مصاصو الدماء ودورهم السياسيّ في معرض باريسي

المعرض يتناول أسطورة مصاصي الدماء عبر العصور من دراكولا إلى بافي.
الأحد 2020/03/01
أزياء دراكولا وأناقته المفرطة

تقول الأساطير إن الدماء البشريّة إكسير سريّ للحياة، يُحرّم تداوله ومن الصعب الحصول عليه، لأنّها تمنح من يشربها بصورة دوريّة شبابا أبديا ومناعة ضد المرض، ويقال إن البابا إنوسنت الثامن في القرن الخامس عشر، شرب دماء ثلاثة أطفال كي يشفى من مرض أصابه، هذه الأسطورة حول أهمية الدماء، تمتد حتى الآن، إذ يقال أن بعض المنظمات الطبيّة توفّر للمشاهير دماء لشربها من أجل الحفاظ على شبابهم، وكأن تقليد شرب الدم البشريّ محرّم لأنه يتحدّى الزمن وأثره على الجسد البشريّ، ما جعل شاربي الدماء يتهمون بممارسة العبادات الشيطانيّة، بل والخروج عن “النوع البشريّ” ليتحول الواحد منهم إلى مصاص دماء خاضع لسلطة “دراكولا” ذي الشباب الازليّ والبشرة الناصعة شديدّة البياض، الحي الميت الذي يهدد كل بشريّ ذي قلب ينبض.

استضاف مركز السينماتيك في العاصمة الفرنسيّة باريس معرضا بعنوان “مصاصو الدماء من دراكولا إلى بافي” نتعرف فيه على تطور أسطورة مصاصي الدماء منذ العصور الوسطى إلى لحظة تحولها إلى جزء من الثقافة الشعبيّة الآن، إذ نشاهد كيف تنوعت أساليب التعامل مع مصاصي الدماء، وأشكال تقديمهم في الروايات والفن التشكيلي والسينما، وكأن مصاص الدماء وشخصية دراكولا جزء من متخيلنا الجمعيّ عن التهديد الأزلي، الذي يتجلى في شخص نبيل غاوٍ “يشرب” الدماء من أجسادنا، وفي الوقت ذاته يعدنا بالانتصار على الزمن والحياة الأبديّة.

ندخل المعرض وكأننا نخطو داخل كهف أو تابوت مظلم يشبه عوالم مصاصي الدماء، إذ نشاهد روايات ولوحات وأفيشات أفلام وأزياء وأكسسوارات وأدوات تنكر تعكس ما أضفته من هالة وسحر، على شخصية مصاص الدماء الخطيرة والجذابة، والتي أسرت العاملين في الفنون بأنواعها على حدّ سواء، ليختلط الشعبيّ مع الراقي أمام سطوة مصاص الدماء الذي لا يموت، أو دراكولا، ذي اللهجة السلافيّة، الذي يختزن تاريخا من الرعب والجنس الغرائبيّ والجنون، والذي يظهر كنبيل مهووس يلعب دوره غاري أولدمان، أو وحش يهدد المراهقين ولا بدّ من القضاء عليه كما ظهر في مسلسل “بافي قاتلة مصاصي الدماء”.

أصل الحكاية والمرض

تبدأ حكاية مصاصي الدماء من العصور الوسطى زمن الأوبئة والحروب، حينها كان التراث الطبيّ يرى في الجسد مساحة غامضة وسحريّة، ويرى شفاءه من أمراضه مرتبطا بالدين والأساطير، وهنا يظهر مصاصو الدماء الذين يقتاتون على المرضى كشكل من أشكال تفشي الطاعون إذ يقال إن أصواتا كانت تنبعث من قبور المصابين بالمرض والذين لم يفارقوا الحياة بشكل كامل، إثر ذلك كان يأتي مصاصو الدماء ليشربوا من دمائهم، ثم يخرجوا بعدها من قبورهم لنشر الوباء بين الناس بوصفه إرادة الشيطان، لهذا نرى المؤسستين الطبية والدينيّة في تعاون دائم ضد هذه الكائنات اللاحية، وكأن مصاصي الدماء يمثلون اللامنطق، الذي إن نام حسب لوحة غويا الشهيرة، ظهرت الوحوش لتقتات على البشر، وهذا ما يفسر سلوكيات دراكولا نفسه، المندفع إلى الأقصى وراء شهواته الدمويّة حتى لو عنى ذلك موت الجميع.

ميلاد دراكولا

شبح دراكولا القادم من الظلام
شبح دراكولا القادم من الظلام

الحكايات السابقة أخذت شكلها المتخيّل ضمن الثقافة الشعبيّة عام 1897 في رواية الكاتب الأيرلندي برام ستوكر المعنونة بـ”دراكولا”، والتي رسم فيها معالم شخصية مصاص الدماء الأشهر دراكولا، ذاك الذي لا يمتلك انعكاسا في المرآة، الأزليّ، القادر على تغيير شكله، آسر النساء والغاويّ، وهنا تظهر المؤسسة الطبية والدينيّة في شخصيّة فان هيلسينج، صائد مصاصي الدماء، وعدو دراكولا الأشد، فالأخير يهدد البشريّة، لكونه عدو المسيح الخالد الذي لا يموت إلا بوتد في القلب، أمير الظلام الذي لا يتحرك في ضوء الشمس التي تحرقه، كل هذه الصفات ظهرت في الأفلام السينمائيّة لاحقا، ما جعل السينما نفسها تتحول إلى سؤال فلسفي عن مصاصي الدماء، أليست الشاشة مرآة لا نرى فيها انعكاسنا، وكأن صورتنا فيها تضيع، كدراكولا نفسه الذي لا انعكاس له في المرآة، فهي مساحة التحول واللاحياة، الشخصيات فيها كدراكولا نفسه تأخذ أشكالا متعددة وتتحدى الزمن، وكأن السينما هي ضحية مصاصي الدماء الأولى في العصر الحديث، إذ أصبحت مرآة نبحث فيها عن انعكاسنا.

