مشكلة جوائز الرواية العربية

الخميس 2016/01/28

الآن وقد أعلنت اللجنة المنظمة لجائزة البوكر في أبوظبي عن الروايات الـ16 المتنافسة من مجموع 159 رواية عربية يمكن القول إن هذا التسابق البوكري كشف ويكشف عادة عن فرشة السرد الروائي العربي الذي شغل حيزا كبيرا من الاهتمام في الكتابة على حساب الشعر والقصة والمسرح، بل إن العصر بامتياز هو عصر الرواية العربية التي وجدت أرضية إنباتها الصحيحة منذ سنوات قريبة.

لا نوحي بأن جائزة كبيرة مثل البوكر بنسختها العربية هي الأرضية التي أوجدت خصوبة سردية في المشهد الثقافي العربي العام، لكن مثل هذه الجائزة التي يتنافس فيها الروائيون الكبار مع الشباب على مستوى الإبداع والفن وخصوصية التجربة كانت وستظل حقـلا مهما من حقول التشجيع والتحفيز على مستوياته المادية والمعنوية، على الرغم من وجود ملاحظات كثيرة معظمها تشكيكي حول هذه الجائزة، لكن بإجمال الملاحظات الأخرى نعتقد أن وجود هذه البوكر الظبيانية يعتبر من محفزات العقل السردي العربي الضرورية لإيجاد مناخ عادل يسهم الجميع فيه بلا تردد.

جائزة كتارا القطرية للرواية العربية حقل آخر من حقول التحفيز السردي، وهي جائزة مضت عليها دورة واحدة فقط كشفت أنه يمكن أن تكون رافدا آخر من الروافد المشجعة لتشكيل خط سردي عربي تنافسي لتثوير الإمكانيات الفردية وهي تحفر في هذا المجرى المتدفق بأسماء معروفة وأخرى غير معروفة، لكنها جميعا تسهم في خلق بؤرة إبداعية، وإن كانت متفاوتة في نسقها الفني؛ تؤشر إلى ملامح جدية وجديدة في هذا الفن الصعب.

هناك مَن يرى أن مثل هذه الجوائز؛ البوكر وكتارا وغيرهما، تخلق جوا صحيا للتحليق السردي وتبصم على شيوعه طباعة وتكريما وترجمة وبالتالي وكأنما تنتجه ضمنا، ولا أخالف هذا الرأي كثيرا، لكني أرى أن شيوع الرواية في أجواء الربيع الأسود العربي وحتى ما قبله هو ما يبرر انتشارها وقبل ذلك ما يبرر كتابتها، بعدما ظل الشعر يطرق في اللغة وخيالها وصورها المستحدثة بمثالية واضحة لم تتقدم كثيرا لتكون جزءا من الواقع وتستولي على تفصيلاته وتحوّله إلى حالة جمالية؛ وبعدما وقفت القصة القصيرة عند ضوابطها في الحجم والشكل والبؤرة الفنية التي اكتفت بمشهدية أحادية من دون أن تنفتح على أجناس فنية قريبة منها كالمسرح والفوتوغراف والرواية والقصة الطويلة والفن التشكيلي بأبعاده اللونية وتجريداته وسموّه. وبالتالي فالرواية وحدها هضمت هذا الجمع الفني ووضعته تحت تجربتها السردية المنفتحة على كل الفنون والثقافات بجمالياتها التاريخية والأسطورية والشعبية والواقعية والرمزية والسحرية والعجائبية.

شيوع الرواية العربية وكتابتها وانطلاقاتها الفنية الجديدة سبقت مثل هذه الجوائز الأدبية وبتقديراتنا أنها هي التي فتحت أفق الجوائز عليها ولها، لا العكس كما يكتب البعـض ويروّج لهذا، فالحالة تشبه النقد الأدبي الذي تحفزه النصوص لا أن يحفزها هو، وكل النظريات النقدية انطلقت من النصوص ولا أظن أنه حصل العكس، وبالتالي فالجوائز الأدبية تابعة للمعطيات النصية بانفتاحها عليها وتقييمها لها وهذه حسنة أكيدة لا يمكن إغفالها.

ليس لنا أن نتنكر لأهمية الجوائز الأدبية ولا سيما البوكر منها التي أسست لمناخ سردي عربي واسع المساحات، لكن أيضا علينا أن ننتبه إلى مشكلة حرجة في هذا المعطى الجوائزي، وهي لفت أنظار القارئ إلى الروايات الفائزة فحسب من دون غيرها من الروايات التي لم تحظَ بالترقية لهذا السبب أو ذاك، وهي مشكلة فعلية أن يتوجه القارئ إلى رواية حصلت على جائزة ويترك غيرها، خاصة إذا وجدنا من بين الروايات التي فازت مَا لا تستحق أن تفوز.. ولدينا أدلة على ذلك…

كاتب من العراق

14