مصدري الخبري جبان!

الخميس 2014/11/13

عبر لي زميل عربي عن خيبته بالحصول على تصريح من المسؤولين وغير المسؤولين في بلاده، واصفا إياهم جميعا بمبالغة مفرطة بـ”الجبناء”، في إشارة إلى القيود الحكومية التي جعلت حتى الوزراء خائفين من الصحافة.

في كل الأحوال ثمة مساحة معتمة في هذا الكلام، لأن براعة الصحفي تكمن في إيجاد المصادر بل وصنعها، لكن أن تصل القيود الحكومية إلى حد تحويل المواطن في زمن “المواطن الصحفي” إلى جبان! فثمة ما يقلق في هذا الكلام.

سأجد معادلا غربياً في زاوية رؤية زميلي العربي، عبر تعهد وزير الثقافة البريطاني ساجد جاويد بعدم السماح للشرطة بالتسلل إلى سجلات هواتف الصحفيين.

هذا الوزير أكد أمس الأول خلال المؤتمر السنوي لجمعية المحررين على أن الحفاظ على سرية المصادر كان “المبدأ المقدس ” للصحافة الاستقصائية.

لأنه كوزير في دولة ديمقراطية يعتقد مثل أي صحفي آخر “إن الحق في الاحتفاظ بالمصادر المجهولة هو الأساس الذي تقوم عليه الصحافة الاستقصائية”، فالسلطات عليها أيضا أن تتقبل فكرة أن الصحافة وجدت لمنع فساد الحكومات، وهذا يفسر لنا مثلا لماذا الفساد أقل بكثير في بريطانيا منه في بلد زميلي المراسل العربي.

الوزير البريطاني لم يلغ دور الحكومة وهو يتحدث أمام حشد “فليت ستريت” معتبرا إياها بالمساعد عندما يتطلب الأمر تدخلها لمنع مخالفات خطيرة، لكنها لا يجب أن تعيق الصحافة النزيهة والمشروعة، ولا ينبغي لها أن تستخدم التشريع للتجسس على الصحفيين والمراسلين الذين يتحركون على نحو قانوني وحيوي.

لنا أن نتخيل كيف يتعهد وزير الثقافة أمام الصحفيين بأن وزارته ستطلق حملة للحد من أي تدخل من قبل وزارة الداخلية لإعاقة عمل الصحفيين أو التجسس عليهم، مع أن وزير الثقافة ووزيرة الداخلية يجلسان على كراس متقاربة في اجتماع الحكومة وهي تتخذ القرارات في “10 داوينغ ستريت”.

قد يجد زميلي العربي شيئا من الإجابة على اتهامه الوزراء في بلاده بالجبناء وهو يتأمل كلام وزير الثقافة البريطاني.

ومن المفيد هنا ان نعود إلى كلام آلان روسبريدغر رئيس تحرير صحيفة الغارديان الذي سبق وأن طالب أعضاء البرلمان الأوروبي ببذل مزيد من الجهد لحماية الصحفيين، وذكّر بما ذهب إليه مؤسس فيسبوك مارك زوكربرغ حول إخفاق عملية مراقبة الحكومة الأميركية للأنشطة الرقمية على الإنترنت، في تحقيق توازن صحيح بين قضايا الأمن والخصوصية.

قلق روسبريدغر على الصحافة نقله إلى أعضاء البرلمان الأوروبي بقوله “الصحافة هي الطريقة الوحيدة المتاحة أمامكم لإجراء مثل هذه المناقشة، والتي يعلم الجميع أهميتها الآن، ولكن الحكومات نفسها لن تشجعها وكذلك أجهزة المخابرات لن ترحب بها أبداً”.

حدث ذلك قبل أن تصدر محكمة العدل الأوروبية في لكسمبورغ ماسمي بقرار “الحق في النسيان” اعتبرت فيه أن من حق الأفراد أن يحذفوا من نتائج يوفرها محرك البحث غوغل روابط إلى صفحات تضم معلومات شخصية قديمة أو غير صحيحة.

وعندما تعرضت الصحافة إلى مس من رئيس أكبر دولة في العالم، قال “حسنا، الرئيس لم يعمل أبدا في غرفة الأخبار”، هكذا رد روسبريدغر على انتقادات سياسية أميركية، متهمة الصحافة بأنها تغذي القصص الإخبارية الحساسة من أجل الحصول على المزيد منها.

روسبريدغر اعترف بأن باراك أوباما رجل لطيف، لكنه عندما يطوق الصحافة، أو يتهمها بتغذية تداعيات قصص التجسس ويطالبنا بتقنينها، فإنه بالتأكيد يسيء فهم طبيعة الأخبار وهدفها.

الصحافة وفق مفهوم روسبريدغر الذي يعد أكثر رئيس تحرير لصحيفة بريطانية مازال في موقعه، لا تتسول أخبار التجسس كما يعتقد بعض السياسيين.

18