مصاصة دماء إيرانية تسير وحدها في ليل المدينة السيئة

الثلاثاء 2014/12/30
شخصيات الفيلم فيها من الواقع بقدر ما فيها من الخيال

ما الذي يحدث عندما تلتقي فتاة تلتحف بالتشادور الأسود الذي يغطي رأسها، وهو يجرجر وراءها في الليل كأنما أصبح لها جناحا طائر أسطوري، في مدينة شوارعها مهجورة تزأر الريح في أرجائها، بشاب يرتدي ملابس تنكرية وقناعا يجعله يشبه مصاص الدماء الأسطوري الشهير، دراكولا؟

ماذا يمكن أن ينبئ به فيلم يجعل من الشخصية الرئيسية، أي تلك الفتاة الصامتة وغريبة الأطوار، مصاصة دماء، تنقض على ضحاياها فجأة دون شفقة أو رحمة، تغرز أنيابها في أعناقهم، وتمتص دماءهم؟ هل هذا جديد، وهل يحمل معنى ما من المعاني تريد أن تنقله إلينا المخرجة الشابة الإيرانية الأصل والأميركية الجنسية أنا ليلي أميربور؟

لاشك أن فيلم “فتاة تسير إلى منزلها وحدها في الليل” أحد أكثر الأفلام التي ظهرت خلال السنوات القليلة الماضية غرابة وتميّزا، ليس فقط بفكرته الجديدة والغريبة، بل بأسلوبه الفني الذي يتمتع بالكثير من الجاذبية والسحر.

إنه يجمع بين محاكاة أفلام سابقة، تحديدا من الويسترن سباغيتي، وبين أفلام الرعب الكلاسيكية “نوسفيراتو” و”دراكولا”، بين الفيلم الموسيقي الذي يتلاعب بالصور من خلال المونتاج على إيقاعات الموسيقى الصاخبة، أو يميل إلى اللقطات الطويلة التي تتعاقب ببطء لخلق تأثير درامي معيّن.

نحن هنا باختصار، أمام موهبة جديدة جامحة في الخيال، لمخرجة تشبعت بالسينما، وتأثرت بما يعرف بـ”الفيلم نوار” والويسترن سباغيتي (الإيطالي) وفيلم الميوزيكال، وأفلام الرعب، لكنها أرادت أن تجعل كل هذا المزيج الذي تقوم بتوليفه ببراعة، يبدو أيضا ذا نكهة خاصة، ترتبط بجذورها الثقافية الإيرانية.

إننا أمام لوحة ضخمة، تجمع بين الحسّ الأنثوي الصارخ الذي يصدر عن مخرجة تتحيّز بوضوح للمرأة، وبين ما تريد أن تنقله لنا عن موقفها من العالم الذكوري الذي تتعرّض فيه المرأة للقهر والظلم.

تدور قصة هذا الفيلم الغريب على خلفية صناعية لمدينة مجرّدة على نحو ما، تتميّز بشوارعها الخالية، وأركانها المظلمة، ومحطات إنتاج النفط التي تصدر ضجيجا هائلا من مضخاتها التي لا تتوقف عن ضخ النفط، هذه المدينة تُدعى “المدينة السيئة”.

الفيلم يجمع بين محاكاة أفلام سابقة، تحديدا من الويسترن سباغيتي، وبين أفلام الرعب الكلاسيكية

ورغم أنها نفس المدينة التي تنتمي إليها مخرجة الفيلم “بيكرسفيلد” بولاية كاليفورنيا، إلاّ أنها يمكن أن تكون أيضا مدينة إيرانية من مدن إيران في الماضي القريب، غير أننا لا يجب أن نحاسب الفيلم على أساس مطابقته للواقع، لا في إيران ولا في أميركا.

فالمخرجة تخلق هنا واقعا خاصا لفيلمها، وهي تجعل شخصيات الفيلم تتحدث الفارسية ولو بلكنة ما، إلاّ أنها شخصيات مجرّدة يمكن أن توجد في أيّ زمان ومكان.

أما بطلة الفيلم، تلك الفتاة الغامضة التي تتجول بمفردها في الليل، فهي تبحث عن ضحاياها بين الرجال السيئين في المدينة السيئة.

ونحن لا نرى في تلك المدينة سوى عاهرات وتجار مخدرات ومدمنين وشباب ضائع يرتدون ملابس الخمسينات، ويصفف البعض منه شعره على طريقة جيمس دين، ويركبون السيارات التي تحمل بصمة الخمسينات، ويستمعون إلى الموسيقى الصاخبة.

والفيلم مصوّر بالأبيض والأسود للشاشة العريضة، حسب الطريقة القديمة التي كانت مستخدمة في التصوير بعدسة “سكوب” الشهيرة، ويتمتع بأسلوب خاص في الإضاءة، تكاد تقربه في بعض المشاهد من التعبيرية الألمانية التي يتميّز بها فيلم “نوسفيراتو” (1929) الشهير لفريدريك مورناو، حيث تكثر الظلال وتأتي مصادر الضوء من مصابيح الإضاءة الموجودة بأعلى أعمدة النور في الشوارع، أو من فتحة في باب أو مصباح جانبي في الداخل.

هناك شاب يدعى “آراش” يعمل منسقا لحديقة منزل تملكه أسرة ثرية في المدينة، لكنه يشعر بالملل من هذا العمل، ويتعامل في استجلاب المخدرات لوالده المدمن “حسين” عن طريق موزع، هو “البلطجي” القواد “سعيد” الذي يظهر، وهو يرتدي الملابس الجلدية السوداء، ويرسم على صدره وشما يحمل كلمة “جنس” .

