مصارعة التماسيح

السبت 2016/03/05

لا أتذكر جيدا اسم الكاتب الذي وصف تجربته بالقول “ليس هناك ما هو أصعب من الكتابة، إلا مصارعة التماسيح”! ولا أعرف أيضا، ما هو شعور شخص يقوم يوميا بتقديم عرض ترفيهي لزائري حديقة حيوان، يغامر فيه بحياته بوضع رأسه بين فكي تمساح لتسلية الجمهور، لكنه بالتأكيد يمتلك ما يكفيه من الجنون والفقر ليكسب عيشه بهذه الطريقة المرعبة.

بعض المهن، ربما تتجاوز في تأثيرها السلبي على الجهاز العصبي والنفسي تأثير الكتابة والتماسيح وقد تكون إحداها مهنة التعليم، هذه التي استحق بموجبها المعلّم لقب رسول على مسؤولية شاعر؛ فتوصيل الرسائل بكل أنواعها سواء أكانت سماوية أو أرضية يتطلب مشقة وصبرا كبيرين، فضلا عن أن المجال المغناطيسي والنفسي بين الطرفين، المُرسِل والمُرسَل إليه، إذا لم يعمل بصورة صحيحة فمن شأن الرسالة أن تضيع ويصيبها العطب فتصل ناقصة أو قد لا تصل.

دفعني الفضول إلى دخول هذا العالم الغريب كهاوية، أثناء ممارستي مهنة التدريس على مدى عامين متتاليين في إحدى المدارس العربية في لندن، فوجدتني على خلاف ما توقعت داخل بركة افتراضية لتماسيح من نوع آخر؛ تلاميذ بخلفيات ثقافية واجتماعية تناقض واقعها وجذورها بشكل لا يخلو من تعقيد، مناهج دراسية رثة مليئة بالأخطاء اللغوية والعلمية، كوادر إدارية وتدريسية لا يؤمن معظم أفرادها بالحوار والرأي الآخر، مدارس تشبه واجهة لنشرة أخبار عربية لا يسمح فيها للضيف، الضحية، بالكلام أو التعبير عن وجهة نظر عابرة لصالح الترويج لأفكار شخصية باهتة، والأمر قد لا يخلو من طاووس

(مؤنث أو مذكر)، يقضي ساعات النهار يتنقل بين قاعات الدرس، لاستعراض عضلاته الثقافية والانفعالية وعنجهيته الوطنية لإحداث المزيد من التشويه في محتوى الرسالة العلمية وإضفاء المزيد من الوجوم على ملامح التلاميذ، الذين تم حرمانهم من عطلة نهاية الأسبوع لإحضارهم قسرا لتلقي درس في الوطنية قد لا يكونون بحاجة إليه.

في هذه البركة العجيبة، قد تواجه بأسئلة غير متوقعة تطرحها تلميذة متجهمة تفترض أن من يقف قبالتها إله منزل من السماء يحمل مفاتيح وإجابات لجميع الأسئلة، وليس كائنا بسيطا دفعته صدفة غير موفقة إلى ساحة معركة من دون السماح له بحمل سلاح بسيط للدفاع عن نفسه.

التمساح، تلميذ متمرد لا يعترف بالقوانين ويقتطع جزءا من الدرس في الاستماع للموسيقى والاستخفاف بزملائه، ويطرح أسئلة متنمرة خارجة عن المنطق والأدب ليدك آخر معقل من معاقل الدرس، شرط أن يتاح الوقت (للضحية) للهروب بانسيابية من بركة التماسيح بشهادة حسن سير وسلوك بعد أن تبتلع لسانها وتفقد ثقتها بنفسها إلى الأبد.

حقاً إنها مهنة شاقة وأي شقاء، ذلك الذي يأخذك بقارب مشروخ إلى نهر الطفولة وذكريات عن بركة تماسيح أخرى. كلما حضرت مناسبة يوم المعلم السنوية، تقفز تلك الصور المبهمة إلى مخيلتي حيث يتجاذبني مشهدان مروعان؛ أحدهما مشهد غياب معلمة اللغة العربية وذوبانها المفترض في أروقة سجن (أبو غريب) بسبب حادث غامض، كان ذاك مكانها الأخير الذي قضت فيه إثر انتمائها المزعوم إلى أحد الأحزاب السياسية المحظورة، أما المشهد الثاني فهو لطفلة في الصف الثالث الابتدائي وهي تقف على قدميها وحيدة مرتجفة في إحدى زوايا قاعة درس ذات شتاء قاس، قصاصا على رفضها الانتماء إلى قوائم (الحزب الواحد).

خمس وأربعون دقيقة، هي المدة الزمنية التي اقتضتها مهمة معلمة الصف لتأديب طفلة في التاسعة من عمرها رفضت الانصياع للأوامر الحزبية، و35 عاما هو عمر الذاكرة التي تأرجحت ما بين موت حزب وولادة حزب يشبه الموت، وكل حزب وانتم بخير.

21