مصداقية دبلوماسية مغربية أساسها الوضوح والثوابت المبدئية

تتسم الدبلوماسية المغربية بكونها قائمة على جملة من الثوابت المبدئية والأهداف الواضحة، التي لا تخرج عن حيّز احترام الشرعية الدولية. ثوابت راسخة أكسبت المغرب الكثير من المصداقية، ورسخت علاقات الأخوة بينه وبين البلدان العربية وعلى رأسها دول الخليج العربي ومصر، رغم محاولات التشويش الجزائرية الدائمة.
الاثنين 2015/05/18
حرص مغربي خليجي متبادل على بناء علاقات أكثر قوة وثباتا

يفيد التفكير في أداء الدبلوماسية المغربية، خلال العقد ونصف العقد الأخير، أنّ المملكة المغربية حريصة أشدّ الحرص، على احترام جملة من المبادئ في التعامل مع مختلف دول العالم على مستوى علاقاتها الخارجية وتعاملها الدبلوماسي مع مختلف القضايا التي تجد نفسها معنية باتخاذ مواقف بصددها أو المساهمة في التعاطي معها.

كما يحرص المغرب دائما على تحقيق أهداف واضحة، يحددها احترامه لتلك المبادئ، وينظر إليها من زاوية المصالح المشروعة والحقوق غير القابلة للتصرف بالنسبة إليه، خاصة في كل ما يتعلق بمنطقة المغرب العربي والبلدان العربية بشكل عام وبلدان الخليج العربي بشكل خاص، دون إهمال العلاقات المغربية مع مختلف دول العالم. وقد بات من الواضح أنّ الأولوية المغربية في عهد الملك محمد السادس أضحت موجهة للبعدين المغاربي والعربي الخليجي.

الثوابت المبدئية والأهداف

على صعيد المبادئ العامة التي تحكم توجهات المغرب الخارجية وتشكل العمود الفقري لتعامله الدبلوماسي تتجلى جملة من الثوابت تتلخص في:

* أولا، الانطلاق من أن القاعدة في العلاقات الدولية تفترض إعطاء الأولوية لاحترام شرعة الأمم المتحدة في ضبط العلاقات الثنائية والجماعية، بما يخدم تحقيق أمن واستقرار العالم أجمع، وهو أمر لن يتحقق دون إعلاء كلمة القانون الدولي والتزام سيادة البلدان واحترام وحدتها الوطنية والترابية.

* ثانيا، اعتبار أن الأصل في العلاقة بين الأمم والشعوب هو العمل وفق مبدأ توازن المصالح المشروعة وتبادلها بعد الفشل الذريع لمبدأ موازين القوة المطلق الذي ترجمته حروب عالمية وإقليمية مدمرة للاجتماع البشري في أدنى مستوياته، مما أعاد الإنسانية، غداة كل حرب كبيرة، إلى ما قبل إنجازاتها الحضارية.

* ثالثا، الانطلاق من أن المعالجة الدبلوماسية للنزاعات والخلافات الحدودية وغيرها بين مكونات المجتمع الدولي أضمن للتوصل إلى الحلول المتوازنة التي تحقق المصالح المشروعة لمختلف الأطراف، بأقل الخسائر الممكنة، كما أنها مولدة للحلول الشاملة والمستدامة أكثر مما يحققه الاحتكام إلى القوة العسكرية كأسلوب وحيد للتعاطي مع تلك القضايا، رغم ما قد يتحقق من نصر ظاهر لهذا الطرف أو ذاك، لأن ذلك النصر يحمل في طياته عوامل تفجيره الحتمي عندما تأنس الدول المهزومة من نفسها القدرة على العمل على تغيير الواقع الذي فرضته عليها الهزيمة، الأمر الذي يفتح دورة جديدة من دورات الحروب التي لا تنتهي.

ويعمل المغرب من خلال التزامه بهذه الثوابت المبدئية على تحقيق أهداف سياسة خارجية وفق دبلوماسيته تتعلق أساسا بالعمل على حماية أمنه واستقراره والحفاظ على وحدته الوطنية والترابية واستكمالها بتحرير كامل أراضيه المحتلة، شمالا وجنوبا، وترسيم حدوده مع الجزائر بشكل نهائي.

المغرب يعمل على تحقيق أمن المنطقة العربية وخدمة السلم العالمي من خلال التوجه إلى مداخله الحقيقية

ونظرا لحيوية هذا الهدف ومحوريته في العلاقات الخارجية والدبلوماسية المغربية، فإنه يؤثر تأثيرا قويا في مختلف سياساته تجاه الدول الأخرى، اعتقادا منه أن حماية سيادته والدفاع عن مصالحه هو الجواز الحقيقي إلى الفعل على المستوى الإقليمي والدولي، باعتباره عاملا أساسيا في سن سياسات متوازنة تراعي مصالح الآخرين، ولا تعتدي على حقوقهم الوطنية والسيادية. الأمر الذي يضفي المصداقية على مواقف المغرب في مختلف مقارباته للنزاعات الإقليمية والدولية، ويؤهله للقيام بأدوار فعالة في عدد من القضايا بصورة جدية ومنهجية، بالإضافة إلى العمل على احتضان لقاءات الحوار الوطني لإيجاد الحلول الممكنة لنزاعات دموية تهدد وحدة بلدان بعينها مثل ما هو عليه الأمر بالنسبة لليبيا.

