مشهد ما قبل النهاية في سوريا

ستسمع خطابات نارية أصولية، تعد بالزلازل، بينما الروس يمسكون بسوريا من رقبتها، وهم في برقيات الأنباء، جاؤوا بقرار من {الشرعية} في البلاد، وهي {شرعية} أدنى قامة من الإعلان عن انتهاء خدماتها.
الجمعة 2018/06/08
ممانعة مزعزمة

أخلى حزب الله اللبناني مدينة القصير السورية الحدودية، من ريف حلب الغربي، وطوى رايات “الحسين” وحلّت عوضا عنه، الشرطة الروسية برايات قائدها فلاديمير إيفانوفسكي. وقبل طيّ الراية الحزبية اللبنانية، التي كان أصحابها سيُحسنون صنعا لو أنهم اكتفوا برمزية المقاومة وأبقوا اسم الحسين في منزلته الرفيعة وسيرته التي لا تُطوى؛ كانت رايات أخرى، سوداء، قد رُفعت ثم أحرقت بنيران عراقيين ورديف ميليشياوي ضخم، لم يكتف بشرف التعريف على سعيه باسم مقاومة الشر الظلامي الأسود، وحمل رايات ذات دلالات طائفية في تأثيراتها على الوعي العربي الذي يؤيد كله، وبكل طوائفه، دحر قوى الشر الداعشية الضالة.

فقد استنسخ الدواعش بالتزوير، راية سيدنا محمد عليه السلام، لتوظيفها في كل ما هو مارق وخارج عن الأعراف وعن الذائقة الإنسانية والدين. ويبدو أن الرايات المشابهة كلها، التي تمحكت وحاولت، من خلال أسمائها وتصميم راياتها، التلطي بالرموز والمقدسات، ستطُوى جميعها، على أيدي إيفانوفسكي وأنداده الأميركيين والأتراك، ما يجعلنا بصدد تمحيص المسكوت عنه، في السعي الروسي إلى السيطرة!

ما نشهده الآن، هو أن الممانعة المزعومة، ومقابلها الأسلمة الكاذبة، التي تعللت بها القوى التي تذابحت في القصير وفي سائر سوريا؛ تتراجع أمام الدب الروسي، وهذا الأخير بدوره، مستَأنَس وقطٌ أليف، في مناخات إسرائيل، بل هو الذي يتولى أمر تأمين الجغرافيا السورية، وإخلائها من ذوي الرايات، ومنعها حتى من ممارسة النميمة من بعيد، ضد الخواجة الإسرائيلي. وبقدر ما كانت الأطراف الأصولية كلها، شديدة البأس على بعضها بعضاً، فقد تأدبت وتظارفت أمام الدب، واللعبة تجري على المكشوف. وعلى الرغم من ذلك، ستُسمع خطابات نارية أصولية، تعد بالزلازل، بينما الروس يمسكون بسوريا من رقبتها، وهم في برقيات الأنباء، جاؤوا بقرار من “الشرعية” في البلاد، وهي “شرعية” أدنى قامة من الإعلان عن انتهاء خدماتها.

لننظر اليوم، ما فعله الأصوليون بسوريا العربية، التي كان شعبها ولا يزال، يتوخى الدولة العصرية العادلة التي تُعلي من شأن المواطنة وتحترم الإنسان وتؤمّن مصالحه وتسترشد بدستور ضامنٍ للحريات الأساسية. فقد أخربوها دون أن يُسمح لهم بالقعود على تلّها. ولا يختلف اثنان، على أن هؤلاء الظلاميين، الذين دمّروا أمنيات شعب سوريا، هم الذين أقنعوا قطاعات شعبية سورية وعربية عريضة، أن بلاءهم أعتى بكثير من مظالم النظام الذي ظل يحكمهم لأربعين سنة. ففي ذروة القصف والذبح والتذابح، عادت لتطفو على سطح وعي الذين انتفضوا على النظام، أمنية الظفر من الغنيمة بالإياب، وعودة سوريا إلى سيرتها الأولى، بحلوها ومُرّها!

في بدايات المأساة الكبرى في سوريا؛ ارتكبت تركيا الأردوغانية خطأ حياتها وتجربتها، عندما فتحت الحدود والمعابر، لخفافيش الإرهاب، ظنا منها أنها تتمثل سيرة الكتائب الانكشارية في العهد العثماني، دون أن تدرس تجربة أولئك الانكشارية الذين انقلبوا على سلاطينهم، فقتلوا عثمان الثاني بالسيف، وإبراهيم الأول بالخنق. جاء بهم مراد الأول (1362 – 1389) وجعلهم قوام الجيش العثماني، لكنهم طغوا وتجبروا. وكان أردوغان، الذي فتح الأبواب للإرهابيين، قد فعل ما فعله الإعرابي الذي آوى أنثى الضبع واسمها عند الأعراب “أم عامر” التي استجارت به فأجارها. ولما أفلتت من الخطر، واستراحت، هجمت عليه.

فما هي مُحصلة كل الذين ساندوا الظلاميين وانكشارية الزمن العربي المُستقطع؟ إن أردنا أن نعرفها فلنسأل الجنرال إيفانوفسكي، الذي يتبدى ظاهرياً كصاحب شركة للنظافة أو لتنقية البحيرات الآسنة، أي صاحب عمل ظاهره مُقدّر ولا يُعنى أحد بما وراءه، ولا يستفسر أحدٌ عن حصة إسرائيل ومنافعها من مقاولته.

كانت أمة العرب، تتوخى وحدة وجدانها، فإذا برايات الميليشيات الأصولية، تعلن صراحة عن استحالة أن يتحقق للناس وحدة وجدانها. بل إنها اختطفت الرموز، وكأن الحسين بن علي، يخص فئة من المسلمين دون سواها، وأن عبارة “لا إله إلا الله” تخص الفئة الضالة. لقد نُسيت مقبرة الشهداء العراقيين في جنين الفلسطينية، وفيها مثوى جنود عراقيين من كل الأديان والطوائف، وفُتحت مقابر الرايات والمذاهب المتباعدة عن بعضها بعضا.

كان حزب الله اللبناني، قبل عامين، قد أعلن عن ترسيخ وجوده في “القصير” كشوكة في عين إسرائيل، واليوم ينسحب وتدخل إليها كتائب من الفرقة المدرعة الحادية عشر من الجيش النظامي السوري، المنتشرة حول مدينة حمص، وأعطي تكليف الانتشار، مع ضوابطه الضامنة لخفض التوتر مع إسرائيل. كما أن قيادة العمليات الروسية في “حميميم” تعمدت وهي غير ذات اختصاص، إجراء استطلاع رأي على الصعيد الشعبي السوري، لمعرفة مدى تأييد القطاعات الشعبية الباقية في مناطق آمنة من سوريا، لعملية إخراج القوات الأجنبية (ما عدا الروسية طبعا) من الأراضي السورية، فجاءت النتيجة أن 88 بالمئة من المستطلعة آراؤهم، تؤيد إخراج القوات الأجنبية، التي تعني -بمنطق الاستطلاع- إخراج الإيرانيين حصرا، ومن بعدهم الأتراك.

في الفصل الراهن من مشهد الأحداث السورية، يهيمن الروس، بعد شوط طويل من صراع الرايات الأصولية الطائفية، وتجري الأمور لترضية إسرائيل التي ستكتشف صديقتها التي سمّت نفسها “جبهة النُصرة” أنها لم تكن إلا بيدقا في تدمير سوريا وثورة شعبها ذات المضامين الديمقراطية، وكانت البداية من البوابة التركية!

8