مصادفة روائية أم سرقة أدبية

هل من المصادفات الروائية تقاطع كونيتي مع مواطنه الراحل تابوكي أم أنّ الأمر يتجاوز المصادفة وقد يتدخل في إطار آخر؟
الاثنين 2019/03/11
تناصّ يتجاوز إلى ما يمكن توصيفه بالتلاصّ (لوحة سعد يكن)

يصادف القارئ أحيانا روايات يقوم أصحابها بتوظيف أفكار أو أساليب روائيين سابقين أو معاصرين لهم فيها، بحيث ترسم تلك الأفكار المستلهمة أو الأساليب المعتمدة مسارات التحرّك في بناء العمل الروائي وهندسته الفنية، وقد يخفي بعضهم آثاره ببراعة لصّ محترف، يغطي على الأصل ويذيبه في بحر عمله من دون أن يفسح أيّ مجال مفترض للكشف عنه.

وقد يعجب القارئ بعمل ما أيّما إعجاب، وحين يكتشف الحيلة الفنية التي لجأ إليها صاحب العمل بتوظيف عمل آخرين أو أفكارهم المبتكرة فيه من دون أيّ إشارة أو إحالة أو تنويه، فإنّ إعجابه قد يخفت وقد يتحوّل إلى نقيض، إن لم يكن إلى ازدراء كذلك.

ولكن هل يمكن إخفاء الآثار إلى آجال طويلة؟ وأين جانب الأصالة والابتكار والإبداع والخلق في العمل الأدبيّ؟

نسج الإيطالي أنطونيو تابوكي (1943 – 2012) روايته الأخيرة “إيزابيل” على منوال الدوائر المتقاطعة في ما بينها، كل دائرة تمثل فصلا يستقل بذاته ويتكامل مع الفصول الأخرى في رسم لوحة البحث عن إيزابيل في عالم من الروحانيات والأساطير والإشارات، ومع الوصول إلى الدائرة التاسعة المتجسدة في محطة الرفييرا في نابولي، حيث يكون اللقاء الرمزي المؤسطر بدوره، وتكون العودة، ويكون الوداع النهائي.

من لشبونة إلى جبال الألب وصولا إلى نابولي، يكون بطله الراوي تاديوس دائرا في فلك الحيرة والضياع، غير قادر على الإمساك بخيط واقعي يقوده إليها، يرتكن للروحانيات ويمضي خلف خطوطها وإشاراتها اللامرئية.

استعار تابوكي فكرة الماندالا التي تعني “دائرة” باللغة السنسكريتية، ويقصد بها رمزا روحيا أو دينيا، بوذيا أو هندوسيا، يمثل الكون وطريقة للوصول إلى الحقيقة، وتعتبر الماندالا أيضا دليلا روحيا يساعد على امتلاك الإنسان حيزا مقدسا ومكانا مناسبا للتأمل. ويشار إلى أن الماندالا تكون غالبا أيقونة على شكل هندسي مربع له أربعة أبواب في داخلها دائرة ونقطة مركزية.

وعلى منواله هندس الإيطالي باولو كونيتي روايته “الجبال الثمانية” على فكرة الماندالا نفسها التي بنى عليها تابوكي روايته إيزابيل نفسها، ويتقاطع معه بنوع من التناصّ الذي قد يتجاوز إلى ما يمكن توصيفه بالتلاصّ.

يكشف كونيتي عبر بطله بيترو عن سر الجبال الثمانية وما ترمز إليه، وذلك بعد أن يلتقي شيخا آسيويا من نيبال، يحكي له عن الجبال الثمانية. يقول لبيترو بأنه يطوف حولها. يرسم له دائرة في الرمال، ثم بداخل الدائرة يرسم قطرها، ثم قطرا آخر عموديا على الأول، ثم ثالثا ورابعا من خلال النقطة المركزية، وبالتالي رسم عجلة ذات ثمانية أشعة. وذكر له أن التصميم في ثقافة الماندالا. أنهم يقولون في ثقافتهم بأنه في مركز العالم يوجد جبل شاهق الارتفاع، يسمى السوميرو، وحول السوميرو توجد ثمانية جبال وثمانية بحار، ويؤكد له أن هذا هو العالم بالنسبة إليهم.

ويسأل الشيخ سؤالا لا ينتظر إجابة عنه من بيترو، وهو: هل يتعلم أكثر من دار حول الجبال الثمانية أم من وصل إلى قمة سوميرو؟ وهذا السؤال يعكس وجهي حياتين مختلفتين، حياة بيترو الذي صال وجال وعاد بعدها إلى قريته وصديقه برونو، وحياة برونو الذي ظل في القرية وكأنه جزء من وجودها نفسه، لا يمكن أن يبارحها، ويقضي عمره في أرجائها. وفي الحالين كلاهما يكتسب خبرة وحكمة ومعرفة بالوجود وبالنفس البشرية من خلال تجربتهما المختلفة التي تمضي في مسار تصاعدي واحد نحو الغد، بعد حيرة الوجود وتخبط في رحلة الحياة للوصول إلى الحقيقة المفترضة.

هل من المصادفات الروائية تقاطع كونيتي مع مواطنه الراحل تابوكي أم أنّ الأمر يتجاوز المصادفة وقد يتدخل في إطار آخر؟

15