كما يعمل المغرب وفق ذات التمشي على تحقيق أمن المنطقة العربية واستقرارها وخدمة السلم العالمي من خلال التوجه إلى مداخله الحقيقية وعدم الوقوع في أسر بعض العوامل الهامشية التي يؤدي منحها الأولوية، على جوهر قضايا النزاع والخلاف، إلى تأجيجها والدفع بها نحو التفاقم والتدهور بدل إيجاد الحلول الملائمة لها.

وتتجلى في هذا الإطار ملامح مقاربة المغرب للأزمتين الليبية والسورية في فترة من الفترات، وخاصة عندما كان المغرب عضوا في مجلس الأمن الدولي.

تعامل سلس مع الأزمات

عادة ما تكون المصالح السياسية ترجمة، بأحد المعاني، للمصالح الاقتصادية في العلاقات بين الدول، غير أن هناك فترات استثنائية يتم فيها كسر هذه العادة لإعطاء الأولوية للمصالح السياسية على ما عداها، بما في ذلك المصالح الاقتصادية، التي تقتضي الحكمة السياسية التضحية بها، ولو مؤقتا، لأنّها لا ترقى إلى مستوى المصالح السياسية في الزمن المنظور، أو لكونها ستعرض المصالح السياسية لصعوبات وتفرض على صانع القرار السياسي تضحيات على مستوى المواقف ستعود عليه، بأضرار لا يمكن للمصالح الاقتصادية الضيقة أن تعوّضها.

هذا ما يمكن استنتاجه من كيفية تعامل المغرب الذي اتسم بالسلاسة مع “شبه الأزمة” التي كادت تندلع بينه وبين مصر، وهو ما لقي صداه لدى الجانب المصري الّذي وازن بين العلاقات السياسية التي تربطه مع المغرب، وما بين المصالح الاقتصادية الكثيرة التي يمكن أن يجنيها في ربط علاقات قوية مع الجزائر على حساب المغرب، خاصة أنّ القيادة الجزائرية لم تخف في مجمل علاقاتها، محاولة الربط بين هذه المصالح الاقتصادية وبين المواقف التي تتخذها الدول من قضية الصحراء المغربية، حيث يطغى أسلوب المقايضة، المفضل لدى الجزائر، على مجمل علاقاتها مع الدول الأخرى، بغاية فرض أطروحاتها الانفصالية .

المغرب حقق اختراقا لصالح عدالة قضية الصحراء المغربية مقابل سحب العديد من الدول لاعترافها بـ"دولة" البوليساريو الوهمية

لكن يبدو أن هذا الأسلوب لم ينجح مع مصر، بعد وصول الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى السلطة، رغم أن الجزائر قد وضعت خطة اعتقدت أنها محكمة لتحقيق تلك الغاية، مفادها توجّه الجزائر إلى بعض وسائل الإعلام المصرية المختلفة، والإنفاق عليها بسخاء، في محاولة لخلق واقع مصري جديد، على مستوى الرأي العام، من حيث الموقف من قضية الصحراء بما يخدم أجندة الجزائر وجبهة البوليساريو الانفصالية.

وفي هذا السياق تم شن حملة منظمة على الموقف المغربي، في عدد من وسائل الإعلام المصرية، وبواسطة عدد من الإعلاميين المصريين تارة، ومن خلال فتح صفحات عدد من الجرائد والمجلات لبعض رموز وقيادات البوليساريو لشن حملات شعواء ضد المغرب.

وقد عملت الجزائر في مرحلة لاحقة على جعل القيادة المصرية تميل إلى التعاطي بطريقة شبه حيادية مع النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية، أملا في التحول إلى موقف الدعم الضمني أو الصريح لأطروحات الانفصال، مما كان سيخلق واقعا سياسيا واستراتيجيا خطيرا على الساحة العربية، حيث ظل للمغرب أصدقاء أقوياء لم تستطع الدعاية الجزائرية، رغم عديد المحاولات، زحزحتهم عن موقفهم الداعي إلى عدم تفتيت الدول العربية، شأن الموقف المصري الثابت منذ افتعال هذا النزاع بمجرّد تحرك المغرب الجدي لاستكمال وحدته الترابية جنوبا، منتصف سبعينات القرن الماضي، وفرض جلاء المستعمر الأسباني عن إقليمي الساقية الحمراء ووادي الذهب.