أناقة الخلود

الرأسماليّة التي تمتص دماء الشعوب
الرأسماليّة التي تمتص دماء الشعوب

العلاقة بين فن التمثيل ومصاصي الدماء أغوت الممثلين على لعب دور دراكولا العابر للزمن، إذ نرى الأزياء التي استخدمت في فيلم تود براونينج وفرانسيس فورد كوبلا وجميعها تحيلنا إلى أناقة مصاص الدماء، وقدرته على أسر من حوله، هو لا ينومهم مغناطيسيا فقط، بل يستحوذ على قلوب من حوله بسبب رهافته، وحس دعابته المرعب، خصوصا أن أثر الزمن لا يظهر عليه، مع ذلك هو أسير رغبة بشريّة بالاستمرار، إذ لا يستطيع الإنجاب، فلعنة دراكولا تتمثل في أنه خالد لوحده، لا سلالة له لأن لا دماء في جسده، أشبه بجسد مُتقن وخارق، لكنه أسير حدود تحولاته، هو لا يمتد في الطبيعة، أشبه بطفرة لا تتكرر، و هذا ما ينعكس على أناقته هو غنيّ ومترف، لكنه فقد الإحساس بالزمن، ثيابه متحفيّة واستعراضيّة تحيل إلى زمنه الأول، حين كان شابا يريد الزواج من محبوبته.

نتعرف في المعرض أيضا على اللحظات الأيقونيّة في سيرة دراكولا، كتحوّله إلى خفاش، خروجه من قبره كل ليلة، لكن أشهرها هي لحظة استهدافه لشريان رقبة ضحيته كي يَعُبَّ منها الدماء، والتي نراها في لوحة لآندي وارهول، بعنوان القبلة، أنجزها عام 1963، ونرى فيها الممثل بيلا لوجيسيو وهو على بعد ثوان من امتصاص دماء شريكته، ما يميز اللوحة أنها طباعة حريرية أنجزها وارهول في محاولة لاستخدام ذات مواد التصوير الفوتوغرافيّ في عملية الطباعة، مُقتبسا من فيلم دراكولا الذي أنتج في الثلاثينات، ليكون التهديد بالتلاشي الذي تحويه الصورة بسبب مكوناتها مشابها لدراكولا نفسه، اللاحيّ العالق بين عالم الأحياء والأموات أشبه بظل لا يمكن التقاطه.

الرعب السياسيّ

جمجمة مفترضة لدراكولا
جمجمة مفترضة لدراكولا

تعكس حكايات مصاصي الدماء التغيرات السياسيّة، كحالة فيلم فرانسيس فورد كوبلا “برام ستروكر دراكولا”، فالفيلم المنتج في أول التسعينات أشبه بتعليق على مفهوم “وباء الإيدز” الذي أطلقته الحكومة الأميركيّة، والذي اعتُبر إثره الدم خطرا سياسيّا، وتحول من مادة الحياة إلى تهديد للجسد الوطنيّ، فتبادل الدماء الذي يقوم به دراكولا يحكم على ضحاياه بالموت، وبالتالي لا بد من التخلص منهم ومنه، وهذا ما نراه في اللقطات المجهرية للدماء التي يحويها الفيلم، ليظهر دراكولا كحامل للخراب، أشبه بتمثيل سينمائي للصورة النمطيّة عن مرض الأيدز، والتي تتجلى بمحاربة ونفي كل من تمسّه دماء مسمومة.

ذات التعليق السياسي نراه في فيلم جيم جارموش “العشاق فقط يبقون أحياء” الذي أنتج عام 2014، والذي يظهر فيه آدم وحواء كمصاصي دماء مهمشين وضائعين في أحلامهما، لأنهما فقدا الأمل في خلاص البشريّة، هما أسيرا الماضي والنوستالجيا وزمن “الرجال العظماء”، لأن البشر الآن فقدوا طهرانيتهم، فدماؤهم أصبحت ملوثة بسبب الأمراض واللقاحات، ما أفقدهم قدرتهم الحيوية على بعث الحياة في جسد آدم، الذي يستعيض بسبب قرفه من الدماء البشرية بمكونات طبيّة تساعده على الاستمرار.

تحول مصاصو الدماء إلى رمز للسلطة الحاكمة وخصوصا الرأسماليّة الوحشية التي “تمتص دماء” الناس، لمنفعة فئة صغيرة، وهذا ما نراه في البوسترات المنتشرة في المعرض، إذ نرى في واحد منها جورج بوش وهو يمتص دماء تمثال الحريّة، وكأنه يهدد مفهوم أميركا نفسه، ذات الأمر في البوسترات التي تصور مارغريت ثاتشر، فمصاص الدماء في عصر الرأسماليّة ليس إلا رجل سلطة مسنّا يعمل في الخفاء ويحرك العالم لمصلحته، يمتص مقدرات وأبعاد الإنتاج في أجساد الناس ليراكم ثرواته ويدلل ذوقه المبتذل.

13