مصالحة أم تفاهمات فلسطينية

الاثنين 2017/11/27

النتائج التي أفرزتها جولة ما يسمى بـ“المصالحة” بحضور 13 حركة وفصيلا فلسطينيا في القاهرة الأسبوع الماضي، كانت مخيبة للآمال، فلم تسفر عن تقدم حقيقي في الملفات التي توافق على مناقشتها المتحاورون، وكادت هذه الجولة تنسف الخطوط العريضة التي تفاهمت عليها حركتا فتح وحماس في الجولة السابقة.

النظر إلى تفاصيل المناقشات حول القضايا الخلافية يؤكد أن الهوة بعيدة بين الحركتين، وتقل أو تزيد مع الفصائل الأخرى، والدليل أن فكرة تمكين الحكومة الفلسطينية في غزة لم تحقق سوى 5 بالمئة حتى الآن.

الخطورة أن عودة الحكومة لإدارة المؤسسات الرسمية في القطاع صاحبتها ضجة كبيرة، من الحركتين والوسيط المصري، ما أوحى للبعض بأن غالبية النقاط الخلافية جرى تجاوزها، وأن السلطة الفلسطينية تستعد لرفع عقوباتها على غزة، وحماس لإزالة ممانعاتها تماما لتتولى الحكومة جميع المهام الأمنية والإدارية.

عند المحك الأول للحديث عن التمكين في جولة 21 نوفمبر الحالي الموسعة في القاهرة، بدا التناحر واضحا، وكل طرف لا يزال محكوما بهواجسه تجاه الآخر، ما اضطر جهاز المخابرات العامة المصري إلى فض جولة بلا وفاض قبل يوم من موعدها. وهو ما ترك انطباعات بأن البون الشاسع يذكر باتفاقيات المصالحة التي توصل لها الطرفان خلال السنوات الماضية، في القاهرة وجدة والدوحة، وفشلت عند التنفيذ لأن كل طرف لديه قدر من عوامل القوة يمكنه من وضع العصي بين العجلات عند اللزوم.

المشكلة أن هناك خلطا سائدا بشأن المصالحة والتفاهمات بين فتح وحماس، فالخطاب الرائج يستخدم كلمة مصالحة ولا أعلم هل هي على سبيل التفاؤل أم الجهل؟ لكن في الحالتين هناك خطأ يقع فيه معظمنا فمن الصعوبة أن تحدث مصالحة بين الحركتين في ظل توجهات مختلفة ومرارات تاريخية وميراث مليء بالدم.

المصالحة تقتضي نوايا صافية وطي سجل الخلافات والتسليم بشرعية القيادة الواحدة التي تملك رؤية سياسية وأمنية واقتصادية تريد تطبيقها على الجميع، وتكون النتائج التي تفرزها الانتخابات المعيار الرئيسي، أما أن تكون هناك أكثر من سلطة وأكثر من قوة مؤثرة في الحياة العامة، فهذه ليست مصالحة بالمعنى الفعلي للكلمة.

ربما تعودنا تضخيم بعض المصطلحات، وربما من يديرون الحوار لديهم قناعات بأنها آتية بلا ريب أو لديهم من الأدوات ما يمكنهم من ممارسة ضغوط تجبر الحركتين على قبول التصالح، وهنا تبدو المصالحة المجازية مشكوكا في ثباتها، فأبسط عوامل استمرارها يتعلق بإيجاد مساحة جيدة للقناعات المشتركة. المنطقي أن نصف ما يجري من حوارات فلسطينية، على أنها تفاهمات مؤقتة لزوم الضرورة السياسية، فلو أن أيا من الحركتين تملك الكثير من أسباب القوة وفرض الإرادة على الآخر لكانت المصالحة مع الطرف الأضعف مفهومة، لأنه سيكون مضطرا للتسليم بجزء كبير من رغبة الأول.

كما أن اللعبة الديمقراطية لم تكتمل حلقاتها، والتي تعد أحد أهم مداخل المصالحة، وكل طرف يقبل بنتائجها طالما عملت لصالحه، وينقلب عليها عندما يمتلك قوة استثنائية أو يجد نفسه مهزوما فيلجأ إلى هدم المعبد، ولعل ما قامت به حماس من عمل مسلح في 2007 بعد عام من إجراء انتخابات المجلس التشريعي، يكشف إلى أيّ درجة الانقلاب أسهل من المصالحة.

