مشهد سياسي تركي يدور في فلك تحصين سلطة أردوغان

تفضي التعقيدات التي يتسم بها المشهد السياسي التركي، خلال الانتخابات البرلمانية التي أجريت أمس الأحد، إلى العديد من الاحتمالات والفرضيات، المتعلقة بالتحالفات المرتقبة، والتي تتجاوز محددات السياسة الداخلية والخارجية وترتفع عن سقف النتائج الانتخابية، لتصب في مجملها في خندق واحد أساسه تحصين سلطة رجب طيب أردوغان، وفق دراسة للباحث سونر جاغابتاي صادرة عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.
الاثنين 2015/11/02
أردوغان يقايض الأتراك بأمنهم تحقيقا لغاياته السلطوية

أنقرة- أقبل الأتراك، أمس الأحد، على صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم في مجلس الشعب للمرة الثانية على التوالي في غضون خمسة أشهر. وكانت الانتخابات التشريعية التي جرت في 7 يونيو الماضي، قد أسفرت عن خسارة حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان للأغلبية التشريعية التي تمتع بها على مدى ثلاثة عشر عاما، مما حال دون تمتعه بأغلبية مريحة تسمح له بتشكيل حكومة وفق المقاييس التي يريدها والأهداف التي يطمح إليها.

وكان المسؤولون الأتراك قد أنهوا في 24 يوليو الماضي محادثات السلام مع حزب العمال الكردستاني، بعد أن اتهموا عددا من أعضائه بارتكاب جرائم قتل على شكل إعدام بحق ضابطين من الشرطة خارج أوقات عملهما. وتشير بعض استطلاعات الرأي إلى أن حملة الحكومة التي لحقت ذاك الاتهام ساعدت حزب العدالة والتنمية، في تعزيز مكانته القومية التركية في صفوف الناخبين، وهي اللعبة الانتخابية التي يعول عليها الحزب هذه المرّة.

ومن المرجح أن يبرز في المستقبل أحد سيناريوهين في ما يتعلق بالمشهد التركي، مع عواقب مختلفة بشكل مدهش في ما يتعلق بقضية محاربة حزب العمال الكردستاني وغيرها من القضايا؛ إمّا إنشاء ائتلاف بين حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية اليميني مما يعني أنهما سيتبعان أجندة محافظة اجتماعيا بشأن القضايا الداخلية ومواصلة الحرب ضد حزب العمال الكردستاني، وإما مع حزب الشعب الجمهوري الاشتراكي الديمقراطي مما يعنيه ذلك من إمكانية الجنوح نحو السلم مع حزب العمال كما سيغير حتما من مواقف تركيا في ما يتعلق بالأزمة السورية.

ائتلاف الحرب

تفيد العديد من التحليلات بأنه في حال انضمام حزب العدالة والتنمية إلى حزب العمل القومي، فإنّ هذا الائتلاف سيجمع جميع الأطياف السياسية اليمينية تقريبا في ظل حكومة واحدة للمرة الأولى منذ أربعة عقود. ومن شأن هذا الائتلاف أن يذكرنا بحكومات “الجبهة الوطنية” في حقبة السبعينات من القرن الماضي، حين تشكلت حكومة الجبهة الوطنية من ائتلاف مكوّن من يمين الوسط والإسلاميين والأحزاب القومية، بما فيها حزب الحركة القومية وحزب الخلاص الوطني، سلف حزب العدالة والتنمية.

الانتخابات التشريعية التركية المبكرة

اسطنبول- تأتي الانتخابات التشريعية التركية التي جرت أمس الأحد، بعد قرابة خمسة أشهر على اقتراع خسر فيه حزب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الغالبية المطلقة التي كان يتمتع بها طوال 13 عاما، وهذه بعض المعطيات المتعلقة بها:

* الأرقام

يبلغ عدد الناخبين في تركيا 54 مليونا و49 ألفا و940 ناخبا من أصل عدد السكان البالغ 77.6 مليون نسمة، بزيادة نحو 400 ألف ناخب عن انتخابات السابع من يونيو، حسب المجلس الانتخابي الأعلى.

وقد تمكن أكثر من 2.8 مليون مواطن تركي يقيمون في الخارج من التصويت في الأسابيع الماضية في قنصليات بلدهم.

وقد فتحت أولى مراكز الاقتراع الـ 175 ألفا أبوابها في الساعة السابعة وأغلق آخرها عند الساعة 17.00 بالتوقيت المحلي.

* طريقة الاقتراع

ينتخب النواب الأتراك في دورة واحدة باقتراع حسب نظام اللوائح في كل من المحافظات الـ 81 في البلاد.

وبهدف تشجيع غالبية ثابتة، يمكن للأحزاب التي نالت 10 بالمئة من الأصوات على المستوى الوطني أن تشارك في هذا التوزيع.

