مصانع الثلج مورد رزق بارد تدفئه حرارة الكادحين في مصر

الاثنين 2015/02/02
دراسات علمية حديثة أكدت أن للثلج فوائد طبية عديدة

القاهرة- بالرغم من وجود أجهزة حديثة في المنازل والمطاعم والفنادق للتبريد، إلا أن صناعة ألواح الثلج ما زالت ضرورية، فهي رائجة صيفا وشتاء، لكن تلك الصناعة قد تكون غامضة، ولا يعرف كثر شيئا عنها، غير تلك الألواح الثلجية التي تخرج إليهم أحيانا محمولة على الأكتاف.

مصانع الثلج رغم ضخامتها، إلا أنها لا تشغل عددا كبيرا من العمال، إذ يكفي لتشغيل مصنع واحد، ما بين ثلاثة وستة عمال، لا يعوقهم الطقس شديد البرودة من النزول إلى المصنع وأداء عملهم البسيط، الذي يعتمد على المياه العذبة، وبعض الماكينات، ومواد خاصة بالتبريد، وهي نفس فكرة الثلاجة، لكن بطريقة مكبرة.

محمد خليفة، مهندس تبريد بأحد مصانع الثلج في مصر، قال لـ“العرب” إن الماء المتواجد في المصنع فيه ملوحة حتى لا يتجمد، والمبرد يقوم بتبريد هذا الماء الذي يندفع بعد ذلك إلى الحوض ليلامس الشكات المتراصة (مجموعة من القوالب الحديدية بأبعاد لوح الثلج المراد تصنيعه)، وعددها نحو 28 قالبا توضع في صف واحد، من خلال قضيب حديدي عند فوهاتها، وتملأ بالمياه للتبريد (البريم)، وما إن تتجمد تفرغ من الثلج، ويعاد ملؤها بالماء مرة ثانية، بواسطة ما يسمى بالونش.

ويتكون المصنع من صالة كبيرة تسمى “العنبر”، وهي عبارة عن غرفة كبيرة الحجم، ويشغل المغطس (حوض الماء) تسعين بالمئة من مساحة العنبر، وعمقه يقارب المترين ليتسع للمبرد (السربنتينة) الذي يوضع في مكان مخصص داخل الحوض.

الثلج مطلوب صيفا وشتاء وتستغرق عملية التجميد نحو ثماني ساعات

العم عبدالقادر، ويطلق عليه “الوناش”، أوضح لـ“العرب” أنه يعمل في هذه المهنة منذ أكثر من عشرين عاما، ومعاناته لا تكمن في البرودة التي تتخلل أوصاله، إنما في رائحة النشادر الذي يستخدم في تصنيع قوالب الثلج. ويقوم “الوناش” عند تجمد الثلج، بانتشال قالب الثلج الأول بواسطة “الونش” ويتحرك به نحو الطرف الآخر، ثم يتم تغطيسه في حوض آخر، يتسع لقالب واحد فقط، به ماء عذب درجة حرارته عادية، ليتم فصل الثلج عن جدران القالب، وتفريغه على رفوف خشبية لتسويقه.

وعن الرفوف الخشبية التي تغطي سطح حوض الماء، قال العم حسن الذي يعمل في المصنع لـ”العرب”، إنها تقوم بتسهيل الحركة فوقها، وصيانة الماء في القوالب من التلوث، إلى جانب الحفاظ على جو التبريد داخل الحوض، لافتا إلى أن عملية تحويل الماء إلى ثلج تستغرق نحو ثماني ساعات، وفي فصل الشتاء يتم إنتاج نحو 1500 قالب ثلج، بينما يصل الرقم إلى 4200 قالب في فصل الصيف، ومع ذلك يبقى السعر ثابتا، على مدار العام، ويبلغ نحو 35 سنتا للقالب، أو البلاطة كما يطلقون عليها. وتعد القفازات والحذاء ذو الرقبة العالية، والبدلة البلاستيكية التي تلبس من الداخل، من أهم الألبسة الوقائية التي يحمى بها العامل نفسه من الصقيع الذي يحاصره من كل جانب، فدرجة الحرارة تصل إلى أقل من خمسة درجات تقريبا، فضلا عن الرطوبة التي تنال من الجسد، ومع ذلك فالعامل لا يبالي بالبرودة، فأثناء الانهماك في عمله يبدو كأنما يشعر بالحرارة.