“آراش” يمتلك سيارة فارهة فخمة، يغازل فتاة ثرية لا تتمتع بالجمال، والفتاة المتهافتة تدعوه إلى غرفتها، وهو عاجز عن التحكم في النوبات العصبية المفاجئة التي تصيب والده مدمن المخدرات.

وعندما يعجز آراش عن تسديد ثمن المخدرات لسعيد، يستولي سعيد على سيارته، فيتجوّل بها في المدينة، يتوقف وينكل بعاهرة شابة تعمل لحسابه في شوارع المدينة.

المخرجة تخلق هنا واقعا خاصا لفيلمها، وهي تجعل شخصيات الفيلم تتحدث الفارسية ولو بلكنة ما، إلاّ أنها شخصيات مجرّدة يمكن أن توجد في أيّ زمان ومكان

لكن الحبكة لا تصل إلى ذروة ما، بل ولا يقصد منها أن تقودنا إلى ذروة تلخص رسالة معينة للفيلم، بل تكتفي المخرجة بتصوير عالم متخيل، أساسه الصور والتصميمات والتكوينات البصرية والشخصيات التي قد تبدو كرتونية بعض الشيء، لكن ربما في تجريديتها يكمن سحرها، إن أميربور تخلق عالما بصريا غريبا مصوّرا من شخصيات فيها من الواقع بقدر ما فيها من الخيال.

الفتاة الغامضة -التي تسمى فتاة فقط في الفيلم- ترتدي الشادور الإيراني الذي يضفي عليها مزيدا من الغموض والرعب، تتحرك بينما تخفي القسم الأكبر من وجهها بالحجاب، تتطلع في صمت بنظرات طويلة عميقة نافذة إلى الطرف الآخر، تبدو متشككة، تراقب من بعيد، تهبط فجأة وكأنها ملاك الموت أو اللعنة القادمة من السماء للفتك بأشرار مدينة السوء.

إنها تراقب كل ما يحدث، ترى كيف يتعامل سعيد مع الفتاة المسكينة التي يستغلها ويرغمها على أن تبيع جسدها لحسابه، وترى كيف يبدو آراش بتكوينه مختلفا عن أولئك الأشرار.

وهي لا تتردد في الفتك بالشرير “سعيد”، ويلقى حسين والد آراش أيضا مصيره المأساوي على يديها، وتطرد بفظاظة ذلك الصبي الذي لا يكف عن التلصص على ما يحدث في المدينة ليلا، وتسحب جثث ضحاياها لتضعها في حزمة كبيرة داخل زقاق مظلم.

في لقائها مع آراش، القادم من الحفل التنكري، يحاول مداعبتها بمحاكاة دراكولا مصاص الدماء، الأمر الذي ينتج عنه بالطبع تأثير كوميدي ساخر، فالجمهور يعرف أنه أمام “مصاصة للدماء”، بينما يعتقد هو أنه أمام فتاة خجولة قليلة الكلام، وعندما يناولها شيئا لتأكله تنحيه جانبا، فمصاصو الدماء لا يأكلون الطعام بالطبع.

الحبكة لا تصل إلى ذروة ما، بل ولا يقصد منها أن تقودنا إلى ذروة تلخص رسالة معينة للفيلم، بل تكتفي المخرجة بتصوير عالم متخيل، أساسه الصور والتصميمات والتكوينات البصرية والشخصيات

لكنها تشعر بالانجذاب له، فتدعوه إلى منزلها، حيث نرى على الجدران ملصقات عديدة لنجوم موسيقى الروك، وتدير هي إسطوانة لموسيقى صاخبة أميركية تحبها، يرقصان على إيقاعاتها في الغرفة الغريبة ذات الإضاءة الشاحبة.

ويتساءل المشاهد: ترى هل سينجح آراش في “أنسنة” مصاصة الدماء القادمة من عالم آخر، عالم الكائنات التي لا تموت أبدا؟ أم أنها هي التي ستشدّه معها إلى عالمها؟ إنها قصة حب تدور على خلفية مجتمع الإدمان والفوضى والتناقضات الطبقية والدعارة والنفط والخطر الكامن في الظلام.

ورغم ما في الفيلم من إشارات عديدة للثقافة الإيرانية، ورغم أن الفيلم ليس من الممكن اعتباره فيلما سياسيا مباشرا، إلاّ أن هناك بعض الإشارات الرمزية التي تشير بشكل هجـــائي إلى نظام “الملالي” الديني في إيران.

وإن اعتبرنا أن مصاصة الدماء ترمز هنا لذلك التعصب الديني الذي يقبض على أعناق البشر (نلاحظ ملابسها التي تخضع للتقاليد التي يفرضها نظام الملالي الحاكم)، فقد تمثل كذلك الأداة الأنثوية للانتقام من قهر الرجل للمرأة أيضا، كما يمكن أن ترمز علاقة الفتاة بآراش إلى ضرورة التخلص من التعصب عن طريق الحب.

وكلها بالطبع افتراضات كامنة في طيات الفيلم البديع، الذي يبقى أهمّ ما فيه ذلك الخيال التشكيلي الجامح، والقدرة الخاصة على التحكم في الصورة بالضوء والتكوين والحركة، ومزج الصور بالموسيقى الأوروبية الصاخبة، أو الموسيقى الشعبية الإيرانية. إنه بلا شك أحد أجمل الأفلام الأولى التي ظهرت في 2014.

16