مشيرة خطاب دبلوماسية عنيدة تعد العدة لمعركة اليونسكو

السبت 2016/09/17
مشيرة خطاب مصرية ضد الإخوان تقف حجر عثرة في طريق القطري حمد الكواري

القاهرة- دفع ترشيح مصر للسفيرة مشيرة خطاب، لمنصب مدير عام منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة (اليونسكو) أن يكون مجال المنافسة العربية على المناصب الدولية مفتوحًا على مصراعيه، أمام الفشل في التوافق العربي على مرشح واحد للحيلولة دون تفتت أصوات الدول العربية، التي لها حق التصويت عند اختيار مدير المنظمة الدولية الجديد.

يسعى النظام المصري من خلال الدفع بمشيرة خطاب، إلى البحث عن دور ريادي على الصعيد الدولي، لا سيما أنها واحدة من النساء المصريات التي استطاعت أن تترك بصمات إيجابية طوال فترة عملها بالسلك الدبلوماسي، كسفيرة لمصر بعدة دول، أو من خلال منصبها السابق كرئيس المجلس القومي للأمومة والطفولة، ووزيرة الإسكان في آخر حكومات نظام حسني مبارك.

تراهن القاهرة على خبرة خطاب في العمل العام والسياسي، للمنافسة بقوة على منصب مدير اليونسكو، لعدة اعتبارات، أهمها أنها من الشخصيات القليلة التي ظهرت بنشاط على الساحة العربية والأفريقية، وتحظى بقبول مجتمعي، لا سيما أنها نجحت في المهام التي كلفت بها، أو التي بادرت بتنفيذها، وجميعها كانت ترتبط بشكل مباشر بالتعليم والتربية والثقافة والأسرة.

ربما لا يغيب توجهها السياسي المتوازن، وشدة كراهيتها للإسلاميين، عن أسباب اختيارها من جانب مصر لتكون سفيرة لها داخل اليونسكو، حيث استغلت علاقاتها الدولية إبان ثورة 30 يونيو والإطاحة بنظام حكم الإخوان، لعمل جولات مكوكية في الشرق والغرب، لتوضيح حقيقة ما يحدث في مصر، ما جعلها مقرّبة من مؤسسات الدولة ومتحدثة بلسانها في الكثير من الأمور الداخلية والخارجية.

فلسفة التعددية والتنوع

تنظر المرشحة المصرية إلى الإسلاميين على أنهم “سبب كل المشكلات التي تمر بها الدولة المصرية”، سواء كانت سياسية أو اجتماعية، وتعتبر أن وصولهم إلى حكم مصر (الإخوان المسلمون) بمثابة النكسة.

وقد بلغت درجة هجومها على كل ما هو إسلامي، بوصفهم بأنهم “ضد الإنسانية، ورحيلهم عن المشهد العام أحد بوادر الاستقرار في المنطقة”، وهي تؤمن بأنه لا يمكن لأيّ حرب على الإرهاب أن تنجح دون استثمار جيد في التعليم، وصناعة ثقافة محترمة تقود إلى التعددية والتنوع والاختلاف واحترام الآخر. يعُرف عن مشيرة خطاب أنها امرأة عنيدة وصريحة لا تخجل من الاعتراف بالخطأ، لكن غير صدامية، وتلجأ إلى الهجوم والنقد في حال ما شعرت بأن تحقيق الهدف صعب ويحتاج إلى جهود متواصلة، لكنها كثيرًا ما تعتمد على الدبلوماسية الناعمة في التعبير عن رأيها ومخاطبة الآخرين، سواء كانوا مؤسسات أو شخصيات.

توجهها السياسي المتوازن وشدة كراهيتها للإسلاميين، لا يغيبان عن أسباب اختيارها من جانب مصر لتكون سفيرة لها داخل اليونسكو، فقد استثمرت علاقاتها الدولية إبان ثورة 30 يونيو للقيام بجولات مكوكية في الشرق والغرب، لتوضيح حقيقة ما يحدث في مصر

تنظر المرشحة المصرية إلى التعليم والثقافة باعتبارها أهم أدوات مواجهة التطرف الديني والفكري، ما يجعلها تصطدم بتوجه معاكس من جانب الحكومة المصرية، فالتعليم غير موجود ضمن أولويات الدولة، حتى قبعت مصر في المركز قبل الأخير عالميًا في جودة التعليم، إضافة إلى غياب دور وزارة الثقافة عن مواجهة التطرف الفكري والديني، ما يعني أن ما تنشده المرشحة المصرية قد لا تعيره بلادها أيّ اهتمام، سواء على مستوى التعليم أو الثقافة. بعد مرور أسابيع على ترشيحها لمنصب مدير المنظمة، لا تفقد الأمل في تحقيق توافق عربي حول شخصية واحدة للمنافسة على المنصب، لا سيما أن قطر رشحت حمد الكواري وزير الثقافة السابق، وأخيرًا ظهرت في الصورة المرشحة اللبنانية فيرا خوري.

