مصافحة بين أدب نجيب محفوظ وسينما حسن الإمام

فيلم "بين القصرين" استند على حائط متين اسمه رواية نجيب محفوظ، بكل ما تمثله من أسباب النجاح.
السبت 2019/10/19
جوهرة المنجز الروائي لنجيب محفوظ

عشية الإعلان عن جائزة نوبل للآداب، ظلت الأسماء العربية خارج التخمينات والتوقعات، وبقي نجيب محفوظ حصاد العرب الأوحد في احتفالية الأكاديمية السويدية التي منحته جائزتها عام 1988 وهو في سن السادسة والسبعين. وفي الذكرى الثالثة عشرة على رحيل الأديب الذي امتدت حياته إلى ما يقارب القرن من الزمن (1911 - 2006)، أجرت إحدى المجلات حوارا مع ابنته هدى، تحدثت خلاله عن آراء والدها في الأعمال التي تناولتها السينما كما أعربت عن تخوفها من أن يتعرض اسمه للنسيان مع مرور الزمن، لكن الجميع، اليوم، يبدي ارتياحه وغبطته لافتتاح المتحف الذي يحمل اسم الأديب الراحل في قلب القاهرة حيث كانت تدور أحداث جميع رواياته. يضم المتحف، فيما يضمه من وثائق ومخطوطات ومقتنيات نادرة، مكتبة سينمائية تخص روايات نجيب محفوظ، التي تحولت إلى أفلام سينمائية، إذ وصل عددها إلى 21 رواية امتدت على مستوى أجيال ومراحل عمرية متباعدة من القراء والمشاهدين وصناع السينما ونقادها وهي، على التوالي: اللص والكلاب، بين القصرين، بداية ونهاية، زقاق المدق، الطريق، القاهرة 30، خان الخليلي، قصر الشوق، السمان والخريف، ميرامار، السراب، ثرثرة فوق النيل، السكرية، الشحاذ، الحب تحت المطر، الكرنك، عصر الحب، الشيطان يعظ، وكالة البلح، قلب الليل، الحب فوق هضبة الهرم.

العمل الذي اعتبره النقاد والدارسون “جوهرة التاج وواسطة العقد” في المنجز الروائي لنجيب محفوظ الذي مسح قرابة القرن من تاريخ القاهرة، هو الثلاثية الشهيرة التي تضم “بين القصرين”، و”قصر الشوق” و”السكرية”، وقد كتبها محفوظ بين عامي 1956 و1957، علما أنّ نيله لجائزة نوبل للآداب عام 1988، كان عن مجمل أعماله التي قالت عنها الأكاديمية السويدية في حفل التتويج إنها “تخاطبنا جميعا”.

نتوقف عند رواية “بين القصرين” التي تناولتها السينما عام 1962، تحت نفس الاسم، وكانت من إخراج حسن الإمام، وذلك لما تمثله من قيمة توثيقية أرّخت لثورة العام 1919 وكل ما حملته من تحولات اجتماعية وسياسية، يُراهن عليها في تأسيس وعي جديد كان بإمكانه أن يُشكل نهضة حقيقية، تُقيم القطيعة مع موروث مهترئ، وترنو إلى الالتحاق بركب الحضارة الحديثة في تلك المرحلة المفصلية من تاريخ مصر والمنطقة.

كل ذلك، بالإضافة إلى القيمة الجمالية والبعد الفني للفيلم الذي لم يكن مجرد محاكاة وترجمة بصرية للأثر المكتوب، بل مجاراة لحركة إبداعية تشق طريقها وسط الكبار آنذاك، حيث تعيش السينما الواقعية مجدها في العالم، وتنتعش حركات التحرر الاجتماعي والسياسي عبر حوامل إبداعية وأساليب تعبيرية تميزت بالجرأة والمصارحة في كشف أسباب الخلل ومواطن التخلف.