وهذا النظام الذي يواجه انتقادات شديدة لأنه يعتبر غير منصف، قائم في دول أوروبية أخرى حيث تحدد نسبة التمثيل بـ5 بالمئة. وقد أتاح في 2007 لحزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان أن ينال 62 بالمئة من المقاعد (341) مع حصوله على 46.5 بالمئة فقط من الأصوات.

* الأمن

عبر نواب من المعارضة عن قلقهم إزاء حسن سير الانتخابات في جنوب شرق البلاد حيث الغالبية كردية، وتدور مواجهات عنيفة منذ ثلاثة أشهر بين قوات الأمن التركية ومتمردي حزب العمال الكردستاني.

ونشر حوالي 400 ألف شرطي ودركي لضمان أمن الانتخابات خصوصا في جنوب شرق تركيا.

ونظرا إلى ولاية قوية مماثلة (وإن كانت يمينية تماما)، فإن ائتلافا بين حزب العدالة والتنمية وحزب العمل القومي سيتبع أجندة محافظة اجتماعيا بشأن القضايا الداخلية وأجندة وطنية في السياسة الخارجية. أما في ما يتعلق بالقضية الكردية، فسيواصل الحرب ضد حزب العمال الكردستاني، ويتبنى في الوقت نفسه موقفا أكثر صرامة ضد الفرع السوري للحزب، أي حزب الاتحاد الديمقراطي.
ومنذ وصوله إلى السلطة في عام 2002، اتّبع حزب العدالة والتنمية عقيدة في السياسة الخارجية شكَّلها “التضامن الإسلامي” و”القومية التركية” القائمة على الاكتفاء الذاتي. وعادة، يحصل الشركاء الأصغر في الحكومات الائتلافية التركية على حقيبة الشؤون الخارجية. وإذا اتبع حزب العمل القومي نفس المسار، فإن ميوله القومية المحافظة القوية ستمنعه من أن يطرح تحديا كبيرا لخط السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية بشأن معظم القضايا.
ومع ذلك، وبصفته حزبا قوميا تركيا، فإن مصلحة حزب الحركة القومية تكمن إلى حد كبير في المجتمعات التركية في الخارج وفي “الكراهية العميقة” تجاه قضية حزب العمال الكردستاني، لذلك من المرجح أن يصر على تشكيل السياسة في عدة قضايا محددة، وبالتالي سيخلق أحيانا مشاكل لحزب العدالة والتنمية.

وسيتجلى التناقض في سياسة الحزبين خاصة في ما يتعلق بالموقف من “حكومة كردستان العراق” التي أدت علاقات أنقرة الاقتصادية القوية معها وعلاقة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان القريبة من رئيسها مسعود بارزاني، إلى التخفيف من حدة ردود الأفعال القومية التركية تجاه هيمنتها القائمة بحكم الواقع على قطاع من الأراضي العراقية وعلى سكانه الذين يشملون عددا كبيرا من التركمان. وإذا ما دخل حزب العمل القومي الائتلاف، فإنه سيعارض هذا الوضع، الأمر الذي قد يؤثر سلبا على العلاقات ما بين تركيا وحكومة إقليم كردستان.

أمّا في ما يتعلق بسوريا، فمنذ بداية الحرب الأهلية في البلد المجاور، سعت تركيا إلى هدف وحيد هو الإطاحة ببشار الأسد بمختلف السبل المحسوبة وغير المحسوبة، وقد حجب هذا الموقف اهتمامات تركية أخرى في سوريا، من بينها مصير التركمان في البلاد، والذين يبلغ عددهم 250 ألف شخص. ومن شأن حكومة تجمع حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية أن تكرّس موارد أهم بكثير لمساعدة هؤلاء السكان وإنشاء قوة مقاتلة منهم.

وفي الواقع، من المرجح أن يصر حزب العمل القومي على إعطاء الأولوية لقضية التركمان على جوانب أخرى من السياسة السورية، بما في ذلك محاربة الأسد والتعاون التركي الأميركي ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، خصوصا في الحالات التي يرى فيها الحزب أن هذه الجهود قد تضر بالتركمان.

ومن المحتمل أن يطالب حزب الحركة القومية بمزيد من التصعيد في الحرب ضد حزب العمال الكردستاني، كشرط لا غنى عنه لدخول الائتلاف. وإلى جانب سياسة محتملة معادية لحزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا، فإن هذا الموقف سيؤجج غضب القوميين الأكراد في تركيا، مما سيثير اضطرابات واسعة النطاق في جنوب شرق البلاد ذات الأغلبية الكردية، فضلا عن المدن الكبرى، حيث يمكن للأتراك الليبراليين واليساريين المناهضين لحزب العدالة والتنمية أن ينضموا إلى هذا الإطار. وفي الواقع، فإن هذا الاضطراب سيكون السبب الأكثر احتمالا لسقوط حكومة حزب العدالة والتنمية وحزب العمل القومي قبل الدورة الانتخابية القادمة. كما يمكن أن يؤدي تدهور الوضع الكردي في الداخل التركي إلى إلحاق الضرر بعلاقات أنقرة مع حكومة إقليم كردستان، والتي كانت دعامة أساسية فريدة للسياسة الخارجية التركية في ظل حزب العدالة والتنمية.