منافسة عربية-عربية

صحيح أن وجود ثلاثة وجوه عربية ضمن المنافسين بقوة على المنصب، فتح مجال المنافسة العربية على المناصب الدولية، وغياب ثقافة التنازلات التي كانت معروفة في الماضي لصالح “المرشّح الأقوى”، لكن مع اعتقاد كل طرف بأنه الأجدر بالمنصب ازداد التنافس، ووصل الصراع إلى مراحل متقدمة، قد يرتقي إلى حد المعركة.

وحتى وإن كانت المرشحة اللبنانية فيرا، تحظى بتاريخ طويل في اليونسكو منذ 20 سنة، وعملت كعضو في المجلس التنفيذي للمنظمة لمدة 8 سنوات، وترأست لجانًا من أجل إصلاحها، فإن الأزمات التي يشهدها لبنان، وعدم وجود توافق حقيقي حول مرشح بعينه، وغياب المظلة الرسمية الواضحة في بلادها، ربما تحصر الصراع بشكل أكبر بين خطاب والكواري.

باءت فرصة تحقيق توافق عربي حول تقديم مرشح واحد في المنافسة على المنصب بالفشل الذريع، لا سيما أن خطوة مصر بتقديم مشيرة تحمل خلفيات سياسية مع قطر، مردودها أن الأخيرة تحفظت من قبل على ترشيح السفير أحمد أبوالغيط لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية، خلفا لنبيل العربي. يمكن القول إن إزالة الممانعة القطرية بصعوبة عن أبوالغيط خلفت مرارات لدى القاهرة، وفُهم ترشيح مشيرة خطاب على أنه لمنافسة الدوحة في اليونسكو، حتى وإن دافعت المرشحة المصرية مرارًا عن نوايا بلادها الطيبة، وأن تقديمها للمنافسة على المنصب بعيد تماما عن المواءمات السياسية.

تفتيت أصوات

إذا أبعدت كل من مصر وقطر الحسابات السياسية والتوترات الموجودة في العلاقة بين البلدين، عن نوايا المنافسة بينهما، ستظل نتيجة ذلك معروفة للجميع، وهي تفتيت الأصوات العربية عند التصويت على مرشح واحد، مطلع العام المقبل، بعد انتهاء فترة ولاية إيرينا بوكوفا المديرة الحالية للمنظمة، ما قد يضعف فرص المرشحين العربيين في أن يكون أحدهما على رأس المنظمة. بعيدًا عن نظرية التشاؤم من الخسارة المزدوجة في سباق المنافسة بسبب غياب التوافق العربي على مرشح واحد، يمتلك كل من المرشحين القطري حمد الكواري والمصرية مشيرة خطاب، ملكات تخص خبراته، وأخرى تتعلق ببلاده، قد تؤهله للفوز بالمنصب.

تقديم مصر شخصية نسائية لمنافسة المرشح القطري، له دلالات سياسية ودولية، خاصة وأنها تسعى لاستغلال انتشار التيار النسائي على مستوى المراكز المرموقة عالميا، وتبلور ما يعرف بظاهرة "نساء يحكمن العالم"

وإذا كانت قطر تلعب بورقة استثماراتها الضخمة في الغرب والتبرع بالملايين من الدولارات سنويًا لدعم اليونسكو، فإن مصر أيضًا تلعب بورقة الدعم الأفريقي لمرشحتها، بعدما حصلت على تأييد واسع لترشحها من جانب وزراء الخارجية الأفارقة خلال مؤتمر القمة الأفريقية الذي عقد في رواندا مؤخرًا. لكن هناك من يرى أن دعم وزراء الخارجية للمرشحة المصرية ليس دليلًا على إلزام كل وزير خارجية لدولته لأن تصوت للمرشحة المصرية في اليونسكو، ودليل ذلك استقبال الرئيس الكيني للمرشح القطري قبل أسابيع، وإعلان أن بلاده سوف تقف إلى جانبه وتدعمه كمدير لليونسكو، على الرغم من أن هناك توافقا أفريقيا سابقا بشأن المرشحة المصرية، ما يشي بأن ما يحدث داخل الغرف المغلقة من تفاهمات حول تأييد مرشح بعينه شيء، وما قد يجري في الواقع وفق حسابات ومصالح مختلفة شيء آخر.

