مشهور شمس الدين آخر ضحايا الانتحار الإلهي

الخميس 2015/04/30

مشهور شمس الدين هو اسم لمراهق لبناني من بلدة “مجدل سلم”، لا يتجاوز الخمسة عشر عاما من عمره، قتل مؤخرا في سوريا. ليس المهم في هذا الخبر أنه يعكس بشكل، لا يقبل الجدل، أن حزب الله اللبناني يعاني من نقص كبير في العناصر البشرية المدرّبة، لدرجة بات فيها مضطرا إلى تجنيد فئات عمرية صغيرة السن، وليس لديها خبرة قتالية.

المهم أن تجنيد المراهقين يعني أن الحزب قد دخل في زمن اليأس، وأن الفعل العسكري لم يعد يحمل أي معنى فعلي، بل بات فعلا انتحاريا ينتقم فيه الحزب من نفسه، ومن ناسه، ومن هزيمته التي بدأت بشائرها تلوح، أكثر من كونه يحارب عدوا خلقه من وحل الولاء الأعمى لولاية الفقيه.

لا يريد حزب الله شهودا ولو من أهله ومشايعيه. ينظر إلى الإبادات بوصفها خلاصا منشودا. يعلم بأن الانتصار مستحيل، وأن الخزان البشري للشعب السوري الذي يقاتل في أرضه وداخل بيته وبيئته لن ينضب مهما استفحلت آلة القتل في إجرامها، لذا فإنه يدس بمقاتلين أطفال، لا لتغيير واقع عسكري، بل لمجرد القتل والموت الخالي من المعنى.

لا يريد الحزب لأحد من جماعته أن يكون قادرا على العيش بعد انتصار الشعب السوري. يريد للشيعة في لبنان أن ينتهوا معه، مع أنه ادعى أنه يخوض الحرب في سوريا من أجل حمايتهم.

فكرة النصر في نظره تقوم على أنه إذا ما حرم الطرف الذي أحاربه من أن أكون موجودا لحظة انتصاره، فهذا يعني أنه مهزوم. لطالما ارتبط النصر في مفهوم الحزب بتأويله الخاص للكارثة، وتبخيسه اللافت للدماء والخراب والضحايا. يحاول، حاليا، أن يستبق لحظة سورية تنذر باقتراب هزيمته، بإنشاء بنية هَوْليّة للكارثة تتجاوز حدود التأويلات السابقة التي كانت تكتفي بتحويل كل الخسارات الهائلة والمجانية إلى معالم نصر إلهي، بفعل جديد من نوعه وهو الموت الإلهي. يفعل ذلك، فقط، كي يقول إن السوريين لم ينتصروا، ولكن حزب الله والنظام السوري قد ماتا موتا اختياريا.

يحرّم حزب الله هؤلاء الأطفال الذين يزج بهم في المعركة السورية من معنى القتال أساسا. لا يرسلهم إلى معركة، بل إلى موت صاف، وإلى انتحار سخيف لا يمكنه، مهما حاول، أن يكسبه معنى الشهادة.

نسب الشهادة إلى قتلاه لم يعد في أحسن الأحوال سوى تأويل خاص به لا يشاركه فيه أحد، فكيف يكون الحال حين ينهزم. ماذا سيقول للشعب السوري عن قتلاه؟ هل سيعلنهم شهداء سقطوا وهم يمارسون واجبهم الجهادي في ذبحه؟

يقول حزب الله للتاريخ إنه لم يوجد. يرى أن ذلك قد يكون أهون الشرور. يحاول استعارة فكرة الموت الجميل اليونانية، وتركيبها على واقعه الحالي كي يجمّل نهايته، ويحجب، تاليا، ذلك الحشد الهائل من الوقائع والمعلومات التي ستنكشف مع انتصار الشعب السوري، والتي لا يشك أحد في أنها ستكشف عن أن حزب الله كان مسؤولا عن الممارسات الأكثر إجراما وقذارة في سوريا.

إذا كان السوريون لم يستطيعوا تحويل مآسيهم المؤلمة إلى صور ثابتة المعنى في ضمير العالم، فإن انتصارهم كفيل بإعادة ترتيب المعاني في وجهتها الصحيحة، وتاليا ستكون الإدانة الكونية لحزب الله جزءا لا يتجزأ من خطاب حقوق الإنسان في كل العالم. إذا كان مشهد ثلاثة أطفال سوريين يحتضرون قد أبكى سفراء الدول في الأمم المتحدة، فإن انتصار الشعب السوري سيجعل العالم كله يبكي على كل الذين سقطوا في سوريا، وسيحوّل حزب الله والنظام ليس إلى مجرد قتلة، ولكن إلى “القتلة” في تعريف نهائي وتام الدلالة.

مشهور شمس الدين اسم لمراهق يرمي الحزب جثته في غابة النسيان المرة. إنه استثمار المرارة وفقدان الأمل. يستثمر حزب الله في اليأس ويعمّمه.

مشهور شمس الدين لم يكن يرى أنه يمتلك عمرا ومصيرا. أعوامه القليلة تكاثرت بسرعة رهيبة تحت وطأة احتقار الأمل وازدراء الفرح، الذي زرعهما الحزب في روحه. بات الموت هو المستقبل الوحيد الممكن، وكان كذلك هو الماضي، أما الحاضر فهو مجرد فسحة مستأجرة بين موتين يقيم أحدهما في الذاكرة، ويمثل الآخر وعدا بالخلاص، ولكن من ماذا بالضبط؟

هذا ما لا يعرفه الولد المقتول، وما لا يعرفه أيضا هو أنه يموت ليصل إلى خلاص تام من زمان الحزب الإلهي نفسه الذي جعل الحياة خطيئة لا تغتفر. هكذا يكون الانتحار الذي دفع إليه في سوريا انتحارا خاليا من الشعور بالذنب، فهو حين كان يقتل السوريين لم يكن يفكر في السوري كآخر أو كصاحب حياة يقوم بإهدارها. لم يكن من آخر في عينيه سوى الموت، وبذلك لم يكن يقتل إنما يبقى دائما وأبدا في الانتحار نفسه.

ذلك الانتحار الإلهي اسمه حزب الله، وهو عبارة عن مقبرة جماعية مفتوحة تحاول أن تضم كل الشيعة. مشهور شمس الدين كان آخر من انضم إليها.

كاتب لبناني

8