كان لدى مصر آنذاك ما لا يمنعها من أن تكون في صفوف الكبار من صناع السينما الواقعية: إرث أدبي وفكري أسس له مفكرون ومثقفون استثنائيون، صناعة سينمائية أقامها “الخواجات” وعلموها لأبناء البلد، بالإضافة إلى جمهور يتفاعل مع كل ما يمسه ويخاطب تطلعاته، ويحترم ماضيه.

ولعل أهم دليل على نبوغ وألمعية هذا الأثر الأدبي، ما قاله المفكر طه حسين في شهادته عن ابن جيله نجيب محفوظ، “أتاح للقصة أن تبلغ من الإتقان والروعة، ومن العمق والدقة، ومن التأثير الذي يشبه السحر ما لم يصل إليه كاتب مصري قبله”.

"بين القصرين" وما بين الحربين

"بين القصرين" فيلم وثق لثورة 1919 وأضاف لها أسئلة وجمالا
"بين القصرين" فيلم وثق لثورة 1919 وأضاف لها أسئلة وجمالا

الفيلم يبدأ بحدوتة مصرية من نسج خيال صاحب الثلاثية، وابن القاهرة الشعبية، دارس الفلسفة الذي أغواه الأدب، وراصد التحولات المجتمعية العميقة من خلال مشربية مصرية تطل منها امرأة على شارع تتقاطع فيه الأهواء والرغبات والطموحات، وينتهي عند مقولة كارل ماركس في أدب رائد الواقعية الفرنسية بلزاك، الذي تأثر به نجيب محفوظ “إنه يساعد على فهم المجتمع أكثر من كتب التاريخ والاقتصاد”.

أسرة السيد أحمد عبدالجواد، إبان الحكم الإنكليزي وقبيل اندلاع ثورة 1919، هي منطلق نجيب محفوظ ومبتغاه في الثلاثية التي ترصد أهم التحولات والصراعات من خلال رب الأسرة الذي يتعامل بصرامة شديدة مع أفراد عائلته، ظنا منه أنه يضبط إيقاعها دون حدوث أي نشاز، فيعيش نوعا من الانفصام يتمثل في قسوته داخل البيت، وجبروته إزاء زوجة خانعة، وانحلاله في الخارج بين أحضان الغانيات، بينما ينقسم ابناه بين واحد يسير على خطى أبيه، وآخر ينضم إلى أحد التنظيمات السياسية السرية، في إشارة إلى تسرب وعي آخر أفرزه هذا البناء الأسري المتصدع بفعل التركيبة البطريركية التي تحكمه، كما ساهمت في صنعه أيضا، تطورات مجتمعية وسياسية خارجة عن إرادة الفرد الحائر داخل الأسرة التقليدية.

السيد أحمد عبدالجواد أو “سي السيد” كما كانت تناديه دائما زوجته الطيبة الخنوعة أمينة، مع أبنائه ياسين، وفهمي وكمال، وشقيقتيهم خديجة وعائشة، شخصيات تؤثث لرواية “بين القصرين” في الفيلم، بكل ما أوتيت من تناقضات ومصادمات، استخدمها نجيب محفوظ لعرض الأحداث ضمن تطورات درامية، لكنها توحي للقارئ والمشاهد بأنها من لحم ودم، وليست مجرد دمى لتجسيد الأفكار كما نلمس في الروايات التي تنزع نحو البعديْن الذهني والتجريدي.

كل الجرعات الدرامية كانت حاضرة، وبالمقدار الذي تقتضيه الضرورة في الشريط: أجواء الملاهي الليلية وما تخفيه من لهو وسهو وتخدير ومؤامرات، تفاصيل الحب البشري وما يعيقه من حواجز ومكدرات، ملاحم وطنية وما يتربص بها من خيبات وخيانات، وتحولات النفس البشرية وما يتخللها من إرهاصات وتوجسات.

لم يغفل الشريط عن مشاهد “الأكشن” كما في اللقطة التي يظهر فيها فهمي وهو يلقي بحقيبة المنشورات إلى مريم فوق السطوح حين حاصره الإنكليز، ويقنع أباه بضرورة الالتحاق بالثورة.