غير أن طريقة تقديم كل من قطر ومصر لمرشحيهما، ربما يكون لها أثر بالغ في مدى إحداث توافق دولي من عدمه، فما يميز الكواري أن بلاده قدمته إلى الدولة التي يحق لها التصويت، من خلال احتفالية ثقافية عريقة نظمت في أحد نوادي فرنسا (التي تحتضن المنظمة)، وبحضور شخصيات سياسية وثقافية وحقوقية، ومشاركة المديرة الحالية لليونسكو بوكوفا.

بعكس مصر التي قدمت خطاب للعالم بطريقة شديدة المحلية، في أثناء حوار ثقافي استضافه المتحف المصري بوسط القاهرة، وأعلن خلاله بكلمات موجزة شريف إسماعيل رئيس الحكومة، أنه “قرر ترشيح مشيرة خطاب لمنصب مدير منظمة اليونسكو للعلوم والثقافة”، حيث كانت تشارك شخصيات عامة وثقافية ومفكرون وأدباء، ما عرّض الحكومة لانتقادات شديدة من الطريقة العشوائية التي قدّمت بها خطاب لدول العالم.

فرص متساوية

تبدو فرص قطر ومصر متساوية على الصعيد الدولي، في ما يخص “دبلوماسية مرشحيهما”، فالكواري يمتلك رصيدًا زاخرًا على المستوى الأوروبي كرجل دبلوماسي سبق له أن شغل منصب سفير بلاده لدى العديد من الدول، بينها فرنسا والولايات المتحدة، وعمل كمندوب دائم لها في الأمم المتحدة واليونسكو.

على الصعيد المصري لدى مشيرة خطاب رصيد سابق مع أفريقيا، حيث شغلت منصب مساعد وزير الخارجية لمدة عام، ومن أكثر الداعمين لعلاقات مصرية فعالة مع أفريقيا، كما تولت منصب سفيرة بلادها لدى تشيكوسلوفاكيا بين 1990 و1995 ثم سفيرتها لدى جنوب أفريقيا ما بين عامي 1995 و1999، واختيرت كثالث أعظم ناشطة حقوق إنسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ضمن 5 أخريات في ديسمبر عام 2013.

حتى وإن كان كل من المرشحين يتمتع برصيد سياسي ودبلوماسي واسع وخبرات سابقة في هذا المجال، فإن الفوز بمنصب دولي مثل مدير عام منظمة اليونسكو، يعتمد في النهاية على مصالح كل دولة لها حق التصويت، فضلا عن أن مثل هذه المناصب تدخل فيها التربيطات والصفقات على مستوى الدول نفسها. ومعروف أيضًا أن أيّ دولة إذا دعمت هذا المرشح أو ذاك فإنها تنتظر المقابل من الدولة الأخرى، وقد ترصد بعض الدول ميزانيات مفتوحة بالملايين من الدولارات لمرشحيها.

بغض النظر عن هذا التقليد الراسخ في مثل هذه الظروف، تبدو حظوظ خطاب موجودة للمنافسة على المنصب، لكثير من الاعتبارات، بينها التوافق بين رسالة مصر الخارجية ورسالة اليونسكو، التي تنطلق من دعم التعددية الفكرية والثقافية، وإيمانها بمبادئ الحوار واحترام الآخر ورفض الفكر المتطرف، وبناء السلام في عقول البشر من خلال العمل على الارتقاء بالتربية والعلوم والثقافة. يُضاف إلى ذلك وجود نماذج تعاون بين مصر واليونسكو باتت تُشكل جزءًا لا يتجزأ من تاريخهما، منها إطلاق المنظمة لحملة دولية لإنقاذ آثار النوبة، ومساهمة اليونسكو في إنشاء مكتبة الإسكندرية، والمساعدة في دعم مشروع التعليم للجميع.

