مصابيح توفير الطاقة مفيدة للاقتصاد وخطرة على الصحة والبيئة

معظم المنازل والمدن باتت تعتمد على إضاءة مصابيح "ليد" الموفرة للطاقة، ورغم أنها جذّابة وتروق للناظرين، إلا أن الرسالة التي ينقلها العلماء لا تبشر بالخير.
الأربعاء 2019/02/20
الشفق الاصطناعي يهدد باختلال النظام البيئي في العالم

التوجه القوي نحو استخدام المصابيح الموفرة للطاقة يبدو جذّابا في أهدافه المعلنة، وخاصة دوره في اقتصاد الطاقة وتوفير المال، ويشير خبراء إلى أن الإمكانيات التقنية لمصابيح “ليد” الموفرة للطاقة تحسنت كثيرا، في ما بين العامين والأعوام الثلاثة الأخيرة. وتوجد حاليا أنواع مختلفة لظلال مصابيح “ليد”، حيث من الممكن التحكم في كل من ظلال المصابيح ونسبة إنارتها من خلال تطبيقات على الهواتف الذكية، ورغم مزايا هذه المصابيح التي توفر الكهرباء لكنها في المقابل تحمل جوانب سلبية وخطيرة، فالرسالة التي ينقلها خبراء الصحة وعلماء الفلك لا تبشر بالخير، بل تنطوي على مخاوف من “الشفق الاصطناعي” الذي يهدد باختلال النظام البيئي، والإضرار بصحة الإنسان.

تسير التطورات في مجال توفير الطاقة بخطى حثيثة، ويسابق الخبراء والمخترعون الزمن للخروج بتقنيات جديدة تغير العالم نحو الأفضل. وخلال السنوات القليلة الماضية حققت العديد من الدول نجاحات باهرة في توفير المال والاقتصاد في الطاقة، بفضل المصابيح المعروفة باسم “أل.إي.دي” أو “ليد”، وهي ذات صمام ثنائي باعث للضوء الأزرق، بدلا من تلك التقليدية العالية الطاقة والمعروفة بلونها الأصفر، إلا أن هذا التطور الاقتصادي قد صاحبه ارتفاع مستمر في نسب التلوث الضوئي.

ومؤخرا أثير الجدل من جديد حول هذا النوع من الإضاءة، الذي ينتج أطول موجات خاصة بالضوء الأزرق، وإمكانية تسببها في مخاطر كبيرة على البشر والكائنات الحية.

مخاطر كبيرة

باتت اليوم معظم المنازل والمدن تعتمد على إضاءة مصابيح “ليد” التي تستهلك كهرباء أقل بنسبة 80 في المئة. وبينما تبدو تلك الأضواء جذّابة وتروق للناظرين، والأهم من هذا كله أنها موفرة للطاقة، إلا أن الرسالة التي ينقلها العلماء لا تبشر بالخير.

وكشفت بعض الأبحاث التي أجريت في هذا الصدد أن سكان العالم قد أصبحوا يعيشون تحت خطر السماء الملوثة ضوئيا. ويرى الباحثون أن الليالي، التي لا تكون أكثر قتامة من الشفق، يمكن أن تؤثر على العمليات الفسيولوجية التي تحدث أثناء المساء وعلى سلامة الإيقاع اليومي للناس، بالإضافة إلى إمكانية تسببها في بعض الأمراض الخطيرة مثل الأورام السرطانية والاضطرابات المزاجية، كما تؤثر على الكائنات والحيوانات الليلية.

لقد عبّر فابيو فالكي مدرس الفيزياء بمدينة تييني الإيطالية، عن مخاوفه من خطر التلوث الضوئي المتزايد منذ تسعينات القرن العشرين قائلا “في السابق لم يكن التلوث الضوئي يمثل مشكلة سوى للفلكيين فحسب، وتطورت الحياة على كوكب الأرض على أساس تعاقب الليل والنهار، كل منهما يسيطر على الكوكب لنصف الوقت، لكننا الآن أصبحنا نغلف كوكبنا بغيمة مبهرة من الضوء، لقد أصبح التلوث الضوئي مشكلة بيئية حقيقية على المستوى العالمي”.

سكان العالم أصبحوا يعيشون تحت خطر السماء الملوثة ضوئيا
سكان العالم أصبحوا يعيشون تحت خطر السماء الملوثة ضوئيا

وأضاف “إن رؤية السماء وهي مرصعة بالنجوم مشهد يلامس الروح في روعته، وتبدو الجوانب المختلفة من الحضارة البشرية -من فلسفة وعلم ودين وفن وأدب، إلخ.- متأثرة إلى أبعد الحدود بنظرتنا إلى السماء ورؤيتنا لها، لكننا الآن سنفقد هذه الميزة، ولا نستطيع تقدير العواقب المحتملة لمثل هذا الأمر. فما الذي سيحدث عندما نفقد مصدر إلهامنا المتمثل في تأمل روعة السماء ليلا!؟”.