الشيخ أسامة، عامل بأحد مصانع الثلج منذ ثلاثين عاما، قال لـ“العرب” إنه يعمل في هذه المهنة ليس من أجل العائد المادي فقط، لكن لأن لديه اعتقادا بأن الثلج يطرد الشيطان الذي يجري في الدم مسببا الأوجاع، فوفق رأيه بما أن القرآن أكد أن الشيطان والجن مخلوقان من النار، فالماء البارد يؤذيهما ويطردهما من الجسد.

أما العم جمال، بائع ثلج، فلا يرى في الثلج غير مصدر رزق له، فهو يتجول في الشوارع متحديا الأمطار، صحبة عربته الخشبية التي تحمل عشرات الألواح من الثلج لبيعها.

وقال لـ“العرب” إن الإقبال على شراء ألواح الثلج انتعش، خاصة مع أزمة الكهرباء في مصر، ويعتمد في بيع الثلج على بائعي الأسماك طوال أيام السنة، لحاجتهم إلى تبريده على الدوام صيفا وشتاء، لأنه سريع التلف، إضافة إلى مروره على بعض المطاعم التي تستخدم الثلج في حفظ اللحوم والخضار، فأصحابها يشترون الثلج، خوفا من انقطاع الكهرباء، فقالب الثلج يحفظ بضاعتهم يوما كاملا.

صناعة الثلج تعتمد على عدد قليل من العمال وتنتج كميات تتناسب مع متطلبات السوق

ويقول سيد السبكي، وهو طبيب أمراض صدرية، لـ“العرب” إن الثلج له تأثير مباشر على الدورة الدموية لجسم الإنسان، فهو يسبب تقلصا في الأوعية الدموية، وتورما تحت الجلد، وهو ما يقلل من سريان الدم إلى الجسم، خصوصا في اليدين والقدمين، ومن الممكن أن يصاب من يتعرض لبرد شديد بمرض يسمى “عضة البرد أو عضة الغابة”، الذي يولد غرغرينا بالأطراف، خاصة إصبع القدم الكبير، لأنه أبعد نقطة عن الدورة الدموية وعن القلب، وإذا لم يصل الدم إلى هذا الإصبع فإنه يموت ويتحول لونه إلى الأزرق ثم إلى الأسود الذي يعتبر علامة على موته ومن ثمة يتوجب بتره.

أما مروة بديع الأخصائية في أمراض باطنة وقلب فتنصح مرضى السكري، بالابتعاد عن العمل في تلك المصانع لأنهم أكثر الفئات تعرضا لمضاعفات البرد الشديد، لأن الدورة الدموية لمرضى السكري ضعيفة بطبعها، والأوعية الدموية ضيقة، وهو ما يسبب لهم في النهاية قصورا في الشرايين التاجية وضعفا في الدورة الدموية في المخ والدورة الدموية الطرفية، لذلك فهم أكثر الناس حاجة إلى الدفء في فصل الشتاء، وليس إلى البرد الشديد.

وعلى الرغم من أضرار الثلج التي أوضحها الأطباء إلا أن دراسة أميركية حديثة أشارت إلى فوائده، منها أنه يساعد على التخسيس، فأخذ حمام من الثلج لمدة عشر دقائق ثلاث مرات أسبوعيا، قد يفقد الإنسان ثلاثة كيلوغرامات شهريا. ويتم ذلك عن طريق ملء نصف حوض الاستحمام بالماء البارد، مع وضع ثلاثة كيلوغرامات من الثلج فيه، والجلوس لمدة من خمس إلى عشر دقائق، لفقدان الدهون المتراكمة في الجسد.

تصوير: محمد حسنين
20