مصارف لبنان تصوغ خطة إنقاذ "بديلة" لإعادة هيكلة رأسمالها

جمعية المصارف تتعهد بوضع خارطة طريق تحمي القطاع من الانهيار ودون أن تكون تحت أيّ ضغوط من صندوق النقد الدولي.
الخميس 2020/05/07
معركة معقدة لإصلاح الخراب

عكست جمعية مصارف لبنان الهجوم على الحكومة التي قدمت الأسبوع الماضي خطة بدت في نظر محللين مرتبكة لإنقاذ القطاع المصرفي من أزماته المزمنة، معلنة عن خارطة طريق بديلة تتمحور حول إعادة هيكلة رأسمال كافة المؤسسات المالية دون أن تكون تحت أيّ ضغوط من صندوق النقد الدولي.

بيروت – كشفت جمعية مصارف لبنان الأربعاء أن المؤسسات المالية المحلية تعكف على صياغة خطة تحفظ لها بعض رأس المال بدلا من شطبه بالكامل كما هو منصوص عليه في برنامج حكومي.

وانتقدت الجمعية الخطة التي اعتمدتها الحكومة في الأسبوع الماضي وقالت إنها “تمعن في تقويض الثقة” في بلد مثقل بشدة بالدين ويواجه انهيارا اقتصاديا وماليا.

وتهدف الخطة الحكومية، التي ستشكل أساس محادثات بشأن مساعدة مالية مع صندوق النقد الدولي، لإخراج لبنان من أزمة تُعتبر أكبر تهديد للاستقرار منذ الحرب الأهلية التي اندلعت بين 1975 و1990.

وقال سليم صفير رئيس جمعية مصارف لبنان لوكالة رويترز “تتجاهل الخطة الحكومية القطاع المصرفي تماما”، مضيفا أن البنوك تريد مناقشة اقتراحاتها مع خبراء الحكومة “لإعادة تكوين الثقة من أجل إنشاء لبنان جديد”.

وذكر أن اقتراحات المصرفيين ستُعلن في غضون أسبوع أو عشرة أيام.

وظلت البنوك اللبنانية مقرضا أساسيا للحكومة على مدى عقود وساهمت في تمويل بلد يعاني من الهدر والفساد وتخلف عن سداد دين سيادي لأول مرة في مارس الماضي.

سليم صفير: الخطة الحكومية المعلنة تتجاهل القطاع المصرفي تماما
سليم صفير: الخطة الحكومية المعلنة تتجاهل القطاع المصرفي تماما

وقالت جمعية مصارف لبنان في الأسبوع الماضي إن الخطة الحكومية تلقي باللوم عن الأزمة على عاتق البنوك بشكل مجحف وتتبنى أسلوبا عقابيا في التعامل مع القطاع وبالتالي مودعيه.

ونتج عن الأزمة أن حيل بين المودعين ومدخراتهم إلى حد كبير وفقدت العملة المحلية أكثر من نصف قيمتها منذ أكتوبر الماضي حيث تفاقم شح الدولارات.

وتتزامن التعليقات، والتي قد يكون لها تأثير كبير على صندوق النقد نظرا لأن البنوك من أكبر حائزي ديون لبنان، مع توقيع بيروت طلب مساعدة من الصندوق، وهو ما وصفه رئيس الوزراء حسان دياب بأنه “لحظة مفصلية في تاريخ لبنان”.

وترسم الخطة، التي وافقت عليها حكومة دياب الخميس الماضي، صورة لخسائر بعشرات المليارات من الدولارات للنظام المالي وإجراءات قاسية لإخراج لبنان من أزمة شهدت انهيار عملته وارتفاع البطلة وتعثر البلاد في ديونه السيادية واحتجاجات في الشوارع.

ورحب بعض الاقتصاديين والدبلوماسيين بالخطة باعتبارها خطوة أولى مهمة نحو التعافي، لكن كثيرين يتشككون في إمكانية تنفيذ المقترحات الطموحة لخفض إنفاق القطاع العام وإصلاح القطاع المصرفي بعد سنوات من التباطؤ في التنفيذ.

