مصادر الانحطاط والتمييز ضد المرأة

السبت 2015/10/24

يرجع الأعمّ الأغلب من الكتّاب والمفكّرين وعلماء الاجتماع والباحثين المختصّين وأصحاب الرأي مسألتي تردّي الأخلاق وانحطاط القيم الإنسانية المفضيين إلى احتقار المرأة، والتّمييز ضدّها عبر وضعها في مكانة أدنى كثيرا من مكانة الرجل، إلى توالي وجود الأنظمة المجتمعية الذكورية المغلقة وتعاقب الحكومات الاستبدادية.

وفي هذا السياق، كان المفكر المصري المستنير، قاسم أمين، قد رأى في كتابه “تحرير المرأة” مثلا، أنّ الاستبداد إذا غلب على أمّة فإن أثره في الأنفس لا يقتصر على الحاكم الأعلى المستبدّ فحسب، وإنما يتصل منه بمن حوله، وينفث روحه في كلّ قويّ بالنسبة إلى كلّ ضعيف متى مكّنته القوة من التحكم، ولذا “كان من أثر هذه الحكومات الاستبدادية أنّ الرجل في قوته أخذ يحتقر المرأة في ضعفها”، ويميّز ضدّها، ويخصّ نفسه بكل حقّ، ويحرمها من كلّ حق، فـ”له الحرية ولها الرّق، له العلم ولها الجهل، له العقل ولها البله، له الضياء ولها الظلمة والسجن، له الأمر والنّهي ولها الطاعة والصبر، له كل شيء في الوجود وهي بعض ذلك الكلّ الذي استولى عليه”.

لقد واصل الرّجل، وجميع السّلطات الاجتماعية والسياسية القمعيّة المستبدة، ممارسة التمييز ضدّ المرأة على امتداد القرون. ولم تكن أشكال الاستبداد والاستعباد والتفرقة وتقييد الحرية التي يشير إليها المقتبس السابق عن قاسم أمين إلا تجسيدا واقعيا لما تفاقم على امتداد القرون، فأسّس لما ورد في المادة الأولى من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة بشأن تعريف التمييز، فهي تعتبر أيّ مفاضلة أو تفرقة أو استعباد أو تقييد يتمّ على أساس الجنس، تمييزا ضدّ المرأة ينال من الإقرار بحقوقها وحرياتها المساوية لحقوق الرجل وحرياته في جميع المجالات والميادين، ويحول دون تمتعها بهذه الحقوق والحريات ويحرمها من ممارستها بحرية.

غير أنّ المفارقة المهمة التي لا تزال تمارس حضورها في الأعمّ الأغلب من المجتمعات العربية إنما تكمن، هنا، في أن قاسم أمين، ولأسباب موضوعية ثقافية ودينية وتاريخية، لم يكن مؤهلا لأن يفكّر في أن يقرّ للمرأة -على نحو ما ستفعل الاتفاقية المشار إليها، بعد ثمانين عاما تقريبا من إطلاق رأيه ذاك- بجميع هذه الحقوق الإنسانية، وفي كل وضعية مجتمعية وحال، وبغضّ النّظر عن نسبتها إلى رجل أو ارتباطها برجل.

أما المفكر التونسي الطّاهر الحدّاد، خريج الزّيتونة، المستنير أيضا، وذو المرجعية المؤسّسة على الشريعة الإسلامية، فقد تفادى في كتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع″ الاقتراب من تحليل مفهوم التّمييز، ولكنه استند ضمنيا إلى مفهوم يلتقي نسبيا مع المفهوم الذي تبنّاه قاسم أمين ويتجاوزه، إذ يتعمّق في تقصّي الأسباب المجتمعية والاقتصادية والثّقافية والسّياسية الجذرية لنشوء التمييز ضدّ المرأة وتواصله عبر الأزمنة، فهو يبرئ الإسلام -كعقيدة دينية- من أيّ تمييز قائم على أساس جنسوي، ويرجع التمييز ضدّ المرأة، وتهميشها وإنقاص مكانتها أو الخفض من مرتبتها، إلى توالي أزمنة الانحطاط الناجم عن مسببات وعوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، وعن إهمال نصوص القرآن، أو تأويل الآيات القرآنية بما يطابق الأهواء، أو بما يستجيب لسطوة “هيبة الماضي” الماثلة في الأذهان، والمفضية إلى جنوح “عامة الفقهاء في سائر القرون، إلاّ ما شذّ، إلى العمل بأقوال من تقدّمهم في العصر ولو بمئات السّنين”، وميلهم في “أخذ الأحكام إلى تفهم ألفاظ النصوص وما تحتمل من معنى أكثر بكثير مما يميلون إلى معرفة أوجه انطباق تلك النصوص على حاجات العصر، وما تقتضيه مصلحة المجتمع الحاضر الذي يعيشون فيه”.

وإذ يخلص الطاهر الحداد، تأسيسا على ما يورده من إشارات ومعالجات تتصل بمسألة التمييز ضدّ المرأة، ومواقف عامة الفقهاء وتصوّراتهم، إلى أنّ هذه المواقف والتصورات الزائغة عن الصّراحة في الحق، قد أفضت إلى جمود الفقه والقضاء في الإسلام عبر إغلاق أبواب الاجتهاد، بحيث أصبح الإسلام غريبا مجهولا بين المسلمين، فإنّه يؤكّد، كما نفهم من جملة خلاصاته، أنّ أمة الإسلام، كمثل أي أمّة من أمم الأرض، لا تتخلّف ولا تهلك إلا “بجهلها، وجمود علمائها”!

ناقد أدبي وكاتب من فلسطين

16