مصالح مشتركة تعيد الدفء إلى العلاقات الأميركية الأوروبية

التوتر الأميركي الإيراني والاختراق التركي الروسي للأزمة الليبية وحماية مضيق هرمزعلى رأس الملفات التي حركت العلاقات المجمّدة بين أوروبا وواشنطن.
الأربعاء 2020/01/22
بعد الجفاء عاد الود

أملى عدد من التطورات الإقليمية والدولية إعادة الدفء إلى العلاقات بين واشنطن والعواصم الأوروبية بعد أن عرفت جفاء غير مسبوق في السنوات الأخيرة. وكان مؤتمر برلين بشأن الأزمة الليبية فرصة هامة للوقوف على هذا التطور اللافت حيث فهم من تماهي مواقف واشنطن في المؤتمر مع التصورات الأوروبية على أنه بداية صفحة جديدة توّجت أيضا بقرار الاتحاد الأوروبي إرسال قوات عسكرية إلى مضيق هرمز لحماية الممرات البحرية في منطقة الخليج ولتأمين سير الملاحة الدولية.

 باريس - عجّل الكثير من التطوّرات في الفترة الأخيرة ببداية إعادة العلاقات الأميركية – الأوروبية إلى مكانتها الطبيعية بعدما اهتزت في السنوات الأخيرة على خلفية العديد من الملفات المتراكمة خاصة منذ صعود الرئيس دونالد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة.

وعلى رأس الملفات التي حرّكت العلاقات التي بدت مجمّدة نوعا ما بين حليفين تقليديين تصاعد التوتر الأميركي الإيراني من جهة وكذلك الاختراق التركي الروسي للأزمة الليبية من جهة ثانية.

وقالت مصادر دبلوماسية أوروبية في هذا الصدد إن المنظومة الغربية تعمل على إعادة تنظيم صفوفها لمواجهة استحقاقات كبرى تتعلق بمصالحها حيال التحديات التي تصاعدت في الآونة الأخيرة من قبل روسيا وتركيا وإيران، وأن عواصم الحلف الغربي تكثف اتصالاتها البينية لترميم التصدعات التي ظهرت في السنوات الأخيرة في علاقة الولايات المتحدة مع الاتحاد الأوروبي وكندا والحلف الأطلسي.

ومنذ تقلّد الرئيس ترامب منصب الرئاسة في بلاده عرفت العلاقات الأوروبية – الأميركية تصدّعا غير مسبوق أرجعه الكثير من الملاحظين إلى سياسة ترامب القائمة على شعار “أميركا أولا”، حيث فهم من خلال العديد من الإجراءات الاقتصادية التي اتخذها ضد دول أوروبية أن هدفها هو إضعاف أوروبا تمهيدا لتفكيك الاتحاد الأوروبي ما حتّم على باريس وبرلين التحدث عن جبهة أوروبية موسعة أو جيش أوروبي يحافظ على وحدة الاتحاد.

كما تصاعد التوتر خاصة مع ألمانيا، حين أثار ترامب في أكثر من مرة مشاكل تمويل حلف شمال الأطلسي (الناتو).

الغرب يعمل لإعادة تنظيم صفوفه لمواجهة استحقاقات تحكمها المصالح وتصاعد التوتر مع روسيا وتركيا وإيران

وأوضحت هذه المصادر الدبلوماسية أن الموقف الواحد الذي اتخذته واشنطن والعواصم الأوروبية الأخرى داخل مؤتمر برلين، الأحد، المعني بالشأن الليبي، يكشف عمق التضامن الغربي لوضع حد لاختراق روسيا وتركيا للخطوط الحمر المتعلقة بالفضاء الجيوسياسي لأوروبا من جهة، كما العبث بالنظام الدولي الذي تحرص الولايات المتحدة على عدم اهتزاز قواعده لما لذلك من تهديد للزعامة الأميركية في العالم من جهة ثانية.

ولفت خبراء في الشؤون الاستراتيجية إلى أن تحرك حلفاء الولايات المتحدة، لاسيما أوروبا وكوريا الجنوبية، والتحاقهم المفاجئ بالقوة الأميركية لمراقبة مضيق هرمز، يكشف عن تحولات كبرى داخل المنظومة التي تتصدّرها الولايات المتحدة في العالم بعد حالة من الضبابية والتردد اتسمت بها خطط الحلفاء في الاستجابة لدعوات واشنطن المتكررة لتشكيل تحالف دولي لحماية الممرات البحرية في الخليج وتأمين حسن سير الملاحة الدولية، أو حتى تشكيل تحالفات أخرى مستقلة عن واشنطن لتحقيق نفس الغرض.

ويأتي مؤتمر برلين كمقدمة لسلسلة إجراءات وتدابير سياسية وعسكرية سيتخذها الاتحاد الأوروبي لوقف الحرب في ليبيا. ونقل عن مصادر أوروبية في بروكسل أن الدول الأساسية في أوروبا تدفع باتجاه استعادة زمام المبادرة في الشأن الليبي بعد أن أحرجها مستوى الاختراق الذي تطمح تركيا وروسيا إلى تحقيقه داخل الحديقة الخلفية لأوروبا.

