مصادر لكتابة عمود أسبوعي

الخميس 2016/07/14

قرأت لكاتب عراقي يستنجد بالأصدقاء لإسعافه بفكرة عمود صحافي لأنه لم يجد الفكرة المناسبة لعموده الأسبوعي الذي لم يتخلف عن الكتابة فيه كلما وجد مناسبة ثقافية أو سياسية أو وطنية، ومثل هذا الاستنجاد الظريف يشي بعجز مؤقت عن الاستجابة لموارد الكتابة كما يراه الكثيرون، وهو ربما يواجه فيضا من الأفكار لا يستجيب أي أحد منها للكتابة “القسرية” لإملاء عمود أسبوعي بكلمات محدودة وفكرة واضحة.

لهذا وجدت هذا الاستنجاد بظرافته ممكنا في ظرف عراقي تتداخل فيه الأفكار وتنشطر وتفرّخ أفكارا وهذه تلد أفكارا من زوايا متعددة لكنها تنشطر، وهكذا تكون الانشطارات أفكارا ناقصة غير ملائمة للكتابة تقريبا.

وفي سعيي الشخصي إلى هذا الصديق استعرضت له أفكارا مختلفة لعلها تشعل فيه جذوة الكتابة، فمن الحال الثقافية التي شهدت صدور 950 رواية خلال ثلاث عشرة سنة وهو عدد لم ينتجه حتى كتاب المريخ، لكننا نقول إنها حالة صحية وأمرنا لله، وصولا إلى شارع المتنبي الذي يعد بديلا ناجحا عن اتحاد الأدباء ووزارة الثقافة الميتة، بتعدد فعالياته الأدبية ومراكزه الثقافية التي تشهد ندوات أسبوعية لافتة للأنظار وجمهورا نوعيا غادر الصالات الرسمية وغير الرسمية والتجأ إلى هذا الشارع الحيوي بعرضه لآخر مستجدات الكتاب العراقي والعربي والعالمي، وشيوع اقتناء الكتاب حتى بتوفر مصادر إلكترونية بديلة ومنافذ قراءة متعددة.

أن تكتب عمودا أسبوعيا عن العراق لهو أسهل ما يمكن أن تكتبه نظرا إلى تعددية مصادره ثقافيا وسياسيا ووطنيا، فإذا كان موضوع داعش قد استنفد الكتابات على نحو ما وشاعت فيه لغة الطائفية بين الأحزاب المتحاربة على حساب الأبرياء، فإن تحرير الفلوجة والبقايا المحيطة بتكريت وصولا إلى تحرير الموصل القريب لا تُستنفَد معه الكتابة إلى أجلٍ بعيد، لكن بفرضية عدم التكرار في هكذا موضوع لكاتب يريد التنويع الأسبوعي لقارئه، فإن في العراق “بلاوى” كثيرة لا يمكن لأي كاتب أن لا يجد التقاطاته السريعة على المستويات كلها.

ففي العراق “ثقافات” كثيرة جاء بها الاحتلال الأميركي وكرّسها عنوة لتمزيق تاريخ هذا البلد وحضارته وحاضره ومستقبله، ويمكن لأي متابع أن يراها بالعين المجردة بلا عناءات كبيرة.

وعلى سبيل المثال هناك في العراق من يقود البلاد إلى الهاوية، وهناك من يجعل الثقافة وسيلة من وسائل تلك الهاوية في نفقها المظلم الطويل بشعارات صفراء، وهناك من يلبس السروال العريض وتحته قصائد مشحونة بالكراهية بانتظار السقوط الوطني العام.

وغيرهم في الوطن أفندية معطرون بالشانيل المستورد، ومنهم من يلبس الدشاديش القصيرة والطويلة وفريق آخر يرتدي بنطلونات جينز وهم السياسيون من مزدوجي الجنسيات.

وفي البلاد كوفيات بيضاء وخضراء مخططة بحسب الطلب، وبدلات سموكين تليق بفنادق دبي ولندن وعمّان، وموديلات كثيرة تُنسَب إلى ما بعد الحداثة السياسية في محال الخياطة العالمية.

وفي العراق لحى طويلة وأخرى قصيرة وغيرها متوسطة سهلة النزع عند الحاجة الطائفية الماسّة، كأنها باروكات تستعمل عند الضرورة.

وفي العراق شوارب متنوعة ومختلفة؛ فهناك شوارب غليظة تشبه شوارب الرفاق القدامى، وأخرى كالبصمة مربعة تشبه شوارب هتلر، مثلما هناك شوارب دسمة وأخرى رفيعة مناورة أو معقوفة للتضليل أو نازلة للتمويه أو صاعدة مثل شارب سلفادور دالي.

لكن شارب سلفادور دالي ملأ العالم بالجمال في صعوده التاريخي إلى الأعلى.

غير هذا الإلمام السريع أقول لصديقي الكاتب الذي عجز عن كتابة عموده الأسبوعي لصحيفته: ستجد في العراق كل شيء صالحا للكتابة مثلما تجد فيه كل شيء صالحا للألم.. فقط اغمض عينيك.. واكتب..!

كاتب من العراق

14