مشكلة زياد دويري

الأربعاء 2017/09/27

عاد المخرج اللبناني- الفرنسي زياد دويري إلى بيروت بعد أن شارك بفيلمه الجديد “الإهانة” (أو القضية رقم 23) في مهرجان فينيسيا السينمائي الأخير، فما كان من الأمن اللبناني إلاّ أن أوقفه ثم أخلى سبيله بعد مصادرة جوازي سفره اللبناني والفرنسي وإحالته إلى القضاء العسكري الذي حقق معه ثم أخلى سبيله دون أن توجه إليه تهمة محددة.

وقيل إن السبب هو وجود شكوى ضده بشأن قيامه بخرق قانون لبناني من عام 1955 يقضي بمقاطعة التعامل مع مؤسسات أو أفراد من إسرائيل، عندما قام في 2010 بتصوير جزء من فيلمه “الصدمة” في إسرائيل مستعينا بطاقم فني إسرائيلي.

فيلم “الصدمة” الذي عرض في 2012 أثار وقتها الكثير من الجدل بسبب تصويره في إسرائيل واستعانة دويري بممثلين إسرائيليين، بل ومحاولته تحقيق قدر من التعاطف مع الجانب الإسرائيلي أيضا في طيات حبكة الفيلم، بحيث أصبحت السلطات الإسرائيلية حسب ما صدر من تصريحات رسمية، راضية تماما عن الفيلم، ولم تجد غضاضة في المطالبة بعرضه في إسرائيل، على النقيض مما حدث مع فيلم “حنا ك” للمخرج الفرنسي اليوناني الأصل كوستا غافراس قبل 35 عاما، الذي صور في إسرائيل، لكنه واجه اتهامات إسرائيلية بالانحياز ومنع عرضه في إسرائيل، وتعرضت بطلته للتشويه ثم المقاطعة من قبل شركات هوليوود.

الأكثر من هذا أن زياد دويري كان قد أعلن في 2013 رفضه المقاطعة العربية ضد إسرائيل، وسخر منها، ولكنه نفى أي اتهام له بتطبيع العلاقات مع “العدو” الذي لم يعد عدوا في رأيه بعد أن أصبح هناك انقسام في الساحة العربية حول العلاقات مع إسرائيل!

تذرع دويري بأنه كان يرغب في توخي الدقة في التعامل مع الواقع عندما صور جانبا كبيرا من فيلمه في إسرائيل وهي ذريعة غير مقنعة، فالكثير من الأفلام التي يفترض أن تدور أحداثها في بلدان معينة، تصور في بلدان أخرى مختلفة دون أن تفتقر إلى الإقناع.

ولكن ماذا بوسع دويري أن يفعل إذا ما كتب إسرائيلي مثل الهنان ميللر في مجلة “تايمز إسرائيل” (14 مارس 2013) يقول “بالنظر إلى قصته المؤثرة، يمكن بسهولة أن يكون فيلم ‘الصدمة’ فيلما إسرائيليا”، أو أنه “نموذج للتعاون السينمائي الفريد بين الإسرائيليين والفلسطينيين واللبنانيين”، أو عندما يصرح دويري لنفس المجلة قائلا “كنت أكره إسرائيل جدا في 1982 لكنني تغيّرت”.

أما فيلم “الإهانة” الذي فاز بطله الممثل الفلسطيني كمال الباشا بجائزة أفضل ممثل في مهرجان فينيسيا، فقد أثنى عليه وزير الثقافة اللبناني، الذي حضر لدعم الفيلم عند عرضه الرسمي بالمهرجان، ثم حصل الفيلم على تصريح من الأمن بالعرض العام في لبنان، وساند عدد من المثقفين والإعلاميين مخرجه واحتجوا على ما تعرض له واعتبروه إهانة لمخرج كبير كان يجب الاحتفاء به، ولكنه واجه في الوقت نفسه هجوما شديدا من جانب كتاب آخرين في الصحافة اللبنانية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.

لسنا بالقطع مع محاكمة زياد دويري، فمأزقه هو في الحقيقة مأزق لبنان ومأزق انقسام المجتمع اللبناني كله، وهو المأزق الذي يحاول دويري التعبير عنه في كل أفلامه.

والدلالات الواضحة لما وقع معه أخيرا من تحقيق رسمي، ثم إطلاق صراحه، ثم الحديث عن تقديمه للمحاكمة، ثم التوقف عند ذلك مع إبقاء التهمة مسلطة فوق رأسه، ثم دفاع مسؤولين سياسيين عنه، وهجوم كتاب ومثقفين عليه، كلها مظاهر تعكس تمزقات الواقع اللبناني، بل والواقع العربي كله، فقد نجح فيلم سينمائي ببساطة في فتح ملف قضية أخرى أكثر تعقيدا، هي قضية مقاطعة عربية نسيتها أو تجاوزتها أو تجاهلتها أطراف عربية كثيرة منذ عقود، بينما تتمسك بها -سرا- أطراف أخرى دون أن تجرؤ على إدانة الأطراف التي لم تعد تلقي بالا لمقاطعة يرى كثيرون أنها لم تؤد عمليا سوى إلى المزيد من التفريط.

ناقد سينمائي مصري

16