وبموجب الخطة الحكومية، سيجري شطب رأسمال البنوك اللبنانية مع تلقي إنقاذ مالي كامل من المساهمين.

ويبلغ رأس المال المجمع للبنوك اللبنانية 31 تريليون ليرة لبنانية أو ما يعادل 20.6 مليار دولار بسعر الصرف الرسمي 1507.5 ليرة مقابل الدولار أو 8.9 مليار دولار بسعر صرف أقل يبلغ 3500 ليرة مستخدم في خطة الحكومة.

وتدعو الخطة إلى إعادة رسملة القطاع المصرفي وهي مهمة يقول مصرفيون إنها لن تكون سهلة نظرا للأزمة المالية التي يعاني منها لبنان. وقد تضطر البنوك التي تعجز عن جمع رأس مال جديد للتوقف عن العمل مما يزيد من تضرر الاقتصاد.

وقال صفير إن “اقتراح الحكومة بشأن رأس مال البنوك سلبي للغاية”، مشيرا إلى أنه كانت هناك سبل أخرى لحل المسألة. وامتنع عن ذكر تفاصيل بشأن اقتراح البنوك.

وتابع “نتحدث عن وضع خطة جديدة مع الحكومة على أن تحافظ هذه الخطة الجديدة بكل الوسائل على الحد الأدنى من رأس المال (في البنوك) الضروري لبدء دورة اقتصادية جديدة”.

وأوضح أن الاقتصاد في سائر أنحاء العالم في وضع سيء للغاية وهو ما من شأنه أن يجعل جلب مساهمين جدد للاستثمار في النظام المصرفي اللبناني اليوم أو غدا أمرا شديد الصعوبة ويتعين أن نعتمد على ما لدينا.

حكومة عاجزة عن إخراج لبنان من الأزمة
حكومة عاجزة عن إخراج لبنان من الأزمة

وتتوقع خطة الحكومة انكماش الاقتصاد اللبناني بـ13.8 في المئة خلال العام الجاري و4.4 في المئة بنهاية العام المقبل قبل أن يبدأ بالتعافي التدريجي ثم يشهد نموا اقتصاديا بنسبة 3.1 في المئة في 2024.

وقال صفير “لا يمكن تحقيق شيء مستدام من دون القطاع المصرفي”، مضيفا أن خطة المصرفيين “أكثر واقعية” عن أفكار الحكومة التي قال إنها تعتمد على مساعدة مالية دولية لا تبدو وشيكة حتى الآن.

وأثار هبوط فائق السرعة لليرة اللبنانية، التي فقدت أكثر من نصف قيمتها منذ أكتوبر الماضي، موجة جديدة من الاضطرابات، إذ قُتل متظاهرون في أعمال شغب تستهدف البنوك التي تحول بين المدخرين وودائعهم بالدولار.

وعلق نافذ صاووك محلل الأسواق الناشئة لدى أوكسفورد إيكونوميكس على خطة الحكومة بالقول “إلى حد كبير خطوة تسويقية كبيرة، إذ إن هناك شعورا بأن الحكومة بدأت فقدان السيطرة. وهي تسعى بالفعل للعمل من أجل شيء ما”.

واعتبر محللون أن التنفيذ هو الجزء الأصعب، لأن لبنان يفشل باستمرار في هذا الأمر، مؤكدين أن “التقدم لن يكون ممكنا إلا بهذا وعلى أساس من توافق سياسي وشعبي أكبر”.

وفي ظل إجراءات مثل استعادة الأصول المسروقة في الخارج، قد تستغرق سنوات، يقول اقتصاديون إن الخطة تضع عبئا شديد الثقل على القطاع المصرفي الذي ساعد لعشرات السنين في تمويل عجز ضخم في الموازنة العامة.

وقال نسيب غبريل كبير الاقتصاديين لدى بنك بيبلوس “هذا في الأساس استيلاء من الدولة على القطاع. أنا لا أفهم كيف سيعيد هذا الثقة… عندما تسلك هذا الطريق، فمن أين سيأتي الإقراض؟”.

11