مشكلة الأزهر مع الإخوان

الاثنين 2013/11/25

لم تترك جماعة الإخوان المسلمين في مصر أي قوى سياسية أو أمنية أو دينية، إلا واشتبكت معها، أو حاولت النيل منها، ودخلت مع بعضها في حروب وعرة لتكسير العظام. وقد ظهرت معالم هذا التوجه أثناء وجود الجماعة في الحكم وبعد إزاحتها، لأنها تريد أن تحتكر الفضيلة بمفردها. وباءت كل محاولاتها بالفشل، لكن بقي ثأرها من الأزهر الشريف له خصوصية مختلفة عن الآخرين، حيث اعتبرته الحائط المنيع الذي حال دون تحقيق أحلامها الدينية، وشيخه العالم الدكتور أحمد الطيب لعب دورا مهما في إفشال مخططات الإخوان، ولم تنفع معه سياسات الترغيب والترهيب، بل لم تهز شعرة في قناعاته الثابتة والمناهضة للجماعة، وصمد وتمسك بمواقفه حتى ذهبت الغمّة ودخلت قياداتها غياهب السجون.

مع ذلك لم تتوقف محاولات الثأر من الأزهر والرغبة في تقزيمه، وابتدع الإخوان حيلا كثيرا، منها التشكيك في النوايا السياسية لشيخه الطيب، والتقليل من دوره في الداخل والخارج تارة، والتحريض عليه بذريعة تقاعسه عن تحمل المسؤولية الدينية لهذا المنبر تارة أخرى.

وفي كل الأحوال جرى إطلاق سلسلة من الشائعات التي تمس سمعة رجل لم يدخر وسعا في مواجهة الإخوان وهم في عز صولجان الحكم. وعندما أخفقوا في مساعيهم بذلوا جهدا مضنيا في التحريض عليه من الداخل، مرة من خلال أعضاء هيئة التدريس المحسوبين على الإخوان، ومرة ثانية عبر حض الطلبة والطالبات على المظاهرات والاحتجاجات لتعطيل الدراسة بجامعة الأزهر، والتي تحولت إلى أعمال عنف وتخريب، طالت الحجر والبشر في الجامعة. وهو ما يتسق مع هدف الإخوان في توسيع نطاق الإرباك العام، رغبة في تعطيل المسيرة السياسية لخريطة الطريق.

جامعة الأزهر، بالمظاهرات وأحداث العنف التي يقوم بها منتمون للإخوان، أصبحت عنوانا رئيسيا في جميع وسائل الإعلام خلال الأيام الماضية، وفرضت نفسها سياسيا على جدول أعمال الحكومة المصرية، التي اضطرت للسماح لرجال الشرطة بدخول حرمها، من أجل إطفاء النيران التي أشعلتها مظاهرات الجماعة، دون حاجة إلى استدعاء من المسؤولين بالجامعة أو استئذان من خارجها. فالموقف الأمني الساخن حطم الحواجز القانونية، وهدم الجدران السياسية، لأن هناك معركة جانبية بسبب عودة الحرس الجامعي (الشرطة) إلى القيام بدورها الأمني المنظم داخل حرم الجامعة. ففريق داخل الحكومة رفض ذلك، وآخر دفع باتجاه العودة، لكن الواقع المرير فرض نفسه، فالقضية خرجت عن نطاق فكرة استقلال الجامعات إلى الحفاظ على هيبتها، ومنع المساس بكرامتها، وكانت جامعة الأزهر محكا في هذا الاختبار.

اختيار الإخوان جامعة الأزهر لمزيد من التصعيد لم يأت من فراغ، وربما يكون السبب ذاته الذي جعل القيادة السياسية والأمنية تتعامل مع أحداثها بقدر عال من الحسم، وتجاوز المرونة المعهودة في مثل هذه الحالات.

