مشكلة المهاجر المسلم هي نفسها مشكلته في الوطن

الثلاثاء 2016/04/12

القضية لم تعد مجرد تقدم كالسابق، هناك إنسان جديد يتشكل في الغرب. القانون والتكنولوجيا والعلوم انفجرت اجتماعيا. البارحة أفكر وأنا جالس مع هؤلاء الشباب البيض الكنديين، حتى السيارات عندهم بدأت تتحول إلى الكهرباء بدلا من البترول. المال يتحول من جهد إلى إدارة واستثمار، لهذا تتعامل الدولة مع كل مواطن كوحدة استثمار ضريبية، وطبعا على الأخلاق والعواطف البشرية التبدل مع العالم الجديد.

الشباب هنا طاقة من الأفكار واللغة السريعة والطموح والموسيقى، كان صعبا عليّ مجاراتهم فالعلاقة بهم متعبة لأن إيقاعهم سريع وثقافتي أبطأ، لهذا أول شيء أنصح به المهاجر الحيوي هو الموسيقى. حاول أن تركز على موسيقاهم وأغانيهم الحديثة، إلى أن تصل إلى درجة الاستمتاع بها، إنها الأغنية الحديثة التي تنقلك إلى العصر الذي أنت فيه، ولاحظت أن الأغنية الأجنبية تترك فيك شعورا إيجابيا، ولا تدفعك كثيرا إلى الحزن والمرارة. الشيء الآخر هو ألّا تحاول أن تحاكم العالم من حولك بعقلك القديم، اترك دماغك في البيت وسلّم حواسك لهذا العالم المختلف، حاول أن تقول لنفسك “أنا هنا رائد فضاء وهذا شعب من كوكب آخر”، اعمل على أن تتعلم وتصغي وتندمج.

مشكلة المهاجرين العراقيين أنهم يحافظون على صداقات مع مواطنيهم في المهجر، وهذا يجعلهم أبدا لا يصلون إلى إيقاع العالم الجديد. اقطع علاقاتك بالعراقيين واندمج.

هذه التجربة ستضيف الكثير إلى وعيك، حتى في مشاكلك الشخصية كالزواج والطلاق ومشكلة الأطفال لا تسأل العراقيين المشورة، فهم يعانون نفس الاغتراب والتشوش، اسأل أصدقاءك الكنديين، وستكتشف كم الحياة سهلة، ولا توجد مشكلة نفسية أو قانونية.

تعلّم أن تكون صادقا، بادلهم المحبة والاحترام، وسترى كيف ينهار ذلك الحاجز بين عراقيتك وكنديتهم. كيف أنك منذ البداية وبالوثائق واحد منهم لكنك فشلت في تقبل هذه الحقيقة. لم تقدر وجودك في عالم يستقبل المهاجرين ويحارب العنصرية ويمنحك الجنسية.

إن إرادة البقاء تفرض على الكائن الحي التبدّل مع البيئة، هذه أهم ملاحظات داروين. بعض الحيوانات تنبت لها مخالب وأنياب، وبعضها سامة وبعضها لها أشواك أو تبدل شكلها ولونها كل ذلك للبقاء. إن الهوية العربية والإسلامية لا تستطيع مقاومة البيئة. إن الانسداد الحضاري هو أننا نخلق بيئة اصطناعية مكلفة للعيش في الماضي على طريقة انتهى زمانها.

الأفضل أن نترك ثقافتنا تتفاعل مع العصر والتبدّل، لا ينبغي أن نقف ضد الحياة والعقل كما تفعل داعش مثلا. أريد للشباب الذين يسيرون خلف مقتدى الصدر أن يصبحوا حقا بنفس الروح الحرة الشجاعة التي رأيت فيها الفتيان والفتيات البيض. نحتاج إلى ثورة بالثقافة وليس بالسلاح، إلا أننا بصراحة نتعرض لضغوط من كل الجهات وهذا يجعل من حركتنا بطيئة. المتابع العربي يحتويك ويصنفك، ولا يستطيع تركك في اللجة تتفاعل وتفكر وتنتج. نحتاج إلى تسامح في القراءة.

من المؤسف تمت محاربة التفسير الماركسي في الشرق الأوسط من قبل الطرفين؛ الغربيين والإسلاميين. فهو تفسير علمي أفضل من لغو الـ”سي أن أن” مثلا. والثقافة الماركسية كانت أخلاقية في محاولتها التركيز على مواضيع الفقر والعلاقة بالدول الغنية والاحتكار والهيمنة.

كيف نتبنى قيما غربية جديدة، ونحن لا نمتلك دولا تتحمل مسؤولية التحول؟ من دون نظام شرطة قوي ونزيه لا يمكن تحرير المرأة، لأنها ستتعرض للاغتصاب والعنف والقتل.

من دون نظام رعاية للعجزة يكلف الدولة المليارات، لا يمكن تحرير الأبناء من البر بوالديهم والنظام الأبوي. من دون نظام حماية طفل باهظ الثمن، لا يمكن تعليم الأبناء بأنهم أحرار ولا أهمية لأهلهم سوى العاطفة الإنسانية السليمة. من دون دولة مستعدة لدفع البلايين وتتصف بالنزاهة، لا يمكن التحرش بقيم المجتمع المسلم.

