مصادفة غريبة ربطت قدر ستيفن هوكنغ بغاليليو غاليلي

كتاب يمثّلُ ستيفن هوكنغ "موجز تاريخ حياتي" مادّة إشكالية لطالما عانى منها القرّاء الشغوفون بالسير الذاتية لعلماء مشهودٍ لهم بالتميّز والفرادة في حقل معرفيّ علميّ محدّد.
السبت 2018/11/17
لا شيء أثناه عن البحث في الكون والإنسان

نشأت معرفتي الأولى بالفيزيائي الراحل ستيفن هوكنغ عندما سمعت بعبارة “نظرية كل شيء”، تلك العبارة المدهشة التي تستبطن سحرا بقدر ما تبعث على الدهشة، وعرفت بعد شيء من البحث والتنقيب أن هذه النظرية هي بمثابة “حجر الفلاسفة” لدى الفيزيائيين المعاصرين؛ فهي تمثل تتويجا لرؤيتهم الملحمية وجهدهم الأسطوري في محاولة بلوغ نظرية توحّد كل القوى الأساسية المعروفة في الطبيعة (وهي أربع قوى بحسب المتعارف عليه في أوساط الفيزيائيين)، وعند متابعتي للجهود العلمية المبذولة لتحقيق مسعى توحيد القوى عرفت أنّ هوكنغ هو واحد من الفيزيائيين الأساسيين المساهمين في جهد بلوغ “نظرية كل شيء”.

 

ستيفن هوكنغ اسم سيبقى عالقا في ذاكرة البشرية، ليس فقط لأنه عالم فيزيائي فذ وباحث دؤوب لتأسيس نظرية كل شيء، ولا فقط لأنه أنجز بحوثه الكبيرة فيما هو على كرسي متحرك بجسد ضامر لا يقوى لا على حركة أو كلام، وإنما لأنه كان من القلائل من العلماء الذين خاضوا بجرأة في مواضيع فلسفية في غاية التعقيد. وهو ما نلاحظه في سيرته الذاتية الفريدة.

الفلسفة والعلم

 ظهر كتاب هوكنغ المعنون بـ”موجز تاريخ الزمان: من الانفجار العظيم إلى الثقوب السوداء” مترجما في بداية عقد التسعينات من القرن الماضي، وكان هذا الكتاب باكورة أعمال هوكنغ في ميدان الكتابة العلمية التي تخاطب أوسع حلقات العامة من الناس بقصد إشاعة الروح العلمية وتقريبها إليهم وبث روح الحماسة والشغف بها، ومن جانبي فقد قرأت الكتاب بكل شغف فور صدور ترجمته وأعدت قراءته مرات عدة لاحقا.

 لم تقتصر مفاعيل التأثير الثقافي لهوكنغ على ميدان الفيزياء والكوسمولوجيا (علم الكون) بل تعدّتها إلى الميدان الفلسفي والأسئلة الوجودية الخاصة بالكينونة البشرية؛ فقد أعلن هوكنغ موت الفلسفة وسيادة العلم، كما حذّر من قرب بلوغ المرحلة التفردية في علاقتنا مع الروبوتات حيث سيكون لها و”لمنظومات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات المتصلة بها” السطوة العلوية في كلّ الشؤون الإنسانية.

سيرة استثنائية

يضم كتاب هوكنغ “موجز تاريخ حياتي” ثلاثة عشر فصلا تمثل توصيفا تتابعيا زمنيا لحياة هوكنغ، ويمكن للقارئ إدراك هذه الحقيقة من خلال معاينة عناوين هذه الفصول: الطفولة، سانت ألبانز، أكسفورد، كامبردج، الموجات الثقالية، الانفجار العظيم، الثقوب السوداء، كالتك (معهد كاليفورنيا التقني)، الزواج، موجز تاريخ الزمان، السفر عبر الزمان، الزمان الخيالي، ليس ثمة تخوم. كما يحتوي الكتاب أيضا على عدد كبير من الصور التي تمثل وقائع مفصلية مهمة في حياة هوكنغ.

