مشيرة خطاب دبلوماسية مكلفة بإصلاح حقوق الإنسان في مصر

خطاب: إطلاق الحريات لا يشكل خطرا على استقرار الدول.
السبت 2021/10/09
الأقرب والأصلح للقيام بالمهمة

ارتبط استدعاء الحكومة المصرية للسفيرة مشيرة خطاب لتكون على رأس المجلس القومي لحقوق الإنسان في البلاد بالمسار الجديد الذي يرغب النظام الحاكم في انتهاجه في التعامل مع ملف الحريات من منظور شامل، مع إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان مؤخرا، وتعهد الرئيس عبدالفتاح السيسي بالمضي قدما في تفعيلها وفق ظروف وخصوصية البيئة المصرية.

ميزة خطاب أنها تفهم جيدا لغة الغرب وتجيد التعامل مع بعض حكومات الدول المؤثرة في صناعة القرار الخاص بحقوق الإنسان داخل الاتحاد الأوروبي، بحكم احتكاكها سابقا بشخصيات فاعلة بدوله، سواء بحكم وظيفتها الأكاديمية كمحاضرة في بعض الجامعات الأوروبية، أو عملها كسفيرة لمصر لدى حكومات غربية عدة.

خطاب تتخذ موقفاً حاسماً ضد الإسلاميين بحكم تقديسها للحريات العامة، إذ تعتقد أن الحركات الدينية العدو الأول لحقوق الإنسان، لأنها تمارس الترهيب وتصادر الحريات

تميل خطاب إلى التعامل مع بعض الدول التي تناكف مصر في ملف حقوق الإنسان بسياسة العين بالعين، وليس بالرد عليها بخصوص الملاحظات التي تتم إثارتها بشأن الحريات السياسية والاجتماعية والإعلامية، بمعنى لا يجب على بلادها أن تلتزم الصمت أو تدافع عن نفسها كأنها متهمة على الدوام، بل تبادر بكشف أغراض التقارير الحقوقية.

تعتقد خطاب أن بعض التقارير التي تُكتب عن مصر تكون جاهزة مسبقا ويتم استغلالها في توقيتات سياسية بعينها، لذلك يجب أن تناكف هذه الدول لأنها هي الأخرى لديها أزمات تتعلق بحقوق الإنسان، ويجب أن تتعامل مصر بنبرة تؤكد قوتها واستقلاليتها مع ضرورة أن تقوم بالمزيد من التقدم في الملف، ليس لإرضاء الغرب، لكن لأن ذلك هو الطبيعي في أي دولة تنشد التحضر.

دبلوماسية عنيدة

[ شخصيتها تنسجم مع السياسة العامة للدولة، من حيث رفض الوصاية، ووجود خصوصية للحالة المصرية
شخصيتها تنسجم مع السياسة العامة للدولة، من حيث رفض الوصاية، ووجود خصوصية للحالة المصرية

رغم كونها دبلوماسية مخضرمة وتنتقي عباراتها بدقة ولا تلجأ إلى الصدام، لكنها عنيدة وجريئة وصريحة إلى أبعد الحدود، وتحرص على أن توازن بين النقد والمرونة، ما جعلها مقبولة لدى شرائح مجتمعية كثيرة، ومنظمات حقوقية محلية وأجنبية، ودوائر صناعة القرار السياسي، أي أنها تبدو قريبة من الأطراف المعنية بمنصبها الجديد.

في ذروة الضغط الأميركي على مصر والتلويح بإعادة النظر في المعونة العسكرية المقدمة إليها بسبب تراخيها في ملف حقوق الإنسان، قالت خطاب إن أغلب الدول الغربية التي تردد هذه النغمة لديها قصور في الحريات، ولا تخلو من انتهاكات في حقوق الإنسان، بينها الولايات المتحدة نفسها، ويكفي ما فعلته في أفغانستان عندما انسحبت قواتها وتركتها لحركة طالبان ولتنظيم القاعدة.

تنسجم شخصيتها مع السياسة المصرية من حيث رفض الوصاية، ووجود خصوصية للحالة المصرية، والتلويح بورقة القصور في معالجة حقوق الإنسان في بعض الدول التي تدّعي أنها الأفضل، مع ذلك تظل من أبرز الشخصيات العامة في مصر التي تقدس الحريات وتدعو دائما إلى تطبيق الديمقراطية دون النظر إلى اعتبارات أخرى.

