مصائب الموصليين فرصة تجار الأغنام للربح الوفير

أثرياء الحرب هم أولئك الذين يتحينون الفرص للانقضاض على ضحايا الحرب فيسرقون متاعهم أو يشترونها بأرخص الأسعار أو يبيعونهم ما يحتاجونه من غذاء ودواء بأسعار مشطة، فعلى تخوم مخيم للنازحين الموصليين في إقليم كردستان العراق يتربص تجار الأغنام بالقادمين الجدد ممن يملكون مواشي ليشتروها بأقل من ثمنها الحقيقي لأن دخول هذه المواشي يحتاج إلى كفيل من الإقليم.
الأربعاء 2016/11/09
حتى المواشي تطلب اللجوء

نينوى (العراق) – يقف العشرات من النازحين، القادمين من حي كوكجلي شرق مدينة الموصل، مع الآلاف من مواشيهم، عند آخر حد يسمح لهم ببلوغه مع ماشية هي كل ما تبقى لهم من رحلة الهروب من المعارك الدائرة بين القوات الحكومية والميليشيات الموالية لها وبين تنظيم “داعش” منذ 17 أكتوبر الماضي.

هؤلاء لا ينتظرون السماح لهم بدخول مخيم النازحين، بل ينتظرون السماح لمواشيهم بدخول إقليم شمال العراق، بعد رحلة نزوح طويلة من الموصل، مركز محافظة نينوى، شمال العراق. ويشكل النزوح مشكلة خصوصاً للمجتمعات الزراعية، بسبب صعوبة نقل المواشي وغيرها إلى المخيمات، كما يتوقع أن يزداد الوضع صعوبة على النازحين مع اقتراب الشتاء والطقس البارد.

ويتجه النازحون إلى مخيم الخازر (35 كم شرق الموصل)، الذي شيدته الحكومة العراقية، بالتنسيق مع حكومة إقليم شمال العراق، ويتسع لنحو 8 آلاف عائلة، أو يتوجهون إلى مخيم حسن شام (على بعد 5 كم شمال المخيم الأول)، الذي شيدته الأمم المتحدة، بالتنسيق مع حكومة إقليم شمال العراق، ويتسع لقرابة 24 ألف نازح، تحت إدارة حكومة الإقليم.

كوكجلي، المعروفة على مستوى العراق بتربية الماشية، حولت منطقة “برطلة” على الحد الفاصل بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة (جيش إقليم شمال العراق)، إلى سوق لبيع الماشية، لكن بأبخس الأثمان كي ينقذ هؤلاء النازحون ما يمكن إنقاذه.

ويشتهر سكان حي كوكجلي بتربية الأغنام والأبقار؛ ما جعلها مركزا لتصدير الماشية لبقية مناطق العراق، لكن هذه الماشية باتت نقمة على أصحابها، إذ تمنع الإجراءات الرسمية النازحين من إدخال مواشيهم إلى إقليم شمال العراق، ما أسقطهم في براثن استغلال تجار من إقليم شمال العراق يشترون منهم الماشية بأسعار زهيدة للغاية.

وبينما يسوق أغنامه باتجاه منطقة مفتوحة هربا من تجار أغنام يلاحقونه، يقول ساجد حميد (43 عاما)، إن “صعوبة إيجاد كفيل (أحد سكان المنطقة) لإدخال الماشية بعد هذه الحدود أو توفير مياه الشرب لهذه الأغنام هي العامل الرئيسي في انخفاض أو ارتفاع أسعارها”.

ومتحدثا عن التجار الذين يلاحقونه، يضيف حميد، أنهم “يحاولون شراء أغنامي بنصف سعرها، لأنني نازح ومجبر على بيعها، إذ لا يسمح بدخولها” إلى الإقليم.

ونزح حميد من شرقي الموصل برفقة عائلته المكونة من سبعة أشخاص، لكنهم لم يتوجهوا مباشرة إلى مخيم الخازر، حيث يفضل حميد أن يحسم أولا مصير أغنامه، إما ببيعها وإما بإدخالها إلى إقليم الشمال.

