممكنان لكن إيران لن تخفض حصتها” من الإنتاج.

وتسعى إيران إلى العودة بقوة إلى السوق النفطية بعد رفع العقوبات الاقتصادية الشهر الماضي عنها تطبيقا للاتفاق الدولي حول برنامجها النووي، وهي تؤكد أنها تقيد زيادة الإنتاج إلى حين استعادة حصتها من الأسواق قبل فرض العقوبات عليها.

في هذه الأثناء قال مصدر بوزارة النفط العراقية، الثلاثاء، إن بغداد مستعدة للالتزام بتجميد إنتاجها النفطي عند مستويات يناير إذا توصل المنتجون داخل أوبك وخارجها إلى اتفاق. وأكد أن “العراق مع أي قرار يساهم في دعم أسعار النفط”.

وقالت وزارة النفط العراقية، الثلاثاء، إن إنتاجها بلغ مستوى قياسيا في يناير ليصل إجمالي إنتاج الخام من جميع الحقول بما فيها تلك التي تسيطر عليها حكومة إقليم كردستان شبه المستقل في شمال البلاد إلى 4.775 مليون برميل يوميا في المتوسط.

وكانت الوزارة قالت في وقت سابق هذا الشهر إن الإنتاج من الحقول الجنوبية باستبعاد الحقول الخاضعة لسيطرة حكومة كردستان انخفض إلى 3.9 مليون برميل يوميا في يناير من 4.13 مليون برميل يوميا في الشهر السابق وهو مستوى قياسي مرتفع لإنتاج الحقول الجنوبية وحدها.

ولطالما قالت بغداد إنها تتوقع ارتفاع إنتاجها بشكل أكبر هذا العام لكنها أبدت منذ الشهر الماضي استعدادها لتقليص الإنتاج سريع النمو إذا توصل جميع أعضاء أوبك والمنتجين المستقلين إلى اتفاق.

ويبدو أن المنتجين فضلوا هدنة، هي بمثابة "وقف لإطلاق النار" وحرب خفض الأسعار للحصول على حصص في الأسواق، بدل السعي للتوصل لإتفاق أشد صعوبة لخفض الإنتاج.

في هذه الأثناء تراجعت أسعار النفط العالمية بعد ساعات من إعلان الاتفاق بعد ارتفاع مؤقت فور إعلانه، ليتراجع سعر مزيج برنت تحت حاجز 33 دولارا للبرميل.

بيجان زنغنة: مناقشة وبحث الاقتراح ممكنان لكن إيران لن تخفض حصتها من الإنتاج

ووصف محللون القرار بأنه خطوة في الاتجاه الصحيح لإعادة التوازن بين العرض والطلب غير أنهم قالوا إن المخزون العالمي مازال قريبا من مستويات قياسية ومن المحتمل أن يكبح الاتجاه الصعودي لأسعار الخام.

وهبطت الأسعار بفعل طفرة إنتاج النفط الصخري الأميركي وقرار السعودية وحلفائها الخليجيين في أوبك زيادة الإنتاج لحماية حصتها في السوق وإخراج الإنتاج مرتفع التكلفة من السوق.

ولطالما شددت السعودية على أنها لن تخفض الإمدادات إلا إذا اتفقت دول أوبك والمنتجين المستقلين لكن روسيا ثاني أكبر مصدر للنفط في العالم قالت إنها لن تشارك في هذه الخطوة نظرا لاختلاف حقولها في سيبيريا عن تلك الخاصة بدول أوبك.

وبدأ الموقف يتغير في الشهر الماضي مع نزول أسعار النفط عن 30 دولارا للبرميل.

وفي حين أن فنزويلا هي الأكثر تضررا بين المنتجين إلا أن أسعار النفط الحالية تقل كثيرا عن السعر الذي تحتاج إليه روسيا لتحقيق التعادل بين الإيرادات والمصروفات في موازنتها في وقت تتجه فيه نحو إجراء انتخابات برلمانية هذا العام.

وتعاني المالية العامة للسعودية معاناة شديدة أيضا إذ سجلت الرياض عجزا قدره 98 مليار دولار في موازنتها العام الماضي وتسعى لتقليصه هذا العام.

ولكن في الوقت الذي جرى فيه الحديث عن تعاون محتمل مع أوبك، رفعت روسيا إنتاجها إلى مستوى قياسي جديد في يناير الماضي.

ويرجح بعض المحللين انخفاضا كبيرا في إنتاج النفط المرتفع التكلفة في الأشهر المقبلة، الأمر الذي يرجح أن يظهر تأثير تجميد الإنتاج، إذا تم التوصل إليه مع جميع المنتجين.

11