مصاعب تحاصر الفضائيات

الأربعاء 2016/02/03

سبع فضائيات عراقية على الأقل تعجز منذ أشهر عن دفع مرتبات العاملين لديها، فبعضها لا يدفع إلا متأخرا جدا وبعضها يدفعها بالأقساط و”بطلعان الروح “!

وأكثر من ثلاث فضائيات تلفظ أنفاسها الأخيرة بسبب الضائقة المالية التي جعلتها عاجزة عن تسديد أقساط الأقمار وتكاليف الإنتاج وأجور العاملين، وخاصة تلك القنوات التي نشأت في فورة الهوس لإطلاق فضائيات هامشية بلا عقيدة إعلامية أو منهج فكري سياسي، معتمدة فقط على دعم وتمويل ممن يسمون أنفسهم رجال أعمال يرتبطون مع الدولة بمقاولات حقيقية أو وهمية، وينتظرون أن تسدد لهم الدولة استحقاقاتهم، ليدفعوا هم بدورهم للآخرين.

وجميع الفضائيات العراقية بلا استثناء توقفت عن الإنتاج الدرامي، فلم يعلن مثلا حتى الآن عن أي مشروع مسلسل لرمضان القادم الذي لم يبق بيننا وبينه سوى أربعة أشهر، وهذا يعني أن العشرات من الفنانيين سيبقون هذا الموسم بلا موارد مالية، يتسكعون في أروقة المسرح الوطني أو يملأون مقاهي رخيته في الكرادة ببغداد.

عندما تقشفت الدولة وشحت مواردها، وقررت تقليص النفقات، كان أول ما مدت يدها إليه هي تخصيصات الثقافة والإعلام والفنون والآثار، فقصت، وقطعت، وحذفت، وألغت.

وعندما تلكأت الدولة في تسديد استحقاقات المقاولين تقشف هؤلاء بدورهم وقلصوا النفقات وأول ما قاموا به قطع أو تقليص أو تأخير الدعم “والهبات” التي يمنحها البعض لعدد من وسائل الإعلام، وخاصة تلك الفضائيات التي ساهموا في تأسيسها معتقدين أنها ستجلب لهم الجاه والنفوذ وحتى المكاسب المادية، التي زينها في عيونهم بعض الصحافيين والإعلاميين الذين كانوا يحلمون أن تكون لهم علاقة بقنوات تلفزيونية يطلون من خلالها على الناس ويتباهون بها أمام زملائهم بشكل خاص ويتودد إليهم الباحثون عن فرص عمل وبصورة خاصة الباحثات، فورطوا بعض رجال الأعمال والتجار وربما بعض أصحاب الطموحات السياسية على تأسيس قنوات بلا منهج إعلامي ولا عقيدة مهنية ولا قدرة على التنافس وجذب المشاهدين، فبقيت بلا حضور جماهيري مؤثر ولا جاذبية إعلانية في بلد لا يؤمن فيه أصلا أصحاب المصالح بثقافة الإعلان والترويج وجدواه.

وهذه الفضائيات متواضعة الإمكانيات تواجه فضائيات أكثر جاذبية تستخدم طرق ووسائل مختلفة لجذب المشاهد إليها، منها ما هو متزن ومفيد ومنها ما هو هزيل ويندرج تحت قائمة قتل الوقت وتفريغ الذهن من التفكير السليم وتقديم التسلية المجانية والرخيصة.

ولسوء حظ الفضائيات الهامشية الركيكة أنها جاءت في زمن يتلقى فيه الإنسان العربي سيلاً غير منقطع من البرامج التلفزيونية عبر 999 قناة تجوب الفضاء ليلا ونهارا.

ولا يستطيع أحد مهما أوتي من قوة ردها أو حجبها، ذلك أن البث الذي يأتي من الفضاء لا يمر عبر جمارك الحدود أو الموانئ أو المطارات، فهو يتوجه مباشرة من الأقمار الصناعية إلى بيوت الناس ونظريا بلا رقابة مسبقة، وإذا كانت بعض الأقمار أو المدن الإعلامية العربية يمكن أن تفرض السلطات عليها أشكالا من الرقابة والمضايقات فبالإمكان الانتقال إلى قمر آخر في بلد أوروبي ليس لجهة عربية سلطة عليه.

إن التطور الإلكتروني والتقني في السنوات الأخيرة فتح آفاقا جديدة للبث البرامجي غير البث التلفزيوني التقليدي، ألا وهي البث عبر الإنترنت حيث صار من الممكن أن تطلق قناة تلفزيونية وأنت في بيتك، تصل إلى المشاهدين في جميع أنحاء العالم، دون رقابة أحد أو الحصول على موافقات أمنية أو إدارية.

وقد أصبح المتلقي هو الذي يقرر نوع ما يتلقاه لأنه هو من يقوم بالبحث والتقصي عبر الإنترنت التي مع استمرار التقدم التكنولوجي أصبحت بلا حدود للتواصل والبث، وإيجاد بدائل عن بث القنوات الفضائية التقليدية، بل إن الإنترنت أوجدت ملاذا لمن لا يجد فرصة لبث إنتاجه الفني أو الفكري أو المسلي والنقدي والهزلي والموسيقى على فضائية عادية، أن يبثه دون رقابة أحد أو موافقة سلطة على الإنترنت نفسها ومن ذلك مثلا على موقع يوتيوب الذي يزوره يوميا ملايين الناس في جميع أنحاء العالم، وهنالك أعمال فنية وبرامجية حصلت على شهرة كبيرة فقط عبر يوتيوب، كما حققت موارد مالية لأصحابها. وحتى الكثير من المحطات الفضائية صارت تعيد بث برامجها على يوتيوب لكثرة مشاهديه.

18