وعن مصير هذه الأغنام، يقول حميد “اليوم حصلنا على المياه، فشربت الأغنام وأكلت وارتفعت أسعارها قليلا، مساء أمس (قياسا إلى زمن قول حميد) عطشت أغنامي، فبعت البعض منها بأسعار زهيدة؛ كنت أخاف أن تموت، فبعت إحداها بـ25 ألف دينار (20 دولارا أميركيا)، بينما سعرها الطبيعي 250 ألف دينار (200 دولار أميركي)”. ويختم حميد بقوله “لست مجبرا اليوم على بيع أغنام بأسعار زهيدة، فقد شربت وارتوت وارتفع ثمنها قليلا، لكن المشكلة لم تحل تماما، وقد أجبر على بيعها”.

قرب ناحية برطلة شرق الموصل، يتفاوض تجار أغنام من مدينة أربيل (عاصمة إقليم شمال العراق) مع نازح يمتلك قرابة 100 بقرة.

وخلال التفاوض والحساب، ترتفع أصواتهم، فيستخدم التجار آلة إلكترونية حاسبة لتفصل بينهم كي يقتنع صاحب الأبقار.

ملامح وجه صاحب الأبقار تظهر أنه مغلوب على أمره، لكن ما بيده حيلة، فهو مجبر على بيعها بنصف ثمنها أو أكثر بقليل، كي يُسمح له بدخول مخيم النازحين، وإلا فعليه إحضار كفيل من سكان أربيل ليتمكن من إدخال ماشيته.

ولا تسمح سلطات إقليم شمال العراق بدخول نازحي الموصل مع مواشيهم، إلا بوجود شخص يتكفل بهم من سكان الإقليم.

أحمد عليوي (29 عاما)، وهو من النازحين من كوكجلي، يقول “لدي 50 خروفا، ولدى ابنَيْ عمي 400 خروف، لكن لا يوجد لدينا كفيل.. والآن أجبرنا على بيعها بأسعار أقل من الأسعار المتداولة في السوق الاعتيادية بكثير”.

ويضيف عليوي، أن “الكثير من النازحين أجبروا على بيع أغنامهم، فلا يمكننا اصطحاب الأغنام داخل المخيم، رغم أننا نعتمد في معيشتنا على تلك الأغنام، التي لم تعد تتوفر لها الأعلاف ولا المياه.. فلا سبيل إلا البيع”.

وقرب الحد الفاصل، تفترش العشرات من عائلات أصحاب الأغنام العراء، حيث باتوا ليلتهم على أمل إنهاء ما آل إليه وضع أغنامهم.

هم يحملون أمتعتهم في مركباتهم، ولا تزال مائدة واحدة على الأرض تجمعهم، رغم ما يمرون به من مصاعب، حيث يتناولون الطعام سوية بعد أن ذبح أحدهم أحد أغنامه.

ورغم محنتهم، فإن هؤلاء النازحين من أصحاب الأغنام يرحبون بالمارة من أمامهم لشراء الأغنام بأن يدعونهم إلى تناول الطعام معهم.

حاتم شاكر (52 عاما)، وهو أيضا نازح من كوكجلي، يروي قصته قائلا “أصيبت زوجتي في هجوم لتنظيم داعش على كوكجلي خلال الاشتباكات مع القوات العراقية، وجرى نقلها إلى أحد مستشفيات أربيل لتلقي العلاج.. سرت مع أغنامي ست ساعات حتى وصلت إلى هذا المكان في ناحية برطلة”.

في النهاية، وكما يضيف شاكر، فإن “التعب أرهق أغنامي، وخشيت أن تموت، فبعتها بثمن بخس.. كان لدي 100 رأس من الماشية بعتها بسبعة ملايين دينار، أي بـ70 ألف دينار للخروف الواحد (حوالي 55 دولارا) بغض النظر عن وزن كل خروف”.

وبينما تواصلت مأساة شاكر وغيره من أصحاب الماشية بخسائر مادية جديدة، يفترش آخرون من أصحاب الماشية، من النازحين، العراء في حيرة من أمرهم، فإما أن يبيتوا في هذا العراء مع أغنامهم وإما أن يبيعوها، وهي كل ما تبقى لهم، بأبخس الأثمان، لتسمح لهم السلطات بدخول مخيم الإيواء.

20