فهذه الجامعة المركزية تضم عددا كبيرا من أعضاء الإخوان، الذين جاؤوا من الأقاليم، لأنها الوحيدة في مصر، وفروعها في المحافظات قليلة، ويسكن في مدينتها الجامعية عشرات الآلاف من الطلبة والطالبات، معظمهم على علاقة وثيقة بالإخوان. بالإضافة إلى أن بها المئات من جنسيات أجنبية (آسيوية وأفريقية تحديدا)، منهم من له علاقة بالتنظيم الدولي للإخوان. بالتالي توافرت فرصة جيدة للحشد وتنفيذ أوامر ومخططات قيادات الجماعة، والتي من بينها إظهار ضعف إدارة الأزهر، وإرباك المنطقة المحيطة به، ما يفسر حرص المتظاهرين والمتظاهرات على الخروج إلى الشوارع القريبة من مقر جامعة الأزهر، والتي تبعد أقل من كيلومتر واحد عن مسجد «رابعة العدوية» الشهير في حي مدينة نصر، والذي يريد الإخوان تكرار تجربة الاعتصام عنده.

بالطبع هذا الهدف لم يكن غائبا عن ذهن قيادات جهاز الشرطة، لذلك جرى اتخاذ سلسلة من الإجراءات والاحتياطيات الأمنية لمنع تحقيقه، وتجنب تكاليفه السياسية والأمنية مبكرا، وتم السماح في التعامل مع مظاهرات الأزهر بتجاوز القيود التي كبلت الشرطة في جامعات أخرى، حاولت الجماعة إلحاقها بقطار المظاهرات. الأمر الذي فشلت فيه، ليس فقط لقلة أعداد المنتمين إليها من الطلبة والطالبات، لكن لوجود تيار مدني نشط داخل هذه الجامعات يتصدى لها. كما أن القيمة الرمزية والمعنوية لجامعة الأزهر تفوق غيرها من الجامعات. فإلى جانب أنها مكان للدراسة وتحصيل العلم، هي منبر عالمي، يتجاوز مصر، حيث يقوم بدور مؤثر في بلدان كثيرة، ولا يزال رمزا للإسلام الوسطى والمعتدل، الذي حاول الإخوان تصديره واحتكاره لأنفسهم أمام العالم. من هنا يؤدي تخريب جامعة الأزهر، المكان والمحراب والقيمة، إلى منح الجماعة فرصة تاقت إليها منذ سنوات طويلة.

نتيجة المباراة السياسية لمظاهرات جامعة الأزهر حتى الآن صفر كبير، وهي لا تختلف كثيرا عن نتائج جميع المباريات التي خاضها تنظيم الإخوان، ما يدل على عدم الاستفادة من التجارب السابقة، وضيق الأفق السياسي، لأن المسألة انحصرت عمليا في توصيل رسالة للخارج تقول أن شوكة الإخوان لم تنكسر، وأن الجماعة تمتلك نفسا سياسيا طويلا.

ربما هناك من اقتنع بذلك، بسبب التضخيم المتعمد الذي تقوم به قناة الجزيرة القطرية وأعوانها، غير أن الأغلبية على يقين أن المظاهرات المحدودة التي تخرج هنا أو هناك لن تجبر الدولة المصرية على الليونة، أو التساهل مع الجرائم التي ارتكبتها عناصر الإخوان. كما أن ورقة المظاهرات تراجعت أصلا وفقدت بريقها، ولعل خروج العشرات فقط دليلا كافيا، والانتقال إلى مرحلة الاغتيالات لضباط وجنود الجيش والشرطة دليلا إضافيا. علاوة على استمرار خريطة الطريق وفقا للجدول الزمني، وارتفاع التصنيف الائتماني لمصر، وعودة السياحة بعد رفع غالبية الدول حظرها، وتغير المواقف السياسية لكثير من الدوائر الأوروبية والأميركية، تعد عوامل مهمة لتأكيد حجم الخيبة التي يعاني منها الإخوان، وجعلت التشبث باستمرار مظاهرات جامعة الأزهر الملاذ الأخير لسماع صوتها داخل الجدران، عقب إصابته بالخرس تقريبا خارجها.


كاتب مصري

9