المزاج الغربي

بجانب اللعب على “الوتر النسائي” واستخدام ظاهرة “نسوية المناصب الكبرى” تعتمد مصر على خبرتها السابقة في خوض المنافسة على منصب مدير عام منظمة اليونسكو، خلال الانتخابات التي أُجريت في العام 2009. رغم إخفاق فاروق حسني، وزير الثقافة الأسبق في الفوز بالمنصب، إلا أنه حصل على عدد معتبر من أصوات مندوبي الدول أي 27 صوتًا مقابل 31 صوتًا للمرشحة البلغارية إيرينا بوكوفا.

مع احتمال احتفاظ مصر بالكتلة الداعمة لها داخل المجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو، فإن أصوات الدول التي تُمثل الكتلة الحرجة والتي ترجح فوز أيٍّ من المرشحين تظل هي المستهدف من برنامج المرشحة المصرية، التي تمتلك خبرات متنوعة في العديد من المجالات التي تهتم بها اليونسكو، مثل موضوعات التعليم، ومحو الأمية، وتطوير المناهج، وحقوق الإنسان، ومكافحة التمييز، والحفاظ على البيئة، ومنع الاتجار في البشر.

لدى مشيرة خطاب رصيد سابق مع أفريقيا، حيث شغلت منصب مساعد وزير الخارجية لمدة عام، ومن أكثر الداعمين لعلاقات مصرية فعالة مع أفريقيا، كما تولت منصب سفيرة بلادها لدى تشيكوسلوفاكيا

ومع أن ثمة ظروفا مواتية ومشجعة، لكن ثمة تحديان رئيسيان يُواجهان مشيرة خطاب، الأول تفتت الأصوات بين عدد من المرشحين، فضلا عن احتمال الإعلان عن مرشحين آخرين، ما يضاعف تفتت الكتلة العربية التي لها حق التصويت في الانتخابات القادمة وهي سبع دول فقط: مصر، والمغرب، والسودان، وقطر، ولبنان، وسلطنة عمان، والجزائر.

الأهم هو حدود القبول الغربي لفوز مرشح عربي برئاسة اليونسكو، حيث لم يحدث ذلك منذ تأسيس المنظمة عام 1945، ما يشكل أحد العناصر الحاسمة في اتجاهات تصويت المجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو، فالمجموعة العربية الوحيدة التي لم يتولَّ أحدٌ من أبنائها منصب المدير العام لليونسكو، في ظل مزاج عام غربي يبدو أنه لا يفضل وصول مرشحين عرب للمناصب العليا في المنظمات ذات التأثير العالمي، فلم ينجح الأمير علي بن الحسين في انتخابات الفيفا، كما لم يتم إعادة انتخاب بطرس غالي لولاية ثانية كأمين عام للأمم المتحدة.

يتعزز هذا الاتجاه بما ذكره فاروق حسني، الذي خسر المنافسة على منصب مدير اليونسكو في العام 2009، من أن السياسة الأميركية وقت ترشحه للمنصب كانت تهدف إلى خلق شرق أوسط جديد وفوضى خلاقة كانت تمنع وجود مصري أو عربي على رأس منظمة كبيرة، لأنها ستعرقل ذلك، واستغلت واشنطن نفوذها وضغطت لعدم وجود شخصية عربية في المنصب، “ودائما اللعبة تأتي في اللحظات الأخيرة”.

لكن يبدو أن القاهرة أخذت المنافسة مع قطر على محمل الجد، فرئيس الحكومة صرح أن “مصر لا بد أن تكسب”، وسامح شكري وزير الخارجية شرع في تشكيل مجلس استشاري موسع لدعم مشيرة خطاب من خلال السفارات المصرية بالخارج. وهي نفسها دشنت حملة قوية من مثقفين ومفكرين ومبدعين وإعلاميين لهم ثقل محلي ودولي للترويج لنفسها، وتؤكد أنها تخوض المنافسة بالقوى الناعمة المصرية بروافدها الثرية، التي تستند إلى التاريخ والحضارة والثقافة.

علاوة على تاريخها في مساندة قضايا المرأة، حيث وضعت وقف الختان وتعليم الإناث على قائمة أولوياتها خلال عملها كأمين عام للطفولة والأمومة خلال الفترة من 2002 إلى 2010، وكانت أول من أنشأ الفصل الواحد لتعليم الفتيات، وأطلقت حملة وطنية ضد الزواج المبكر، ونجحت في تعديل قانون الأحوال المدنية برفع الحد الأدنى لسن الزواج للإناث إلى 18 عاماً، وتوصف بأنها الدبلوماسية والحقوقية.

13