مشكلة المسيحيين مع سلاح "حزب الله"..

الأربعاء 2014/01/29

من يختصر حقوق المسيحيين في لبنان بوزارة الطاقة لا يعرف شيئا لا عن لبنان ولا عن المسيحيين ولا عن الأسباب التي أدت إلى وصول الوضع المسيحي في البلد إلى ما وصل إليه. وصل الوضع المسيحي إلى أن يكون من يعتبر نفسه على رأس أكبر كتلة نيابية مسيحية، مجرّد أداة لدى “حزب الله” يحرّكه كما يشاء. يحصل ذلك في وقت لا يخفي “حزب الله” نفسه وبلسان أمينه العام أنّ ولاءه الأوّل والأخير لإيران.

يصعب تفسير هذا التصرّف عند هذا النوع من المسيحيين بغير كلمة واحدة هي العجز. العجز الذهني عن استيعاب الواقع اللبناني والإقليمي. إنّه العجز الذي أوصل ميشال عون إلى رفض الخروج من قصر بعبدا عام 1989 بعد انتخاب “رينيه معوّض” رئيسا للجمهورية إثر التوصّل إلى اتفاق الطائف. وقد تسبب ذلك في تمكين النظام السوري من اغتيال الرئيس معوّض، على غرار اغتياله الرئيس بشير الجميّل عام 1982.

لا حاجة إلى فتح دفاتر الماضي القريب، بما في ذلك هرب عون من قصر بعبدا بعد مراهنته على صدّام حسين في مواجهة حافظ الأسد، الراغب في أن يقبض سلفا ثمن مشاركته الجانب الأميركي في طرد الاحتلال العراقي من الكويت.

أراد الأسد الأب قبض الثمن في لبنان وليس في أيّ مكان آخر، فما كان من عون سوى أن سهّل له هذه المهمة إلى أبعد حدود. لم يقتصر دخول القوّات السورية إلى قصر الرئاسة في بعبدا على القصر نفسه، بل فتح لها عون أيضا أبواب وزارة الدفاع اللبنانية القريبة من القصر.

تكمن مشكلة قسم من المسيحيين في لبنان في أنهم لا يريدون تعلّم شيء من تجارب الماضي، مهما كانت قريبة، ومن عبقرية من يسمّى “الجنرال”. تبيّن في نهاية المطاف أنه والرئيس السابق إميل لحود، الذي يرمز إلى عهد الوصاية السورية، وجهان لعملة واحدة.

لا حاجة أيضا إلى التذكير بأن شخصا مثل عون لا يستحي من كونه هجّر عشرات آلاف المسيحيين من لبنان بفضل حربي “التحرير” والإلغاء” اللتين شنّها على المسلمين اللبنانيين ثم على فريق من المسيحيين بين 1988 و1990. لا يستحي الرجل من أنه لا يريد الاعتراف بأنه من فئة أشباه الأمّيين. فهو عسكري عندما يتطلّب الأمر أن يكون سياسيا، وسياسي عندما تدعو الحاجة إلى أن يكون عسكريا.

تعود المشكلة التي يعاني منها من يعتبر نفسه على رأس الكتلة المسيحية “الأكبر” في مجلس النواب اللبناني في أنه لا يريد الاعتراف بأن هذه الكتلة صنعها له “حزب الله”. من دون الحزب الإيراني، لا نوّاب لعون في المتنين أو جزّين أو جبيل. بالكاد يستطيع هو أن يكون نائبا عن كسروان لولا أصوات “حزب الله” في هذا القضاء.

حيث الصوت المسيحي هو المرجّح، سقط مرشحو ما يسمّى “التيار العوني”. الدليل على ذلك، أن صهره سقط مرتّين في قضاء البترون لأنّ “حزب الله” لم يستطع أن يفعل له شيئا. الأمر نفسه حصل في الكورة وبشري وبيروت الأولى، حيث سقط مرشحو عون بسبب أرجحية الصوت المسيحي.

من يريد بالفعل المحافظة على مصالح المسيحيين في لبنان، وهي مصالح لا تنفصم عن مصالح المسلمين في أيّ شكل من الأشكال، لا يتذرع بحقوق أبناء طائفته من أجل الاحتفاظ بوزارتي الطاقة والاتصالات اللتين يسيطر عليهما، عمليا، “حزب الله”، أي إيران. هل يطالب عون بحقيبة سيادية، كالمال أو الخارجية أو الدفاع أو الداخلية، من أجل زيادة عدد الحقائب التي يسيطر عليها “حزب الله”؟

يفترض في ميشال عون ومن يسير على دربه استيعاب أنّ لا وجود لحقوق مسيحية ولا لشيء من هذا القبيل. هناك حقوق مغتصبة تعود إلى كلّ اللبنانيين. من اغتصب هذه الحقوق هو حزب مسلّح يمتلك ميليشيا مذهبية تعطّل الحياة السياسية في لبنان وتعطّل الاقتصاد. هذا الحزب أقام دويلته في لبنان وهو يستخدم سلاحه غير الشرعي من أجل تحويل لبنان مستعمرة إيرانية. أين مصلحة اللبنانيين، خصوصا المسيحيين في ذلك؟

من يتحدّث عن حقوق المسيحيين من خلال وزارة الطاقة، إنما يهرب من الواقع. إنه الفارُّ نفسه من قصر بعبدا إلى السفارة الفرنسية في 1990 للنفاذ بجلده. إنه الفارُّ نفسه الذي ترك جنوده المسيحيين والمسلمين يُقتلون بدم بارد على يد القوات السورية، التي ما لبثت أن دخلت قصر الرئاسة ووزارة الدفاع للمرّة الأولى منذ استقلال لبنان.

من يهرب إلى وزارة الطاقة حاليا، إنما يهرب من الحقيقة المرّة المتمثلة في أنه كان هناك دائما في لبنان مسيحيون لا يستطيعون رؤية ما هو أبعد من الأنف. لو كان ميشال عون، شبه الأمّي الذي يدّعي معرفة كلّ شيء، يرى إلى ما هو أبعد من أنفه، لكان تذكر أول ما تذكّر اتفاق القاهرة المشؤوم الذي شرّع السلاح الفلسطيني في لبنان والذي عاد على البلد، خصوصا على المسيحيين بالويلات.

إنّ مشكلة كلّ لبناني هي مع شعار “الشعب والجيش والمقاومة” الذي يكرّس سلاحا غير شرعي على الأرض اللبنانية. لا مهمّة لهذا السلاح المذهبي الموجّه إلى صدر المواطن المسالم سوى تنفيذ أجندة إيرانية تصبّ في تهجير مسيحيي لبنان. من لديه أدنى شك في ذلك، يستطيع أن يسأل نفسه: ما مصير المسيحيين في حال استمرّ “حزب الله” بواسطة سلاحه في منع العرب من المجيء إلى لبنان؟ هل ستزداد هجرة الشبّان المسيحيين الذين يعملون في معظمهم في قطاع الخدمات أم لا؟

منذ عام 1990، وحتى قبل ذلك، لم يتغيّر شيء في مسيرة ميشال عون. لا يزال رجلا هاربا من الواقع. يبدو أنه لم يُهجّر بعد ما يكفي من مسيحيي البلد إلى كلّ بقعة من بقاع العالم. هل يجرؤ على الوقوف أمام مرآة ويسأل نفسه لماذا يقيم في الرابية، على طريق بكفيا، وليس في مسقط رأسه حارة حريك التي باتت معقلا من معاقل “حزب الله” في الضاحية الجنوبية لبيروت؟


إعلامي لبناني

8