وتعاني الحكومة المصرية من أزمة حقيقية في شرح وجهة نظرها تجاه حقوق الإنسان، حيث تفعل الكثير لتحسين حياة الناس على مستوى التعليم والصحة والسكن والقضاء على العشوائيات وتمكين المرأة والقضاء على التمييز والإفراج عن دفعات من سجناء الرأي والناشطين. وتفتقد إلى الحنكة السياسية لإدارة ملف الحريات عموما، وكيف تشرح للخارج أن ما تفعله من تطورات في مجالات متعددة من صميم حقوق الإنسان، ولماذا تمنح دورا أكبر لأجهزة الأمن في فرض الاستقرار، وأن تدخلها في ضبط إيقاع المنظمات الأهلية هدفه منع وصول الأموال إلى جمعيات تابعة لتنظيمات إسلامية متطرفة، ناهيك عن التقدم الحاصل في المجالين الاقتصادي والاجتماعي والمشروعات التي تطلقها الدولة لتخفيف الأعباء عن الكادحين.

العقل المدبر

بعض التقارير التي تُكتب عن مصر تكون جاهزة مسبقا، كما تعتقد خطاب، ويتم استغلالها في توقيتات معيّنة
بعض التقارير التي تُكتب عن مصر تكون جاهزة مسبقا، كما تعتقد خطاب، ويتم استغلالها في توقيتات معيّنة

ظل المجلس القومي لحقوق الإنسان كيانا غير مؤثر بالنسبة إلى كثيرين بحكم تماهيه المعلن وغير المبرر مع الحكومة والدفاع عنها في كل شيء إلى درجة أشعرت البعض بأن أعضاءه يتعاملون بعقلية الموظفين في الدولة، ما يضع أمام خطاب تحديا كبيرا يتعلق بحتمية تغيير الصورة الذهنية للمجلس ليظهر بمكانة تستحق الاسم الذي يحمله.

وتأمل الحكومة منذ إطلاقها للاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان أن يكون لها عقل مدبر حكيم يقوم بالإشراف على تطبيقها بشكل احترافي يراعي خصوصية مصر ويرشدها إلى تطبيق مفاهيم الحريات بطريقة سلسة ويملك الخبرة الكافية التي تؤهله لإحداث توازن بين مساري الداخل والخارج.

وجدت الدولة في خطاب الأقرب والأصلح للقيام بالمهمة في هذه المرحلة، وهي أول سيدة تتولى هذا المنصب، وتجعلها خبراتها على المستويين الدبلوماسي والحقوقي تمثل الاختيار المناسب. بالمقابل، تعد خطاب قريبة للغاية من المنظمات المحلية والأجنبية، حيث عملت في المجال الحقوقي وقامت بمهام مختلفة، وتدرك جيدا ما يدور في بال المؤسسات العاملة فيه وتملك رؤية لما يجب أن تكون عليه مصر على مستوى الحقوق والحريات، في حين ما زالت الحواجز ونقاط الخلاف بين الحكومة والمنظمات كثيرة لغياب همزة الوصل التي تفهم عقلية الطرفين وتقرّب وجهات النظر بينهما، وهو ما تسعى للقيام به.

ومهما كانت نوايا الحكومة في مصر حسنة تجاه ملف حقوق الإنسان، فالمعضلة أنها لا تعرف من أين تبدأ، وبأي وسيلة يمكن أن تظهر بصورة توحي لمعارضيها أنها غيّرت من نهجها وسياساتها، وبالتالي فهي بحاجة ملحة إلى عقل يصوب المسار ويغيّر البوصلة دون أن يشكل ذلك خطرا سياسيا.

وجرى استقبال تعيين خطاب رئيسة للمجلس القومي لحقوق الإنسان بارتياح من تيارات عديدة في مصر، لأن أكثر ما يميزها فهمها للملف وتناغمها مع الحكومة والمنظمات الحقوقية، وإدراكها لاحتياجات المصريين الملحة في ما يتعلق بالحقوق المطلوب تفعيلها بأسرع وقت ممكن، بغض النظر عن المطبات الرسمية.

عملت خطاب في السلك الدبلوماسي المصري بكل من الولايات المتحدة وتشيكوسلوفاكيا وأستراليا وجنوب أفريقيا، ومثّلت بلادها في الأمم المتحدة عندما بدأت عملها كمقررة للجنة حقوق الطفل بجنيف، وهي إحدى لجان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ثم نائبة لرئيس اللجنة.