الجنوح نحو السلم

من بين الأطراف الأربعة التي من المرجح أن تدخل البرلمان التركي غداة الانتخابات الأخيرة، يعتبر حزب الشعب الجمهوري، الفصيل الوحيد الموجود وسط القضية الكردية، والذي لا يتقاسم العداء الشديد لحزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية تجاه القومية الكردية ولا التبني الكبير للقضية الكردية الذي يظهره حزب الشعوب الديمقراطي، وهو ما يؤهله ليكون شريكا محتملا في الحكومة إلى جانب حزب أردوغان الذي يبحث عن جميع السبل لتثبيت سلطته في ظل غياب الأغلبية المريحة.

الأتراك مدينون لمؤسس دولتهم مصطفى كمال أتاتورك بحداثة الدولة والمجتمع ولن يسمحوا بأن تبدد مكتسباتهم تحت أي يافطة

وفي إطار ائتلاف محتمل مع حزب العدالة والتنمية، سيصر حزب الشعب الجمهوري على إنهاء الأعمال العدائية ضد حزب العمال الكردستاني والعودة إلى محادثات السلام. كما سيدفع أيضا من أجل المزيد من الحقوق الثقافية الكردية في إطار خطة أوسع لمنح المزيد من الحقوق لجميع المواطنين، مما يعكس جهوده ليصبح حركة ليبرالية ديمقراطية اجتماعية. ونظرا إلى موقف الحزب الفريد من نوعه بين طرفين قوميين متطرفين، يمكن لإئتلاف مع حزب الشعب الجمهوري أن يساعد على جمع الأجزاء التركية والكردية في البلاد على الصعيد السياسي. كما أن مثل هذا الائتلاف سيجمع اثنين من أكبر الكتل السياسية المعارضة في البلاد في ظل حكومة واحدة، مما سيساعد على نزع فتيل التوترات السياسية.

ومن شأن هذا التحالف أن يضمن مشاركة أقل في الأزمة السورية لاحقا؛ حيث لطالما عارض حزب الشعب الجمهوري مسألة دعم حزب العدالة والتنمية لأطياف المعارضة السورية. وبالتالي، إذا ما حصل على حقيبة وزارة الخارجية في الحكومة الائتلافية، فليس هنالك شك من أنه سيخفض هذا الدعم ويقلص من مشاركة تركيا العامة في سوريا، مما سيؤدي بالتالي إلى تقريب سياسة أنقرة من تلك التي تتبعها واشنطن.

كما أنّ التدقيق في الدعم التركي للمعارضة في شمال غرب سوريا ووقفه على الأرجح سيجعل أنقرة أقرب إلى حد ما من روسيا، التي ركزت في تدخلها العسكري المستمر على قوات المعارضة في ذلك الجزء من البلاد. وبالإضافة إلى ذلك، فقد تفتح وزارة خارجية يقودها حزب الشعب الجمهوري قنوات اتصال مع نظام الأسد، وذلك تمشيا مع المبادرة الدولية الجارية لإيجاد حل تفاوضي للحرب.

في نفس السياق من المحتمل في ظل تولي شخصية من حزب الشعب الجمهوري منصب وزير الخارجية، أن تتحول تركيا تدريجيا نحو شركاء سياستها الخارجية التقليديين، بمن فيهم “منظمة حلف شمال الأطلسي” (الناتو). ويشبّه كمال كيريسكي الباحث بمعهد بروكينغز هذا التحول المحتمل بناقلة عملاقة تغيّر مسارها ببطء. ونظرا إلى انشغال تركيا بشؤون الشرق الأوسط في عهد حزب العدالة والتنمية، فإن أي إعادة توجيه الدفة نحو حلف شمال الأطلسي، ستكون تدريجية وستحتاج إلى دعم من حلفاء تركيا في واشنطن.

خلاصة القول، وبغض النظر عن تحقق أحد السيناريوهين السابقين، يبدو أنّ المشهد السياسي التركي المقبل سيظل حبيس طموحات أردوغان في الهيمنة على السلطة وتغيير شكل النظام من برلماني إلى رئاسي حتى يتسنى له إحكام قبضته على البلاد، وهو الهدف الأسمى في نظره ونظر حزبه الذي تدور في فلكه جل التحالفات وجل الخطوات التي روج سابقا أنها ربما تصل حدّ توجهه إلى استفتاء الشعب التركي حول طموحه ذاك إذا لم يتمكن من تمريره وفق الوسائل القانونية التي أفرزتها الشرعية الانتخابية.

7