ولفتت هذه المصادر إلى أن موافقة الولايات المتحدة، التي لطالما أظهرت عدم اكتراث بالشأن الليبي، لاسيما منذ مقتل سفيرها في بنغازي عام 2012، على المشاركة في مؤتمر برلين على مستوى وزير الخارجية مايك بومبيو يعتبر تحولا في سياسة واشنطن حيال ليبيا وحيال أوروبا كما حيال روسيا وتركيا. ورأت المصادر أن الولايات المتحدة تظهر تضامنا كاملا مع حلفائها الأوروبيين وتمنح مساعيهم غطاء أميركياً كاملاً وجب على موسكو وأنقرة إدراكه.

وأشارت مصادر دبلوماسية فرنسية إلى أن الأوروبيين استدعوا، من خلال ألمانيا والمستشارة أنجيلا ميركل، بقية الدول المعنية والمنخرطة بالشأن الليبي لتبليغهم أنهم في النقاش حول سبل وقف الحرب في ليبيا إنما يناقشون مسألة أوروبية وليس فقط مسألة ليبية، وأن خيار إنهاء الفوضى في ليبيا هو استراتيجي بالنسبة إلى الأوروبيين ومرتبط بشكل مباشر بأمنهم ومصالحهم الاستراتيجية، وأنه على تركيا وروسيا أن تفهما أن قواعد اللعبة قد تغيرت، وأن خططهما تشكل تحديا تاريخيا غير مسبوق وغير مقبول داخل المجالين الأمني والاقتصادي للاتحاد الأوروبي.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يبدو أنه فهم الرسالة جيداً
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يبدو أنه فهم الرسالة جيداً 

ويعتقد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد فهم الرسالة جيداً وهو مدرك أن تجاوز أوروبا والولايات المتحدة لخلافاتهما وقرار الرئيس دونالد ترامب وقف العقوبات الجمركية التي هدد بها ضد المنتجات الأوروبية، يكشف تموضعا غربيا مستجدا ضد أيّ تمدد روسي باتجاه ليبيا.

ونقل عن خبراء عسكريين أوروبيين أن دول الاتحاد لن تقبل احتمال انتشار قواعد عسكرية روسية على الشواطئ الليبية تجاه الشواطئ الأوروبية، وأن الخيار العسكري الذي لمّح إليه جوزيب بوريل، منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، بات واردا لفرض خطة سلام في ليبيا توقف تدخل روسيا وتركيا في هذا البلد.

ويرى متابعون للشؤون التركية أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد أخذ علماً في برلين بالتغيير الذي طرأ على المزاج الغربي العام، الأوروبي الأميركي، حيال مقاربة الأزمة الليبية، لاسيما لجهة اعتبار الأوروبيين أن ليبيا هي داخل المجال الأوروبي، وأن خيارات تركيا في هذا البلد هي تدخل في شؤون تمسّ مصالح أوروبا مباشرة.

ويلفت هؤلاء إلى الاتهامات الواضحة والمباشرة التي وجهها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تركيا بإرسال مرتزقة إلى ليبيا، وأن ماكرون عبّر بذلك عن أجواء أوروبية اطّلع عليها أردوغان في برلين.

الاتحاد الأوروبي يقرر إرسال وحدات عسكرية إلى مضيق هرمز
الاتحاد الأوروبي يقرر إرسال وحدات عسكرية إلى مضيق هرمز

ويؤكد باحثون في شؤون الأمن في أوروبا أن دول الاتحاد مضطرة إلى تجاوز تناقضاتها الداخلية للرد على الخطر المشترك الذي يتهددها جراء الحرب في ليبيا.

وتتخوف العواصم الأوروبية من أن يصبح الإرهاب بأشكاله المختلفة، لاسيما من خلال القاعدة وداعش، مطلا مباشرة على أوروبا من خلال ليبيا، وأنها لا يمكن أن تتساهل مع محاولات أردوغان للضغط على الاتحاد من خلال الدفع بالمهاجرين أو استقدام إرهابيين. وتعتبر العواصم أن الحرب في ليبيا تهدد انسياب الغاز إلى أسواقها كما تربك مشاريع التنقيب عن الغاز وتوزيعه والتي تنخرط بها مباشرة دول أعضاء داخل الاتحاد الأوروبي، مثل قبرص واليونان، وتستثمر به شركات أوروبية.

ويربط محللون بين الموقف الأميركي المساند لمؤتمر برلين وأوروبا وقرار الاتحاد الأوروبي إرسال وحدات عسكرية إلى مضيق هرمز.

ويقول هؤلاء إن هذا التطور الأوروبي ينعطف على مواقف متشددة أعلنتها الدول الأوروبية الموقّعة على اتفاق فيينا لعام 2015 (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) ضد إعلان إيران التخلي عن التزاماتها في الاتفاق النووي، وأن إعلان هذه الدول عن تفعيل آلية فض النزاعات داخل هذا الاتفاق، يذهب بأوروبا نحو الاقتراب من موقف واشنطن ضد إيران. ويخلص هؤلاء إلى أن إرسال وحدات أوروبية بحرية إلى مضيق هرمز مدعومة بوحدات من كوريا الجنوبية يوجه رسائل جديدة إلى إيران بشأن تحول موقف أوروبا وتضامنها الكامل مع الولايات المتحدة على النحو الذي كان عليه الحلف الغربي قبل عقود.

6