وترأست مؤسسات محلية معنية بحقوق الإنسان، وانضمت لعضوية مجلس إدارة الاتحاد المصري للجمعيات الأهلية المسؤول عن المنظمات المحلية والأجنبية، وترأست المجلس القومي للأمومة والطفولة، وشغلت منصب وزيرة سابقة للأسرة والسكان واختلطت بالناس وتعايشت مع مطالبهم وأحلامهم ومشكلاتهم، وكانت مرشحة مصر لمنصب مدير منظمة اليونسكو قبل خمس سنوات.

حصلت على بكالوريوس الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة القاهرة ونالت درجة الدكتوراه في العلاقات الخارجية وقوانين حقوق الإنسان من نفس الجامعة، والماجستير في العلاقات الخارجية من جامعة نورث كارولاينا، وهي بالأساس تلميذة بطرس بطرس غالي وزير الدولة للشؤون الخارجية الأسبق في مصر والأمين العام للأمم المتحدة سابقا.

تراهن الحكومة على خبراتها الغنية في العمل العام والدبلوماسي والحقوقي لمساعدتها في تغيير صورتها السلبية في المجال الحقوقي، وأنها تعادي الحريات ولديها حساسية مفرطة من فتح المجال العام بحكم أن خطاب تحظى بقبول محلي ودولي معقول، ومن الشخصيات القليلة التي لها قاعدة علاقات تساعدها على الترويج لرؤية بلادها المرتبطة بهذا الملف وما فعلته في قطاعات مختلفة هامة.

تحديات مستقبلية

خطاب تفهم لغة الغرب وتجيد التعامل مع بعض حكومات الدول المؤثرة في صناعة القرار الخاص بحقوق الإنسان داخل الاتحاد الأوروبي
خطاب تفهم لغة الغرب وتجيد التعامل مع بعض حكومات الدول المؤثرة في صناعة القرار الخاص بحقوق الإنسان داخل الاتحاد الأوروبي

تظل أبرز التحديات التي تواجه خطاب في مشوارها لإصلاح ملف الحريات بمصر أن الحكومة دائما ما تربط القيود التي تمارسها على الأشخاص والمنظمات والإعلام بالحرب على الإرهاب والتطرف والدفاع عن استقرار البلاد، وليس من السهل إقناع حكومة مثل هذه أن تغير قناعاتها لتتحول إلى داعمة ومؤيدة للحريات دون قيد أو شرط.بالنظر إلى قناعات السفيرة في هذا الشأن، نجدها تختلف جذريا عن وجهة نظر الحكومة المصرية، فهي التي قالت من قبل أمام مؤتمر دولي حول تأثير الإرهاب على نشر الديمقراطية في بعض المجتمعات العربية “إن العلاقة بين الديمقراطية والأمن يجب أن تكون مترابطة، لأن مواجهة الأمن للإرهاب يُفترض أن تكون عملية ديمقراطية تشاورية بين المواطنين والحكومة”.

وترى أن الأهم من المواجهة الأمنية مع الإرهاب أن تكون هناك معالجة جذرية لأسباب التطرف ذاته، فلا يمكن التصدي له بقوة السلاح والتضييق، بل بوقف التمييز والعنصرية ومحاربة الفقر وتكريس التعليم وتجديد الخطاب الديني، وأن الانفتاح والتحرر الفكري مدخلان للحريات الأخرى، هذا ما يجب أن تدركه أي حكومة إذا قررت نشر الديمقراطية.

وأهم ما تؤمن به هذه الدبلوماسية والحقوقية أن الإنسانية تُكرّس في المجتمع متى توافرت الحريات، وليس بالتضييق يكون الاستقرار، لكن من خلال التحضر ونشر الوعي والتعليم والثقافة وإبداء الرأي على أسس وطنية، ولا مصالح شخصية وحزبية ضيقة، وهي المعضلة التي تعاني منها الحكومة عندما تتعامل مع حقوق الإنسان من منظور أمني.

وما يثير مخاوف البعض من وجود خطاب على رأس أهم مؤسسة معنية بالدفاع عن حقوق الإنسان في مصر أنها معروف عنها مساندة قضايا المرأة، وتتصدى لأي أزمة تخصها، وتجاهد بكل قوة للدفاع عنها ضد من يحاولون النيل منها على مستوى التعليم والزواج والمساواة مع الذكور والتمكين السياسي والاقتصادي غير المحدود، أيّ أنها تعودت على أن تكون المحامي الذي يدافع ويتحدث بلسان النساء.