 يمثّلُ هذا الكتاب ونظائره مادّة إشكالية لطالما عانى منها القرّاء الشغوفون بالسير الذاتية لعلماء مشهودٍ لهم بالتميّز والفرادة في حقل معرفيّ علميّ محدّد، ومن المؤكّد أنْ ينتبه ناشرو مثل هذه السير الذاتية إلى حجم الجرعة العلمية التقنية التي تحتويها هذه السير؛ لذا هم يعملون في العادة على ضغط هذه الجرعة إلى الحدّ الأدنى الممكن؛ غير أنّ تحجيم المادة العلمية مع حياة عالمٍ بمثل هوكنغ تبدو عملية مستحيلة من الناحية الإجرائية، وذلك لأنّ الإعاقة الجسدية التي عاناها الرجل جعلت حياته تخلو من التقلّبات المشهدية الدرامية الكثيرة التي يعانيها سواه من جهة، وكذلك جعلت تلك الإعاقة من الأفكار العلمية لصيقة بحياة هوكنغ بطريقة وثيقة صارت معه جزءا لا يمكن فصمه عن سيرته الذاتية.

دراسة السير الذاتية لبعض العلماء الأفذاذ والتفكّر فيها لا يخلوان من دروس تربوية وثقافية تصلح لأن تكون بوصلة لنا
دراسة السير الذاتية لبعض العلماء الأفذاذ والتفكّر فيها لا يخلوان من دروس تربوية وثقافية تصلح لأن تكون بوصلة لنا

 نقرأ في الفصل الأول من السيرة الذاتية لهوكنغ الملحوظة التالية التي لا تخلو من المصادفة الغريبة التي ربطت أقدار هوكنغ بغاليليو من حيث الشغف بالفيزياء والأكوان يقول “وُلِدتُ في الثامن من شهر يناير 1942، بعد ثلاثمئة سنة بالضبط من وفاة غاليليو، وأخمّن أن مئتي ألفٍ من الأطفال قد ولدوا معي في اليوم ذاته لكني لا أعلم فيما لو أنّ أيا منهم قد وجد نفسه راغبا في دراسة علم الفلك في الأطوار اللاحقة من حياته”.

 لا تخلو دراسة السير الذاتية لبعض العلماء الأفذاذ والتفكّر العميق فيها من دروس تربوية وثقافية تصلح لأن تكون بوصلة تعيننا في حياتنا الحاضرة، ومن أمثلة هذه الدروس تلك المعضلة المزمنة بين الشغف الذاتي والتوجهات المهنية المستقبلية، وفي هذا الشأن نقرأ هذه الملاحظات في الفصل الثالث من السيرة الذاتية لهوكنغ: تملّكتني منذ صغري رغبة لا تُقاوم في معرفة كيفية عمل الأشياء، وقد اعتدت على تفكيك هذه الأشياء لمعرفة كيفية عملها ولكني كنت على الدوام غير كفءٍ في إعادة تجميع أجزاء تلك الأشياء وإعادتها إلى سابق عهدها. لم تكن قدراتي العملية لترقى أبدا إلى مستوى تنقيباتي النظرية، وقد شجّع أبي ولعي في العلم وأعلى من شأنه كثيرا بل إنه غالبا ما كان يقودني في إتمام واجباتي الرياضياتية حتّى بلغتُ مرحلة باتت معها دروس الرياضيات أبعد من حدود معرفته.

 يفردُ هوكنغ فصلا من سيرته الذاتية للحديث عن كتابه “موجز تاريخ الزمان” الذي غدا ظاهرة في عالم النشر وحقق مبيعات واسعة غير مسبوقة.

 يمثل العلم بالنسبة إلى هوكنغ (شأن غالبية العلماء) الاستثمار الأهم الذي ينبغي أن تتوجه إليه عقول البشر (اليافعين والشباب بخاصة)، ويكتب في هذا الصدد في سيرته العبارات المهمة التالية: أرى أنّ من الأمور عظيمة الأهمية أن يمتلك الناس فهما أساسيا للعلم لكي يحوزوا القدرة على اتخاذ قرارات مبنية على معطيات جوهرية في عالمنا الذي بات معتمدا على الإنجازات العلمية والتقنية.

 يقدّم لنا هوكنغ في الفصل الأخير المعنون بـ”ليس ثمة حدود” من سيرته الموجزة خلاصة رائعة مشحونة بدفق درامي لما ينبغي أن تكون عليه حياة الكائن البشري حتى وإن اكتنفتها بعض المعوّقات أو المشقات، وبعد أن يورد بعض الشواهد الجميلة بشأن رؤيته للحياة التي تستحقّ أن يعيشها المرء بكلّ نشواتها وإحباطاتها يأتي على هذه الخلاصة الرائعة لحياته، يقول “إنه لأمر مجيد حقا أن أبقى حيا وأواظب على البحث في ميدان الفيزياء النظرية كلّ هذا الوقت، وسيكون مبعث سعادة لا نظير لها في أعماقي إذا ما علمتُ أنّ عملي هذا ساهم في إضافة أي قدر (مهما كان ضئيلا) في فهمنا للكون”.

14