مصارف ليبيا تتخبط تحت وطأة اتساع الفوضى

الانقسامات تكبل محاولات إنقاذ القطاع المالي المتعثر وسط تخذيرات من دخول النظام المصرفي في طريق مسدود.
السبت 2020/02/01
حالة طوارئ مالية حتى إشعار آخر

تصاعدت التحذيرات من تفاقم الأزمة المالية في ليبيا ودخول النظام المصرفي في طريق مسدود مع استمرار النزاع بين حكومتي الشرق والغرب والإفراط في طباعة النقود لتغطية التزاماتهما، في ظل انحسار العوائد النفطية واتساع المضاربة على الدينار في السوق السوداء.

تونس - عادت أزمات المصارف الليبية إلى الواجهة مجددا في غمرة النزاع العسكري المتصاعد بين الأطراف السياسة، والذي يغذي المخاوف من انهيار شامل للقطاع المالي المتعثر.

وتتخبط المصارف منذ سنوات تحت وطأة الفوضى المتفاقمة، في وقت حذر فيه مبعوث الأمم المتحدة غسان سلامة من انهيار اقتصاد في ظل تفاقم الديون وعجز النظام المصرفي.

وقال سلامة خلال جلسة أمام مجلس الأمن أمس إن “التشتت المؤسساتي وعدم القدرة على سن سياسة اقتصادية موحدة يفاقمان التحديات القائمة ويخلقان تحديات جديدة”.

وأكد أن البنوك الليبية تجد صعوبة متزايدة في العمل تحت إشراف مصرفين مركزيين متنافسين وتواجه خطر انقطاع إمدادات السيولة النقدية عن بعضها بالكامل.

وانقسمت ليبيا منذ عام 2014 بين حكومتين متنافستين وتحالفين عسكريين أحدهما في الشرق والآخر في طرابلس، وهو ما أثر على مؤسسات رئيسية مثل البنك المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط.

ويعيش المواطنون منذ ذلك الحين أزمة ثقة في القطاع المصرفي، الذي تكررت وعوده بتحسين الخدمات ووضع حلول لأزمة السيولة النقدية الخانقة.

وكان البرلمان المؤقت بمدينة طبرق شرق البلاد قد اتهم مرارا محافظ المركزي في طرابلس الصادق الكبير ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله، بالانفراد بمُخصصات النفط والتصرّف فيها دون الرجوع إلى المجلس.

وأكدت مصادر ليبية في تصريحات لـ”العرب” أن الكثير من البنوك التجارية خاصة في شرق البلاد لم تعد قادرة على الوفاء بالتزاماتها أو أنها ستصل إلى تلك النقطة قريبا.

وقال سامي عاشور، وهو ليبي مقيم في ألمانيا، إن “أزمة البنوك بسبب نقص السيولة أثرت على معظم الأسر الليبية وأن الأمر بات حقيقة واقعية تزيد من تعقيد حياة الناس”.

71.4 مليار دولار حجم الدين العام الليبي الذي يزيد على حجم الناتج المحلي الإجمالي

وتزايدت معاناة الليبيين والشركات من صعوبة الحصول على السيولة النقدية من المصارف، وهو ما يدفع اقتصاد البلاد إلى حافة الانهيار جراء الشلل التام الذي يضرب كافة القطاعات.

ولا يزال المئات من المواطنين يتدافعون أمام البنوك في معظم مناطق البلاد، وينتظرون أحيانا لأسابيع لسحب الأموال بسبب النقص الحاد في السيولة.

وأكد عاشور لـ”العرب” عبر تطبيق ماسنجر أن تلك المشكلة انسحبت أيضا على عمليات تحويل الأموال من وإلى ليبيا، وهو ما أكده عدد من الليبيين المقيمين في تونس أيضا.

وكان البنك المركزي في طرابلس قد أصدر في سبتمبر 2018 تعميما للمصارف المحلية بفرض قيود مشددة على بيع العملة الصعبة للأغراض الشخصية والعلاجية والدراسية.

وحددت إدارة البنك حينها سقفا للتحويلات السنوية بالنسبة للفرد لا يتجاوز 14 ألف دينار، وهو ما يعادل عشرة آلاف دولار، وهي مستويات ضئيلة قياسا بمستوى غلاء المعيشة في بعض البلدان، التي لجأ إليها الليبيون هربا من قسوة الحياة في بلدهم.

وتظهر إحصائيات صادرة في 2016، والتي لم يتم تحديثها حتى الآن، أن عدد سكان ليبيا يبلغ حوالي 6 ملايين نسمة، بينما لا توجد معطيات رسمية حول عدد المقيمين في الخارج.

وتشير بيانات الموقع الإلكتروني لاتحاد المصارف العربية إلى أن النظام المصرفي الليبي يضم 38 مؤسسة مالية أكثر من نصفها أجنبية.

وتتوزع المؤسسات بين 16 بنكا محليا، منها المصرف الليبي الخارجي ومصرف الوحدة، و14 بنكا عربيا، منها المؤسسة العربية المصرفية البحرينية ومصرف بيرايوس المصري، إلى جانب 8 مصارف أجنبية أبرزها أتش.أس.بي.سي البريطاني.

ونتيجة لحالة التخبط فإنه من الصعب تحديد حجم المعاملات السنوية لتلك المصارف، كما أنه لا توجد بيانات دورية رسمية تشير إلى كيفية تحرك أموالها أو الأرباح التي تجنيها، إن وجدت.