أبرز التحديات التي تواجه خطاب في مشوارها لإصلاح ملف الحريات بمصر، ذلك أن الحكومة دائما ما تربط القيود التي تمارسها على الأشخاص والمنظمات والإعلام بالحرب على الإرهاب والتطرف والدفاع عن استقرار البلاد

ويبني هؤلاء وجهات نظرهم على أنها هي من وضعت حدا للختان ومنع تعليم الإناث عندما كانت الأمينة العامة لمجلس الطفولة والأمومة خلال الفترة من 2002 إلى 2010، وأقنعت الحكومة بسن تشريع يجرم ذلك، وصاحبة فكرة رفع سن زواج الفتيات إلى ثمانية عشر عاما لمنع زواج القاصرات، ما جعلها توصف بأنها دبلوماسية وحقوقية ونصيرة المرأة، وهي نظرة مرتبطة بأن المجتمع المصري يتعامل بعقلية ذكورية.

ودحض تصديها للكثير من القضايا الاجتماعية ادعاءات انحيازها للمرأة فقط، فهي دائما ما تربط حقوق الإنسان بملامسة المتطلبات الملحة للناس دون تفرقة طبقية أو تمييز على أساس الجنس والدين والانتماء الحزبي، مثل الحق في السكن والصحة الآدمية والتعليم والكرامة الإنسانية، مع عدم إغفال الحقوق المدنية والحريات الدينية والإعلامية، وحرية النقد والاختلاف على أسس وطنية.

لم تتأسس قناعات خطاب بقدسية الحقوق والحريات من فراغ، فهي التي عاصرت تجربتين سياسيتين غاية في التعقيد والاختلاف، واستطاعت من خلالهما أن تضاعف خبراتها المرتبطة بأهمية أن يكون المجتمع واعيا بحقوقه وواجباته، وكيف يمكن للحاكم أن يوازن بين حقوق الدولة والناس ويحافظ على الأمن والاستقرار.

كانت التجربة الأولى عندما تم تعيينها سفيرة لدى الاتحاد الفيدرالي لجمهوريتي التشيك وسلوفاكيا عام 1992، وعاصرت عن قرب كيف انفصلت الجمهوريتان بسلاسة نتاج تحضر المجتمع وعقلية القائد، وكيف أن الناس عندما يتعلمون معنى الديمقراطية بشكل صحيح، فإنهم يصنعون الاستقرار لبلادهم، لا أن يُجبروا على ذلك، وأيقنت أن نشر ثقافة الحقوق لا يمكن أن يتم في مجتمع يعاني من الأمية.

والتجربة الثانية كانت في جنوب أفريقيا عندما تم تعيينها سفيرة لمصر في مرحلة ما بعد الفصل العنصري، بإطلاق سراح نيلسون مانديلا من السجن ليصبح رئيسا للدولة، وشاهدت كيف كان الانتقال إلى الديمقراطية دمويا بسبب التمييز وقلة التعليم وشعور الناس بأنهم بلا حقوق، حتى وضع مانديلا الإنسانية شعارا لحكمه إلى درجة أنها اعتبرته الشخص الذي تعلمت على يديه المعنى الحقيقي لحقوق الإنسان وآليات تطبيقها.

تعلمت خطاب من التجربتين أن الحريات والديمقراطية لا يمكن أن تشكلا خطورة على استقرار الدول، بل دائما ما تكونان حصانة لها، شريطة أن تتأسسا بنشر التعليم وجعله مقدسا بين الناس كمدخل للقضاء على الجهل والعبث بالعقول، وأن الترهيب دائما ما يثير الضغينة، وهي المفاهيم التي انعكست على شخصيتها حتى صارت تعادي كل من يلعب على وتر الجهل لتحقيق المنافع السياسية المشبوهة.

خطاب تتخذ موقفاً حاسماً ضد الإسلاميين بحكم تقديسها للحريات العامة، إذ تعتقد أن الحركات الدينية هي العدو الأول لحقوق الإنسان، لأنها تمارس الترهيب وتصادر الحريات ووجودها في أي دولة من الأعمال التي تشكل عائقا ضد الإنسانية، لكنها أيضا مقتنعة بأن معارك الحكومات ضد التطرف لا يجب أن تتم على حساب حقوق المجتمع.

12