التغيير يبدأ طوعيا وتدريجيا بضخ قيم جديدة في المدرسة وخنق التعليم الديني، ثم بناء مؤسسات قوية للدولة، بعد ذلك تدريجيا يتم التغيير، وهو ببساطة طرد الرجل من الهيمنة على العائلة، فالذي يحدث هو زواج المرأة من الدولة، ويصبح الرجل مجرد تسلية للأطفال وعلاقة حب مع الزوجة، أما الأبوة فهي الدولة بشرطتها وقانونها وثروتها.

ربما الدولة تطرد الرجل بمجرد اتصال من زوجته، لكن الدولة توفر السكن والطعام وكل احتياجات العائلة. ومع الزمن اكتشف الرجل الغربي أن تحرير أطفاله وزوجته من إرادته هو تحرير له، فهناك أشياء كثيرة في الحياة أهم من الهيمنة على العائلة، وقضية أن يدفع الحقوق الشهرية بلحاء القانون ويتحرر ضميره قضية تغري الرجل الكندي أكثر من متعة أن يكون “رب الأسرة” بالمعنى الشرقي.

لا يمكن الضغط على مجتمع بعملية ديمقراطية كالعراق وتدويخه بانتخابات وبرلمان وكلام وهمي في حين أن الدولة غير موجودة كخدمات مدنية واجتماعية وقانونية.

في ظروف كهذه على الوطنيين إطلاق الرصاص على الديمقراطيين، لأنهم مجرد وسيلة لتدمير الدولة والإنسان. كان على الولايات المتحدة تجنب الخداع والتحالف مع مدرسة دينية كالحوزة الشيعية، إذا كانت صادقة في تطوير القيم والانفتاح على العالم.

ثم كيف في ظل غياب الخدمات الأساسية وتفشي الفساد يتم نشر الإسلاميين كقوى ديمقراطية في بلد عشائري. هذه خدعة كبيرة.

إذا كنا نواجه مشكلة اندماج المهاجرين المسلمين كما رأينا في مجزرة بلجيكا وفرنسا، ونواجه مشكلة أخلاقية في بلادنا كما رأينا في داعش حيث التغرير بطفل عراقي كي يفجر نفسه وسط أطفال يلعبون كرة القدم في محافظة بابل ويقتل 30 منهم. هذه مشكلة قيم لا تتجزأ سواء في المهجر أو في الوطن.

المِحنة في العراق هي محنة الإنسان العراقي نفسه، وهي نفسها محنته في المهجر؛ أزمة قيم وهوية حادة، شعب تعرض إلى مجاعات وحروب ثم إلى احتلال وإغراق بالدولارات. تحولات عنيفة ونحن لم نمسك بَعضنا يدا بيد كإخوة جاعوا معا وتعذبوا معا، بل تحولنا إلى أعداء لبعضنا، إلى درجة تقسيم الأرض والبلاد لأجل الكراهية والخلافات الدينية، تلك الخلافات الموجودة دائما في الحياة ولم نستطع تجاوزها.

نحتاج إلى سياسيين عظماء وقادة كبار. لا يمكن التعويل على الجماهير والمزيد من التخريب. نحتاج إلى رحمة وتسامح ومحبة. كلنا مظلوم وفاته القطار في عالم يتقدم نحو الرفاه والحرية هذا واضح. إلا أننا لا نستطيع تحميل بَعضنا الآخر المسؤولية. نحتاج إلى معجزة وحظ ونوايا مخلصة وهدوء.

طبعا إذا أردنا أن نخوض في الأفكار العلمانية، نكون مؤثرين أكثر من الصبيان المبهورين بعالم لا يعرفونه. إلا أننا حذرون من هذه القضية، لأنك إذا أوغلت بهذا الاتجاه قد تفقد التواصل مع الناس الموجهة لهم أفكارك. يجب أن تكون الجرعة مقبولة دائما، فالهدف هو التسويق للإصلاح في النهاية.

كل معاناة شخصية أو جماعية هي معاناة فكرية، أي أنها بسبب نقص في الفهم. لهذا وبكل صدق أعتقد بأنه يمكنك دائما الاختيار بين الطب النفسي والفلسفة.

رواية “سيدهارتا” لهرمان هيس تتحدث عن معاناة الحكمة في الإنسان نفسه. وأنه في النهاية يصل إلى سعادة من نوع خاص حين تكتمل الصورة في عقله ويرى بأن وجه الحياة متكامل. إنك تشعر بهذا حين يكون لك مريدون، فالإنسان مسكون أبدا بشغف المعرفة وحب الإصغاء لأصحاب التجربة. ففي النهاية لا يبقى في الإنسان سوى الشغف والفضول.

“ومن يؤتَ الحكمةَ، فقد أوتيَ خيرا كثيرا”.

كاتب عراقي

8