ولم يدع التوثيق التاريخي يفوته حين انتصر الإنكليز على الألمان في الحرب العالمية الأولى، فزادوا استقواء على المصريين، ورفضوا مفاوضات الجلاء، وقبضوا على سعد زغلول، وقاموا بنفيه خارج البلاد، لتقوم ثورة 1919 التي اتحد خلالها الهلال مع الصليب، واستطاعت القوات الإنكليزية إخماد الثورة، وأقامت متاريسها في شوارع الجمالية، ليحبس السيد عبدالجواد في منزله.

كل شيء كان متقنا إلى حد الإدهاش في شريط قام باقتباسه عن الرواية وإعداد السيناريو والحوار له يوسف جوهر، وضم في طاقمه التمثيلي كلا من يحيى شاهين وزيزي البدراوي ومها صبري وعبدالمنعم إبراهيم وصلاح قابيل وآمال زايد، وغيرهم من خيرة ممثلي مصر آنذاك.

لم يقع الزج بأي شخصية خارج منطق الأحداث في الفيلم، كما في الرواية، فكلها تنتمي إلى الشارع المصري في أواخر العقد الثاني من القرن العشرين، بأبناء البلد، وخواجاته ووافديه ومستعمريه من الإنكليز.

لا وجود لشخصية خارج مخيال نجيب محفوظ في الرواية ومزاج حسن الإمام في الفيلم. الكل يتحرك ضمن المسار الذي أُريد له في “بين القصرين”، فلا مكان لليّ الحقائق من أعناقها، ولا وجود لمصير مغتصب.. ومع الكثير من المفاجأة والتشويق والإدهاش.. أليس هذا ما يجب أن تكون عليه رواية جميلة، ويظهر فيه شريط مدهش؟

المصريون بجميع أطيافهم

أعمال نجيب محفوظ "تخاطبنا جميعا"
أعمال نجيب محفوظ "تخاطبنا جميعا" 

المصريون حاضرون بجميع أطيافهم في فيلم “بين القصرين”: الزوج المستبد، الزوجة الخنوعة، الفتاة الحالمة، الشاب المثابر، الصبية المستهترة، المرأة اللعوب، المواطن المتدين، الرجل المخدوع، المحتل المخاتل، المثقف الحالم.. وكثير من الحب الذي قال عنه محمد عليوة، أستاذ الأدب العربي في جامعة القاهرة إنه “جعل المجتمعات أفضل، حتى لو كان هذا الحب يحدث على استحياء ورغما عن عادات المجتمع المصري، الذي كان ينظر إلى الحب باعتباره عيبا كبيرا في تلك الحقبة”.

أما عن خفة الدم المصرية التي لم ينتبه إليها قراء ونقاد كثيرون، فقد قال عنها الشاعر نجيب سرور، بعد مشاهدته للفيلم وقراءته للرواية “إني أعيب على جميع النقاد عدم انتباههم إلى الكوميديا الواضحة والبارزة جدا في ثلاثية محفوظ، وأدهش من أن خط الكوميديا فات كل نقادنا رغم كونها طابعا أصيلا للمزاج المصري الذي لا تستوقفه إلّا النكتة الصارخة غير المعتادة”.

“بين القصرين” كان فيلما “مصريا جدا” وواقعيا إلى حد اعتبار كاتب روايته “بلزاك العرب”، ولربما تفوق على هذا التصنيف، ابن حواري القاهرة التي لم يغادرها حتى في احتفالية نوبل، وبعث من يستلم الجائزة نيابة عنه، وضاهى إيميل زولا في انطباعيته، ونافس مدرسة الروائيين الإنكليز الإدوارديين مثل كلزورذي، وبنيت، وغيرهما.. فلماذا تسكننا عقدة المقارنات ونحن من جعل جائزة نوبل تتكلم لسانا عربيا فصيحا، وبلكنة مصرية؟

تحرر المرأة

المصريون يحتفلون هذا العام بالذكرى المئوية لثورة 1919، ولهذا التاريخ الذي اختاره نجيب محفوظ منطلقا لروايته، وجعل منه حسن الإمام خلفية لشريطه السينمائي، دلالة لا لبس فيها على بروز المرأة المصرية كفاعل ومحرك لتلك الانتفاضة التي تجاوزت مجرد الاحتجاج السياسي ضد المستعمر الإنكليزي كي تلامس الثورة على بنى اجتماعية متسلطة يهيمن فيها الذكر على الأنثى ويعتبرها من متاعه الخاص.