الشمول عنصر مهم في المصالحة، مع ذلك يظل غائبا في ما يجرى من حوارات متقطعة بين فتح وحماس، ففي كل مرة يتم الحديث عنها وكل حركة تتمسك بخطابها وثوابتها، ونظرتها للأخرى لم تتطور، فهل من الممكن أن تكون هناك مصالحة برؤيتين متصادمتين؟

التفاهمات يمكن أن تحدث بشأن قضية فرضتها ضرورة معينة، وتنفض بمجرد انتهاء الأسباب التي دفعت إليها، وهي الأدق في حالة فتح وحماس، وتتطلب تنازلات متبادلة، ولا يمكن لطرف أن يأخذ كل شيء دون أن يعطي شيئا، وطالما وافق على التفاهم من الواجب أن يكون مستعدا لمنح الآخر شيئا قريبا مما حصل عليه.

التوازنات التي تنطلق منها أي تفاهمات تستوجب مراعاة المخاطر التي تمر بها القضية الفلسطينية، فليس من مصلحة فتح جني مكاسب آنية وحشر حماس في زاوية ضيقة لتحصل منها على ما تريده، في وقت تتعرض فيه السلطة لتآكل وضغوط كبيرة من جانب إسرائيل والولايات المتحدة.

من المصلحة وجود حماس على يمين فتح للمناورة بها، على غرار الطريقة التي درجت بها الحكومات المتعاقبة في إسرائيل على إدارة العلاقة بين ما يسمى بتيار المعتدلين والمتطرفين، فهي تناور بهؤلاء وتكبح بهؤلاء. في الأجواء الراهنة لا يمكن أن تكون حماس العنوان الرئيسي للقضية الفلسطينية، فتعقيدات المشهد الدولي لن تسمح لها بالصدارة، بالتالي لن تستفيد كثيرا من تشددها في الحوار مع حركة فتح التي تتحكم في دفة الأمور بالسلطة الفلسطينية.

التفاهم المشترك في هذه اللحظة يمثل عاصما لكل من فتح وحماس، من غوايات السلطة والضغوط التي تأتي من خارجها، ويفرمل التضخم المعنوي الذي يمكن أن ينتاب أي حركة تستشعر بامتلاكها فائضا من القوة السياسية أو العسكرية.

الأزمة تكمن في وجود ارتياح لحالة الاستقطاب بين الحركتين، فهناك أطراف داخل كل حركة ترى في السيولة مخرجا مناسبا وحلا للكثير من مشكلاتها، وتعتقد أن التفاهم له روافد سلبية على مصالحها، لذلك تعمد للتشدد كلما تشدد الطرف الآخر، بينما التفاهم يحتم المرونة، ولأن الحريصين عليها ليسوا بالكثافة فمن الطبيعي أن تنهار عند أول مطب.

ناهيك عن وجود قوى خارجية، أبرزها إسرائيل، ترى في الانقسام عنصرا مهما تجني من ورائه فوائد عدة، ويجعلها غير مضطرة للدخول في تسوية سياسية قد تجبرها على التخلي عن أجزاء من الأراضي التي تحتلها وتوقف الاستيطان، وتتعرض حكومتها لضغوط المستوطنين.

الفائدة التي تجنيها تل أبيب تجعلها تنتفض عندما تجد التفاهم بين فتح وحماس دخل مرحلة متقدمة، وتتحدث عن عقبات أمام فرص مشاركة حماس في الحكومة الفلسطينية، وتفتح ملفات قديمة ومثيرة، وتحرض الولايات المتحدة على التلويح بغلق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وهكذا تتوالى معالم الضغط بأشكال وألوان مختلفة.

كل ذلك لن يجدي نفعا إذا قررت القوى الوطنية الوصول إلى تفاهمات مشتركة تمهد الطريق أمام مصالحة حقيقية مستقبلا، وهي المدخل الطبيعي لعودة القضية الفلسطينية إلى مسارها واحتلالها الصدارة.

كاتب مصري

9