عامل آخر ساهم في إرباك الخطة الجزائرية لإفساد العلاقات المصرية المغربية، يتعلق بطبيعة التحالفات التي أقامتها مصر السيسي على الساحة العربية في مواجهة تنظيم الإخوان المسلمين مع كل من السعودية ودولة الإمارات، وهما دولتان تربطهما بالمغرب علاقات استراتيجية لا تسمح بترك المجال مفتوحا أمام كل من يرغب في المساهمة في تقويض الوحدة الوطنية والترابية للمغرب، وذلك لم يكن خافيا على مصر.

ثبات العلاقات المغربية الخليجية

حرص المغرب، بشكل أشد قوة وثباتا، على تعميق علاقاته مع الدول الخليجية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة قبل تطبيع علاقاته بدولة قطر التي عرفت مراحل من الجفاء والتوتر خلال عهد أميرها السابق حمد بن خليفة آل ثاني، وتحت تأثير رئيس وزرائها ووزير خارجيتها السابق حمد بن جاسم. ولعل هذا الحرص الذي وجد حرصا مماثلا لدى دول الخليج هو الذي حدا بها إلى الترحيب بالمغرب إلى جانب الأردن داخل إطار مجلس التعاون الخليجي. وهي دعوة تعامل معها المغرب بطريقة مبدئية حين أكّد أنّه متشبّث بانتمائه إلى اتحاد المغرب العربي في الوقت الذي يتطلع فيه إلى تطوير وتعميق علاقات الأخوة والصداقة والشراكة التي تربطه بدول الخليج، وهو بهذا الموقف أكد أن مجلس التعاون الخليجي كما اتّحاد المغرب العربي ما هما إلا إطاران للتعاون بين الدول العربية المنخرطة في الوقت ذاته في جامعة الدول العربية، ولا ينبغي النظر إليهما بأي شكل من أشكال الانعزالية السياسية كما قد يعتقد البعض الذي ينظر إلى تحقيق الوحدة العربية دفعة واحدة، وهي رؤية ثبت عبر المراحل السابقة عدم واقعيتها على مختلف المستويات بل أدت في بعض الأحيان إلى توسيع الشرخ بين الدول العربية التي يبدو أنّ بعضها قد تبنى عن وعي أو من دونه سياسة الكل أو اللا شيء، التي أثبتت أنها عديمة الجدوى في مختلف المجالات.

سعي الجزائر لوضع العصا في دواليب الدبلوماسية المغربية لم يقلل من مكتسبات المغرب الدبلوماسية

وصحيح أنّ المغرب قد ركز جهوده خلال عهد الملك محمد السادس على الشؤون الداخلية للبلاد على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ومباشرة فتح ورشات الإصلاح الشامل في مختلف الميادين، غير أن هذا لم يحل دون اهتمامه بسياسته الخارجية، والعمل على تطويرها، وجعلها تعكس التوجهات الإصلاحية في مختلف المجالات، وفق تصورات واقعية تعطي الأولوية للممكن للبناء عليه في عملية معالجة ما هو معقد وليس العكس. وقد أثمر هذا الأسلوب تطورا ملموسا في علاقاته الخارجية العربية والخليجية بشكل متوازن من منظور مفتوح إلى العلاقات الدولية، ظلّ يشكل الخلفية الأساسية لمقاربة المغرب للمسألة الدبلوماسية وبناء الشراكات الخاصة مع مختلف دول العالم على أساس المصالح المتبادلة والاحترام والندية.

وقد تضاعف بناء على ذلك حجم التبادل التجاري والاستثمارات الخليجية في المغرب العشرات من المرات خلال السنوات الأخيرة، كما قام العاهل المغربي بزيارات شملت دول الخليج العربي توّجت بتوقيع عدد كبير من اتفاقيات للتعاون بين بلدان الخليج والمغرب في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية خدمة للمصالح المشتركة بينها وفي خدمة أمن واستقرار دول المنطقة ومواجهة مختلف التحديات القائمة.

وعلى الرغم من أنّ القيادة الجزائرية لم تدّخر جهدا لوضع العصا في دواليب الدبلوماسية المغربية من خلال ادعاء أن المغرب قد قام بـ”احتلال” الصحراء، غير أنّ هذه الجهود لم تقلل من مكتسبات المغرب الدبلوماسية في مختلف أنحاء العالم والعالم العربي على وجه الخصوص، حيث فقدت أطروحات الانفصال وهجها السابق وأقدمت دول كثيرة على المستوى الأفريقي والعالمي إلى سحب اعترافها بـ”دولة” البوليساريو الوهمية.

ومن الواضح أنّ الموقف السعودي والخليجي الداعم للمغرب في معركته الرامية إلى حماية وحدته الترابية، قد لعب أدوارا وازنة في مختلف المحافل الدولية خلال السنوات الماضية. ولا جدال في أن المغرب قد تعامل بمصداقية وجدية مع كل القضايا الحيوية الهامة بالنسبة للخليج العربي، خاصة تلك المتعلقة بالتهديدات التي تمثلها النزعات التوسعية الإيرانية، وهو ما تجلى من خلال مشاركة المغرب في عملية “عاصفة الحزم” التي تهدف إلى صدّ التمرد الحوثي المدعوم من إيران في اليمن.

7