مصانع الامتحانات

الجمعة 2017/11/24

إلى أين يتجه التعليم في البلدان العربية؟ سؤال ربما لم يرد على أذهان المعلمين والأولياء، ولم تطرحه الكثير من الحكومات العربية في مجالسها الدورية، إلا أن الإجابة عليه تبدو واضحة، فلو تمعنا مثلا في واقع المؤسسات التعليمية وما أصبح سائدا فيها، لأدركنا أن المنظومة التعليمية برمتها متجهة نحو الانهيار القيمي والإفلاس التعليمي.

يكفي أن نشير إلى ما أصاب علاقة التلميذ بالمعلم من شرخ عميق، يصعب علاجه، إذا لم تتكاتف جهود الأولياء والمربين والحكومات لرد الاعتبار للمعلم وإحياء الرغبة في التعلم لدى النشء.

من المؤسف أن تهل علينا الأخبار من معظم البلدان العربية لتشعرنا بالحزن والتأسي على ما وصل إليه التنكيل والتعنيف للمربي، الذي كان له الفضل في إنارة عقولنا بنور العلم، وتأثيره يمتد في كامل حياتنا.

لماذا أصبح المعلم “كبش فداء” للتدهور الأخلاقي في المجتمع وانحدار القيم العائلية والتأثيرات السلبية لمناهج الدراسة والفساد المستشري في المجتمعات بشكل عام.

هذا الخلل القيمي والانحدار الأخلاقي، اللذان بلغ تأثيرهما حد تعنيف مربي الأجيال وهدر كرامته على مرأى ومسمع من تلاميذه، ليسا ناتجين فقط عن تخلي الأسرة عن مسؤولياتها التربوية تجاه أبنائها، بل وأيضا لأن المدارس فقدت دورها في تعليم التلاميذ القيم والمبادئ التي تدعم ما يتعلمونه في منازلهم.

المدارس لم تعد بيئة صالحة للتعليم، بسبب عدد لا حصر له من المشاكل القيمية والتعليمية العميقة الجذور التي أثرت على جودة التدريس، وجعلت التلاميذ والمدرسين على حد سواء واقعين تحت ضغوط شديدة ينفسون عنها بالعنف المتبادل.

"التعليم شيء رائع فعلا، لكن من الجيد أن نتذكر من وقت لآخر، أن جميع الأشياء التي تستحق لا يمكن لأحد أن يُعلِّمها لك"، مقولة للروائي الأيرلندي أوسكار وايلد، ذكرتني بأن التعليم في بلداننا العربية لم يعد يمنح خريجي الجامعات المهارات المجدية التي تستحق أن يقضي الإنسان من أجلها أكثر من نصف عمره تحت ضغوط مصانع الامتحانات، ويحصل بعد هدر سنوات طويلة على شهادة لا تعادل الاختصاصات المطلوبة في سوق الشغل.

الدول التي تحتل الصدارة على المستوى العالمي من حيث جودة التعليم حققت قفزات نوعية على جميع الأصعدة، وخلال فترات زمنية وجيزة أصبحت من الدول الأكثر تطورا ورخاء رغم افتقارها للثروات الطبيعية، وذلك بفضل جودة ورقي أنظمة التعليم فيها.

الحكومات في سنغافورة واليابان والصين وغيرها تدرك أن التعليم أساس التنمية وتؤمن بأنه جزء لا يتجزأ من مبدأ العدالة الاجتماعية، لذلك فإنها تحرص على وضع مناهج دراسية قادرة على ضمان القوة العاملة التي يحتاجها أرباب العمل، فتركز على المهارات المطلوبة، وتدعم التلاميذ الذين في حاجة إلى المساعدة لإتاحة الفرصة لهم لإبراز مواهبهم.

لكن أغلب الحكومات العربية لا تعتبر التعليم جزءا من مجتمع يتغير، ولا تنظر له على أنه حق بل امتياز، ومثل هذه العقلية المتوقفة في الزمن حوّلت المدارس والجامعات إلى مجرد مختبرات للامتحانات دمرت العملية التعليمية وأفقدت الكثيرين الرغبة في التعلم عوض أن تجعلهم يتعطشون إلى المعرفة لبقية حياتهم.

التعليم الجيد حق تكفله أغلب دساتير الدول في العالم، لكن من المؤسف أن من هضم حقه في التعليم الهادف والمثمر، لا يمكنه رفع قضية أمام القضاء في مجتمعاتنا العربية للمطالبة بتعويضه عن سنوات عمره التي أهدرها في الدراسة هباء.

صحافية من تونس مقيمة في لندن

21