وكشفت إحدى الدراسات التي أجريت على الكرة الأرضية ليلا، واعتمدت على بيانات لقياس الإشعاع من قمر اصطناعي تابع لوكالة ناسا الأميركية، وهو مصمم خصيصا لقياس ضوء الليل، عن ازدياد سطوع الأضواء الاصطناعية المنبعثة من المدن بشكل متزايد واتساعها على نطاق أكبر في أرجاء الأرض.

وأشارت الدراسة إلى زيادة نسبة المساحات المفتوحة على سطح الكوكب التي تضاء اصطناعيا بـ2 في المئة سنويا، في الفترة بين عامي 2012 و2016. وأوضحت خارطة الإضاءة أن 83 في المئة من سكان العالم، و99 في المئة من سكان أوروبا والولايات المتحدة، يعيشون تحت سماء أكثر إشراقا بنسبة 10 في المئة من حالة الإنارة الطبيعة تحت سماء مرصعة بالنجوم. ويتخوف العلماء من “اختفاء الليل” في العديد من البلدان، مما ستكون له عواقب سلبية على “النباتات والحيوانات وسلامة البشر”.

ويمكن أن يشكّل التلوّث الضوئي تهديدا لحوالي 30 في المئة من الكائنات الفقريّة وأكثر من 60 في المئة من المخلوقات اللافقرية التي تنشط ليلا، من بينها نباتات وكائنات مجهرية.

التلوث الضوئي يهدد الحيوانات

ازدياد سطوع الأضواء الاصطناعية المنبعثة من المدن بشكل متزايد واتساعها على نطاق أكبر في أرجاء الأرض
ازدياد سطوع الأضواء الاصطناعية المنبعثة من المدن بشكل متزايد واتساعها على نطاق أكبر في أرجاء الأرض

استشهد الخبراء بافتقاد إشارات الملاحة الليلية المهمة والتغيرات التي تطرأ على العلاقات بين الكائنات المفترسة وفرائسها ويعتقدون أن التلوث الضوئي قد يؤثر أيضا على السلوك التناسلي للكائنات، وحتى صحة البشر.

ومن الحيوانات التي يمكن أن تتأثر بشكل مباشر بالتلوث الضوئي نذكر على سبيل المثال السلاحف البحرية والطيور المهاجرة، فالسلاحف تضع بيضها على الشواطئ، وعندما يفقس البيض، تستخدم السلاحف الصغيرة ضوء القمر في الليل للتوجه نحو المحيط، ويمكن للضوء الاصطناعي الساطع أن يخدعها ويتم توجيه الملايين منها بعيدا عن المحيط، ما يتسبب بشكل مأساوي في هلاكها، أما الطيور المهاجرة فقد تتعرض لمشكلة مماثلة، فهي تستند لضوء القمر والنجوم كوسيلة للملاحة، ويمكن للأضواء الاصطناعية أن تحدث لها اضطرابا في توقيت الهجرة.

وتشير المعطيات إلى أن الإضاءة الاصطناعية تمر بمرحلة من التغير السريع، ولاسيما الإضاءة الخاصة بشبكة الطرق الممهدة التي يبلغ طولها الإجمالي على مستوى العالم نحو 18 مليون كيلومتر. وحذر كريستوفر كيبا، الباحث الألماني إلى مشكلة التلوث الضوئي المتنامية منذ عقود، مشددا على أن ظهور مصابيح “ليد” قد أدى إلى زيادة كمية الضوء القادمة من المدن بمقدار كبير.

ويعود اختراع أولى مصابيح “ليد” إلى ثلاثة علماء من اليابان والولايات المتحدة، وهم إيسامو أكاساكي وهيروشي أمانو من اليابان، وشوجي ناكامورا من الولايات المتحدة الأميركية، وقد تم تتويجهم بجائزة نوبل للفيزياء في عام 2014، لاختراعهم صمامات ثنائية باعثة للضوء الأزرق في بداية التسعينات من القرن الماضي.

وقد مهدت تلك الخطوة الطريق أمام الضوء الأبيض الساطع، فمن خلال الجمع بين الضوء الأزرق بأضواء “ليد” حمراء وخضراء تم إنتاج جيل جديد من المصابيح المقتصدة للطاقة البيضاء الساطعة.

