مشهد من شريط الرعب

الخميس 2014/01/30

ما يحدث في سوريا ذكرني بمشهد من زمن الرعب، عندما زار طاغية الشام الراحل حافظ الأسد طرابلس، لعل الزمن كان منتصف الثمانينات، وتم حشد الناس بشكل مكثف، فتجمعت في ساحة قريبة من باب العزيزية عشرات الآلاف إن لم يكن مئات الآلاف، جاء بعضهم إرغاما وبعضهم إغراء وجاء البعض الآخر كواجب وظيفي، عساكر وشرطة ارتدوا ملابس مدنية، لتحية الضيف السوري وضمان السيطرة الأمنية على الموقف. وفي شرفة من الشرفات، وقف الاثنان لتحية الجماهير الحاشدة، والتناوب على إلقاء الخطب الرنانة عن الوحدة القريبة بين البلدين، وفجأة اعترت الطاغية الليبي حالة هستيرية جنونية، فصار يرقص ويغني، في مشهد عبثي ساخر لا ينتمي إلا إلى نوع من الكوميديا السوداء، فقد كان يرتدي بزته العسكرية الزاخرة بألوان النياشين والأوسمة الكاذبة التي تلمع لمعان الزيف والخداع، لأنها نياشين وأوسمة لا مناسبة لها إلا إذا كان الفشل والجنون والإجرام والخيبة وإفلاس بلاده اقتصاديا وأخلاقيا وسياسيا، يستحق المكافأة بالأوسمة والنياشين، ورغم ما تفرضه البدلة العسكرية على صاحبها من وقار ورصانة، إلا أن الطاغية استغرق في هذا الرقص وفي الغناء القبيح، وبجواره كان يقف ضيفه الرئيس السوري يبتسم محرجا، وقد أجاد إخفاء سوابقه في القتل والقهر والإجرام، تحت غطاء من الوقار والرصانة، دون أن يستطيع الاندماج في حصة الرقص والغناء التي استغرق فيها زميله الطاغية الليبي في تلك الشرفة في معسكر باب العزيزية، كانت الأغنية الثورية التي يردّدها القذافي، تقول كما أذكرها ويذكرها كل من شاهدها منقولة على الهواء في التلفزيون الليبي:

“أخي حافظ لا تهتم

الجولان انغرقها دم

بالصاروخ وبالمردم

أخي حافظ لا تهتم

جاكم شرابين الدم

جاكم شرابين الدم”

و”جاكم” هنا اختصار لكلمة جاء إليكم، ولا أدري طبعا عن هؤلاء المتعطشين لشرب الدماء القادمين لتحرير الجولان، إلا أن الله بالتأكيد ألهمه قول كلمة تعبر عن التوحش والإجرام الذي يعشش في وجدانه، لأنه لا يمكن لإنسان في العالم، حتى لو كان حقا من سفّاكي الدماء، أن يسمي نفسه شاربا للدم البشري، إلا أن تلك المناسبة وجدها الطاغية فرصة للإفصاح عن مكنون نفسه، والتعبير عن شهيّته المفتوحة للدم، يضعها في سياق غير سياقها الصحيح، في سياق الانتقام من العدو الصهيوني الذي يحتل الجولان، ولكنه يعرف في حقيقة الأمر أن الجولان صارت منطقة محرمة، بسبب عقد سري بين الأسد نفسه والإسرائيليين، لأنه لا مانع للأسد أن تشتعل الجبهات في الأردن أو في لبنان أو في سيناء، وأن يصدر البيانات التي تباركها وتؤيّدها دون أن تنطلق رصاصة واحدة من جبهة الجولان. ومعنى هذه الدماء التي يريد أن يطفئ بها القذافي عطشه، لن تكون إلا دماء الشعب الوحيد القادر على سفك دمه، ألا وهو الشعب الليبي. ولا أدري المناسبة التي جاء فيها الأسد إلى ليبيا، ربما لأنه يريد شكر الطاغية الليبي على تأييده في مجازره ضد الشعب السوري وبالذات تلك التي ارتكبها في حماه، وكانت أكثر مجازره بشاعة ووحشية وإجراما وأعظمها صيتا وشهرة، لأنها تمت على مرأى ومسمع من العالم، غير مجازر أخرى يرتكبها كل يوم في سجن المزة أو سجن تدمر وغيرهما من سجون سوريا.

ولم يكن غريبا بعد ذلك أن يسير الوريث، أي الأسد الصغير، على طريق أبيه، وربما بكثير من التجديد والإبداع، لأنه لم يُعرف عن الأب أنه استخدم السلاح الكيماوي، وهذا ما صار ثابتا في عهد الابن بعد الثورة التي كانت جزء من ثورات الربيع العربي، إلا أن سوريا- كما قال الأسد الابن- ليست مثل غيرها من بلدان الربيع، ففي حين انتهت ثورات الشعوب إلى النصر على الطغاة، حتى وإن طالت في بعض هذه البلدان وخالطها اقتتال واحتراب كما في ليبيا، إلا أنه لم يكن سهلا في سوريا، أن تهزم أجهزة القمع والقتل بسهولة، وها هو الشعب يخوض للعام الثالث حربه ضد النظام دون أن يسقط، بل ما زال الطاغية السوري يمني نفسه بتجديد الرئاسة ويحلم باستمرار حكمه حتى بعد هذه الحرب التي سقط فيها أكثر من مئة ألف قتيل، وتم تهجير أكثر من ثلاثة ملايين سوري إلى الخارج يعيشون في الخيام وتحت أقسى وأسوأ الظروف، اعتمادا على أن الثورة ليست إلا حركة إرهابية لترويع الشعب، مع أنه من الثابت أن النظام السوري هو الذي فتح الباب أمام التنظيمات التكفيرية الجهادية كي تلتحق بصفوف الثورة ضده، ليستطيع بعد ذلك إدانة قوى الثورة، واتهامها بأنها جزء من الإرهاب الذي يحاربه العالم، وأن نظامه ليس إلا قوة من هذه القوى التي تحارب الإرهاب، وللأسف فإن هذا النظام الأسدي الإجرامي الفاسد، نجح بهذا المنطق الكسيح في أن يستقطب أصواتا في الغرب تدافع عنه، لا باعتباره نظاما صالحا للحكم، ولكن لأنه أفضل من البديل الإرهابي الإجرامي التكفيري الجهادي، الذي سيستلم حكم سوريا بدلا منه، ولعل خطاب وزير خارجية النظام في مؤتمر جنيف 2 أكبر دليل عن كيفية استغلال عصابة الحكم في سوريا لهؤلاء التكفيريين، المجلوبين بمعرفة النظام وبإغراء منه، مع أن على الطاولة المقابلة هناك وفد تحالف الثوار السوريين الذين يمثلون أغلبية الشعب السوري وقواه الوطنية، التي تطالب بالدولة المدنية الديمقراطية، والبديل الحقيقي لنظام الدم والقمع والإرهاب في سوريا. وقد توافق افتتاح مؤتمر جنيف مع الكشف عن جرائم النظام ضد المساجين السياسيين وكيفية قتلهم تحت التعذيب، من خلال شهود إثبات ممن عملوا مع النظام في مستشفياته، ثم التحقوا بالمعارضة وكشفوا هذه المخازي التي تمثل جزء من ممارسات النظام الأسدي عبر أكثر من أربعة عقود من الرعب الأسود.


كاتب ليبي

9