وقال الخبير المالي الليبي المقيم في لندن سليمان الشحومي، مؤسس سوق الأوراق النقدية الليبية في تدوينة على حسابه بموقع فيسبوك قبل أيام إن “الوضع الاقتصادي يزداد كل يوم تعقيدا في ظل غياب إرادة واضحة تفرض حلا شاملا بدل الترتيبات التي تغرق الاقتصاد

سليمان الشحومي: طباعة النقود استفحلت من الطرفين في الفترة الأخيرة
سليمان الشحومي: طباعة النقود استفحلت من الطرفين في الفترة الأخيرة

وأضاف أن الحالة الليبية “تشبه الحالة اللبنانية في سرعة الاندفاع والانكشاف بسبب سيطرة الدولار على الاقتصاد سيطرة تامة”.

وأكد أن “انفصال الوضع النقدي عن الوضع الاقتصادي، قاد إلى انقسام إدارة البنك المركزي وأدى إلى إلحاق أضرار جسيمة بالنظام النقدي الليبي”.

وأدى توقف منظومة المقاصة عن البنوك، التي باتت تحت سيطرة البنك المركزي في البيضاء إلى تناقص أرصدة البنوك لدى المركزي في طرابلس وقلص قدرتها على مواجهة طلبات الحصول على الدولار.

ويرى الشحومي أن كل تلك الفوضى والانقسامات جعلت الوضع خطيرا إلى درجة تهدد بحصر عمليات الصرف الأجنبي ببعض البنوك دون غيرها.

وفي موازاة ذلك تفاقم الاندفاع نحو عمليات طباعة النقود من السلطات المالية في حكومتي الشرق والغرب دون تنظيم أو تنسيق ودون وجود أرقام دقيقة تؤكد حجم تلك الأموال، وفق الشحومي.

وتشير التقديرات الرسمية إلى أن الدين العام الليبي تجاوز المئة مليار دينار (71.4 مليار دولار بسعر الصرف الرسمي) وهو ما يزيد على حجم الناتج المحلي الإجمالي السنوي. ويتوقع محللون أن يواصل الصعود مع استمرار غموض مستقبل الاقتصاد.

واضطر البنك المركزي في طرابلس مرارا إلى السحب من الاحتياطات النقدية، التي هوت بشكل متسارع، لتغطية فاتورة الواردات ودفع رواتب الموظفين ومستحقات الدعم.

وتظهر الأرقام أن قرابة 80 مليار دولار من احتياطات البلاد من العملة الصعبة تبخرت منذ بداية الأزمة، بعدما كانت عند مستوى 130 مليار دولار.

وخلال السنوات الأخيرة، تزايدت مخصصات الرواتب مع تنافس السلطات في الشرق والغرب لإرضاء قواعدها الشعبية في وقت ارتفعت فيه الإعانات الحكومية الخفية والعلنية على السواء.

وتشير خلاصة مؤشرات المؤسسات المالية ووكالات التصنيف الدولية إلى أن التخبط السياسي، الذي ينعكس في التنافس في تخفيض الرسوم والضرائب أدى إلى تضييق قاعدة الإيرادات الحكومية.

وأدى ذلك إلى تفاقم اعتماد الدولة بشكل شبه كلي على صادرات النفط التي تعاني من انقطاعات متكررة، الأمر الذي تسبب في عجز الدولة عن توفير السيولة اللازمة في البنوك.

وما زاد من معاناة القطاع المصرفي الليبي اتساع الفجوة بين السعر الرسمي للدينار وأسعار السوق السوداء، في ظل تذبذب إنتاج النفط وتراجع أسعاره منذ منتصف عام 2014.

ويتفاوت سعر صرف العملة المحلية أمام سلة العملات الأجنبية الرئيسية وخاصة الدولار من منطقة إلى أخرى نتيجة لاختلاف الأوضاع السياسية والأمنية.

وبحسب أسعار الصرف، تبلغ قيمة الدولار في طرابلس نحو 4.38 دينار، بينما يقترب سعره من حاجز الخمسة دنانير في مناطق أخرى.

وتتعرض الموانئ والحقول النفطية بين الفينة والأخرى إلى هجمات إرهابية واعتصامات منفلتة، للضغط على السلطات في طرابلس، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض الإنتاج.

وكان البنك الدولي قد كشف في فبراير الماضي عن خارطة طريق تمتد لثلاث سنوات لإنقاذ الاقتصاد الليبي، في محاولة لتجاوز عقبات استمرار الانقسامات بين الشرق والغرب وتراجع صادرات النفطية.

وتركز الاستراتيجية على محاور أساسية بينها استعادة الخدمات الأساسية للمواطنين وتعزيز قدرات المؤسسات السيادية في العاصمة طرابلس لإدارة الأموال العامة والعمل على إعادة هيكلة النظام المالي والمصرفي.

كما تشمل وضع مخطط متكامل للبدء في إعمار المناطق المدمّرة وتطوير القطاع الخاص ودعم شراكاته مع القطاع العام، إضافة إلى تقديم دعم مالي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.

وقالت مديرة البنك لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ماري فرانسواز حينها “نريد إمدادات كهرباء منتظمة وخدمات ذات جودة للتعليم والرعاية الصحية وتسريع وتيرة تعافي الاقتصاد عبر تعزيز إدارة الأموال العامة، وكذلك تطوير القطاع المالي”.

11