وفي هذا الصدد يقول المفكر محمد فريد في مذكراته “هذه الحركة لم تكن في الحسبان، وإن ما أظهره المصريون من التضامن والاتفاق ما كان أحد يحلم به، خصوصا اشتراك السيدات في المظاهرات والاتفاق بين الأقباط والمسلمين”.

استند شريط “بين القصرين” على حائط متين اسمه رواية لنجيب محفوظ، مع كل ما تمثله من أسباب نجاح على صعيد الطرح والمعالجة والتشويق، لكنه بنى نجاحاته أيضا على مرحلة كان فيها النضال النسوي في مصر في أوجه عطائه قبل الانتكاسات التي لحقت به في ما بعد، عقب صعود التيارات السلفية المتشددة، والتي شيطنت المخرج حسن الإمام، وحاولت اغتيال الكاتب نجيب محفوظ عقب الحادثة المعروفة في “ليلة السكاكين الطويلة” كما أسماها محبوه.

لا يوجد عمل قدّم المرأة، دون زيادة أو نقصان، كما قدّمها فيلم “بين القصرين” الذي حظي برقم قياسي من المشاهدة رغم نخبوية الرواية. وهي معادلة تكاد تكون مستحيلة أو نادرة في تحويل رواية إلى فيلم، أي نزعها من بين أكف القراء في الصالونات، وإشاعتها فيلما جماهيريا في الصالات.

يرى الناقد والأكاديمي المغربي مصطفى البورسعيدي، أن نجيب محفوظ، يبرز في “بين القصرين” صورة المرأة المصرية “بكل ندوبها وأوجاعها مع الحفاظ على التطور التاريخي في بناء هذه الصورة”، مضيفا أنها “تخدم الرواية من جهة، وتكشف جوانب من مراحل تطور المجتمع المصري والعربي من جهة أخرى، فالمرأة هي أم وزوجة وابنة وخادمة ومنحرفة أي أنها نماذج بشرية للمجتمع من وجهة نظر نسائية ملمة وصحيحة”.

أما الكاتبة ماجدولين الرفاعي، فتلقي بتساؤل مربك، لكنه قد يكون مشروعا من خلال قولها في معرض تناولها للمرأة في الفيلم، والرواية على حدد سواء “المرأة القديرة والقوية في هذه الثلاثية هي حماة بنات سي السيد، وهي غير عربية، وكانت لها كلمتها باعتبارها سليلة باشاوات العصر ولا أدري ما هو مدلول كونها غير عربية، وهل يشير هذا إلى تفوق المرأة الأجنبية في حينها عن المرأة العربية المقهورة؟”.

الواضح أن نجيب محفوظ قد حسم أمره في الرواية، والتحق به حسن الإمام في الفيلم ليبيّن الاثنان أن النموذج الغربي هو الأمثل لتحرير المجتمع من سلطة الرجل الذي يعامل زوجته كجارية، وربط العمل في نسختيه الأدبية والسينمائية، التحرر السياسي بالتحرر الاجتماعي، مؤكدا أن الشعوب لا يمكن لها أن تتحرر وتحلق بجناح واحد بل باثنين متوازيين متكافئين هما الرجل والمرأة.

الأكاديمية السويدية حاولت هذا العام “تأنيث الجائزة” ومنح الكتابة النسائية مساحة أكبر للتعبير عن نوازعها منذ أزمنة بعيدة، لكن الفائز بجائزتها عام 1988 تفطن لهذا الأمر قبل أصحابها والمشرفين عليها فأتاح لبياض ورقه أن تحتله النساء بكل اختلاجاتهن وحسراتهن وزفراتهن في الشرق الحائر. ألا يستحق ابن القاهرة الضحوك الباسم تكريما مرة أخرى؟

16