مصائر الروائيين

الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز اختار مصيرا يبدو كأنّه مصير مستلّ من إحدى رواياته السحرية، ربّما تجاوز خياله السحري بنهايته الواقعية تلك.
الاثنين 2018/04/23
مصير مستلّ من إحدى رواياته السحرية

أيّ جنون دفع روائيين وروائيات إلى اختيار طرق غرائبية للموت، أو للدفن؟ هل يعود ذلك إلى غرابة العوالم التي رسموها في أعمالهم أم إلى تمرّد لا يهدأ في أرواحهم؟ هل يكون ذلك ضربا من الخيال الذي يتجاوز نفسه في مواجهة الواقع والتاريخ؟

كأنّ لسان حال بعض الروائيين في اختيارهم لمصائرهم ووضعهم أو رسمهم مشهد الختام لحياتهم، وطريقة موتهم أو دفنهم، يقول إن إرث الروائيين هو للأجيال اللاحقة، للبشرية جمعاء، لكن أجسادهم ملك لهم، يختارون مصائرها بالصيغة التي يدونها مناسبة ومريحة لهم.

ربّما تكون طريقة الموت أو الدفن لعبة روائية يهندسها الروائيون، ويسطّرونها بأيدي غيرهم، يشركونهم معهم في إكمال مسار الحكايات التي تبقى معلقة من بعدهم، يمنحونهم مفاتيح الغوص في عوالمهم، وتفكيك بعض خبايا التوتّر الذي كان يسكن أرواحهم.

ارتدت الروائيّة الإنكليزية فيرجينيا وولف (1882 – 1941) معطفها، وملأته بالحجارة، ثمّ أغرقت نفسها في نهر أوس القريب من منزلها، ووجدت جثتها في 18 أبريل 1941، ودفن زوجها تيد هيوز رفاتها بعد ذلك لتبقى حسرة في قلبه وقلوب قرّائها، وتفتح بابا في الأدب الإنكليزي للتخمين عن أسباب إقدامها على فعلتها، وأسطرة، أو شيطنة، ما أحاط بها بصيغ مختلفة.

الروائي الياباني يوكيو ميشيما (1925 – 1970) الذي انتحر بطريقة تراجيدية، حاول أن ينقل رسالة واضحة إلى أتباعه ومريديه فحواها أنّه “الساموراي الأخير” الساعي إلى استعادة مجد الإمبراطورية اليابانية، والعاشق للروح اليابانية الأصيلة، ولأنه لم يتمكن من تحقيق حلمه، وجد أن من العار عليه أن يكمل حياته التي ستعد بعد ذلك نوعا من اجترار الفشل.

ولربما يمكن هنا تأويل اختياره مصيره من ناحية الإحباط الذي شعر به على أكثر من مستوى، ولا يخفى أنّ عدم تتويجه بجائزة نوبل قد يكون لعب دورا في زيادة شعوره بالإحباط. وتراه باختياره تلك الطريقة المسرحية في الانتحار أراد التعبير عن النبل الذي يتحلى به والولاء للقيم التي يؤمن بها.

الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز اختار مصيرا يبدو كأنّه مصير مستلّ من إحدى رواياته السحرية، ربّما تجاوز خياله السحري بنهايته الواقعية تلك، أوصى بحرق جثمانه، ومن ثم توزيع رماده المتبقي بعد حرقه بين بلاده كولومبيا، والمكسيك التي عشقها بالتساوي.

كانت العلبة الخشبية الصفراء التي حملتها مارسيدس؛ زوجة ماركيز، تحوي رماد جثمان زوجها المحروق، وتظهر كلقطة مثيرة في مشهد سينمائي لافت، يستذكر الناظر إليها إطلالة ماركيز وحضوره المميز، ويتخيل صورا من أعماله المؤثرة.

هل يا ترى انتقم هؤلاء الروائيون من الموت بطريقتهم الروائية الفريدة؟ هل كان ذلك سعيا منهم إلى التحايل على الموت نفسه وتخليد مصائرهم في تاريخ الأدب كما تمّ تخليدهم أعمالهم فيه؟

15