وقد بدأ الاتحاد الأوروبي منذ عام 2009 الحظر على إنتاج واستيراد المصابيح البراقة ساطعة الضوء والمصابيح ذات 100 وات المستخدمة منذ القرن التاسع عشر. ويعد الحظر واحدا من سلسلة إجراءات اتخذها الاتحاد الأوروبي للاقتصاد في الطاقة ومواجهة التغير المناخي.

وعلى الرغم من كفاءة مصابيح “ليد” في توفير الطاقة، إلا أن كيبا يشير في دراسته التي نشرت نتائجها في مجلة “ساينس أدفانسز”، إلى أن كمية الضوء الاصطناعي القادمة من سطح الأرض ليلا قد زادت في كمية الإشعاع مدفوعة بالتبني السريع لمصابيح “ليد”.

تأثيرات نفسية

يتخوف العلماء من "اختفاء الليل" في العديد من البلدان، مما ستكون له عواقب سلبية على "النباتات والحيوانات وسلامة البشر" بسبب الاستعمال المفرط للمصابيح الموفرة للطاقة "ليد"
يتخوف العلماء من "اختفاء الليل" في العديد من البلدان، مما ستكون له عواقب سلبية على "النباتات والحيوانات وسلامة البشر" بسبب الاستعمال المفرط للمصابيح الموفرة للطاقة "ليد"

أكد كيبا على أن إضاءة الشوارع بشكل جيد وليس ساطعا مهمة للغاية للتنمية والسلامة، مشددا في الوقت نفسه على ضرورة تحسين التكنولوجيا المستخدمة في هذا الأمر من أجل الحد من التلوث الضوئي، وخفض كمية الضوء المهدر الذي تنبعث منه المصابيح.

وفي العام الماضي أصدرت “الدورية العالمية للطب النفسي البيولوجي” بحثا لفريق يضم أطباء نفسيين بارزين يحذر من الآثار المحتملة للضوء الأزرق الذي يصدر عن تلك الأجهزة على الصحة النفسية للبشر.

ورفع ذلك البحث من المخاوف بشأن ما قد يحدثه الضوء الأزرق من تأثيرات على البشر خلال النوم، وما يمكن أن يصاحب ذلك من أعراض على حياتهم اليومية.

وعبر جون غوتليب، الأستاذ المساعد في الطب النفسي والعلوم السلوكية بكلية فينبيرغ للطب في شيكاغو، وأحد المشاركين في البحث عن قلقه بشأن تأثير الضوء الأزرق لمصابيح “ليد” الذي ينبع من قلق أكبر بشأن العلاقة بين التعرض لذلك الضوء وحدوث أعراض هوس مرضي لدى المصابين بالاضطراب النفسي الذي يُعرف باسم “الاضطراب ثنائي القطب”.

الليالي التي لا تكون أكثر قتامة من الشفق، يمكن أن تؤثر على العمليات الفسيولوجية التي تحدث أثناء المساء وعلى سلامة الإيقاع اليومي للناس، بالإضافة إلى إمكانية تسببها في بعض الأمراض الخطيرة مثل الأورام والاضطرابات المزاجية

وقال غوتليب “لقد رأيت بالفعل أن التعرض للضوء التكميلي، الذي يُقدم في صورة علاج للضوء الساطع، كان مفيدا جدا بالنسبة للمرضى الذين يعانون من الاكتئاب. لكن الشيء الذي بدأت أدركه مؤخرا وببطء، هو أن التعرض للضوء بصورة مفرطة، وفي توقيتات خاطئة، يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية لدى من يعانون من الهوس المرضي، وأن ذلك يؤثر على دورة النوم والاستيقاظ”.

وأشارت صحيفة “لوباريزيان” إلى ظاهرة التلوث الضوئي المتنامية في ظل انتشار استخدام مصابيح “ليد” لأسباب اقتصادية، واستغربت عدم إخضاع التقنية لدراسة معمقة رغم وقعها السلبي الواضح.

وربما آن الأوان لإعادة النظر في أنظمة إنارة الشوارع، لأن سلامة البشر والكائنات الحية لا يمكن أن توضع في كفة واحدة مقابل هدف ترشيد استهلاك الطاقة.

ولكن توفير الطاقة مع الحد من التلوث الضوئي، ليس أمرا مستحيلا، طالما أن عائدات الطاقة التي يتم توفيرها لا تنفق على إضافة المزيد من مصابيح “ليد” بهدف جعل البيوت والمدن أكثر إنارة.

Thumbnail
12