مصادرات

توطئة لتحليل ظاهرة غير سوية باتت متكررة في السياق الأكاديمي العربي الراهن على نحو مزر، وهي مصادرة موضوعات وحقول معرفية لحساب أسماء بذاتها.
الأربعاء 2018/04/25
أسماء تتحول إلى حواجز ذهنية

حين يُفني الباحث حياته في دراسة موضوع ما قد يتملّكه بمعنى ما ويصير جزءا من هوّيته، كما أن صيته وتداوله المعرفي قد يلتصقان باسمه تحديدا، فليس بإمكان أغلب الباحثين الجدد اليوم في العلوم الاجتماعية فصل موضوع “الاستشراق” عن إدوارد سعيد، ولا موضوع “تاريخ المغرب” عن عبدالله العروي، مثلما سيعسر عليهم فصل مفهوم “اللاوعي” عن اجتهادات سيغموند فرويد و”الصراع الطبقي” عن كشوفات كارل ماركس.

لكن ما لا يمكن إدراكه هو أن تنتهي تلك الحقول إلى وضع مغلق تلتبس فيه المحصّلات المعرفية مع روادها، وتتماهى فيه النتائج مع هويات صانعيها، مهما ارتفعت قيمتهم العلمية وعظم رصيدهم البحثي. فمقاصد الاجتهاد هي مراكمة النتائج، وتطوير العلوم والمناهج والنظريات، بصرف النظر عن نسبة إسهام كل فرد فيها، لهذا اقترنت العديد من المنجزات الفكرية والنقدية والفنية الحديثة في الغرب بالعمل الجماعي الذي تتراجع في نطاقه حظوة الأفراد، وينحسر نهمهم إلى الشهرة والتحقق الذاتيين، لحساب انتشار الأطروحة الجماعية، على هذا المنوال نشأت جماعة الشكلانيين الروس وحلقة براغ ومدرسة فرانكفورت وغيرها من الجماعات والحلقات التي تراجعت فيها الطموحات الفردية أمام المشروع الفكري الجماعي.

أورد هذه التوطئة لتحليل ظاهرة غير سوية باتت متكررة في السياق الأكاديمي العربي الراهن على نحو مزر، وهي مصادرة موضوعات وحقول معرفية لحساب أسماء بذاتها، فيضع الباحث في موضوعات من قبيل “الجسد” و”العلامة”  و”الأندلس” و”الصورة” و”الجنس” و”الآخر”.. على سبيل المثال، أسماء محددة تتحول إلى حواجز ذهنية أمام استقطاب باحثين جدد إلى مداراتها الإشكالية، وتحول التخصصات إلى ملكيات فردية، لا يحق لأي كان الاقتراب منها، ومن تسوّل له نفسه فعل ذلك يتعرض لاتهام مباشر بالسطو على مجهودات صاحب الملكية الأول. ففي غضون الأيام القليلة الماضية اتهم سوسيولوجي مغربي شهير يشتغل على موضوع الجنسانية إحدى الباحثات من الجيل الجديد بالسطو على نظريته عن الانتقال الجنسي للمغاربة، بيد أن اتهامه هذا جاء في سياق ندوة مشتركة بينهما، ولم يتخذ شكل مقال علمي، يوضح بشواهد مضبوطة حدود الجرم، مما أنتج مصادرة وضعت الجمهور الذي لم يطلع على الأطروحتين أمام حكم جاهز، ليس ثمة دليل على صدقه، وسرعان ما تحول إلى حدث للاستهلاك الإعلامي، مع ما يتصل بهذا الحقل من اختزال وتكييف للوقائع لا علاقة لهما بالسلوك المعرفي النزيه.

لست هنا في وارد تبرير سلوك معرفي جاحد، بقدر ما أسعى للنظر إلى الوضع من أفق يفصل بين المعرفة والاجتهاد الشخصي، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتحول العبقرية والإنجاز إلى ذرائع لوضع الأسيجة حول المعارف.

15
مقالات ذات صلة