مصريات يحطمن أسطورة المهن الشاقة للرجال فقط

النساء "أسطوات" في النجارة والسباكة وميكانيكا السيارات رغم أنها مهن تحتاج مزيدا من القوة العضلية، وهويدا إمبراطورة لحوم الجمال في القاهرة.
الخميس 2018/03/08
مهنة ورثتها عن الرجال من عائلتها

القاهرة - بعد أن كانت في الماضي القريب حكرا على الرجال، اقتحمت النساء مؤخرا مهنا غير تقليدية أو معتادة في مصر، في خطوة اعتبرها مراقبون “تحديا جديدا تنجح المرأة في اجتيازه”.

وطالما جسدت السينما المصرية منذ خمسينات القرن الماضي طموحات النساء بالعمل في مجالات تقتصر بحكم العادات والتقاليد على الرجال، لكنها لم تصل في تناولها الفني إلى تلك المهن التي خاضت النساء غمارها في مصر مؤخرا.

وتحطيما لأسطورة “للذكور فقط”، اقتحمت النساء بصورة لافتة مؤخرا مهنا مثل الجزارة (القصابة)، والنجارة، والسباكة وميكانيكا السيارات، رغم أن معظمها يحتاج المزيد من القوة العضلية.

 

يبدو أن بعض الثوابت التي ترسخت في المجتمعات الذكورية العربية بالخصوص بدأت تتلاشى، فالمهن التي كانت حكرا على الرجال مثل قيادة الطائرات والرتب العليا في الجيش والأمن أتقنتها المرأة وتبوّأت فيها مناصب عليا، ولم يقتصر تحدّي النساء على الوظائف التي يعتبرها الرجال من اختصاصهم، حيث اقتحمت النساء المهن والحرف الشاقة كالميكانيك والجزارة والتجارة وسياقة وسائل النقل العام، كما تفعل اليوم المصريات اللاتي نجدهن في كل مجالات العمل ليحققن استقلاليتهن ويثبتن أنهن جديرات بالمساواة مع الرجال في الحقوق والواجبات.

وتحتفل الأمم المتحدة باليوم العالمي للمرأة، في 8 مارس من كل عام، غير أن البلاد تحتفل يوم 16 مارس سنويا بـ”يوم المرأة المصرية”، تليها احتفالات شهيرة بعيد الأمومة في 21 مارس من كل عام.

“الطريق إلى الأخشاب مفروش بالأنتيكات” من خلال هذا الممر عبرت فاطمة الشريف (26 عاما) من دراسة نظم وتطبيقات المعلومات إلى العمل في صناعة الأخشاب.

وقالت الشريف، إن عملها في النجارة بدأ من خلال شراء الأخشاب القديمة لصناعة “أنتيكات”، لتزيين غرفة نوم ابنتها الصغيرة ذات العامين.

وأضافت، “عندما نجحت في صناعة تحف مميزة لتزيين غرفة نوم ابنتي ليلى، دار بخاطري التركيز على صناعة منتجات خشبية، وبيعها من خلال الإنترنت”.

وتابعت، “توسعت في صناعة المنتجات الخشبية، التي لاقت رواجا في البيع على الإنترنت، ما دفعني إلى شراء ألواح من الخشب المستعمل والجديد وتوفير آلات نجارة، حتى طُلب مني صناعة أول غرفة نوم كاملة”.

والد زوج فاطمة لديه ورشة لصناعة الأخشاب في منطقة شعبية وسط القاهرة، ويعمل في هذا المجال منذ أكثر من 40 عاما، حسب قولها.

وزادت، “كانت أول غرفة نوم كاملة تُطلب مني، هي الدافع وراء ترك عملي بمجال المبيعات في شركة خاصة للعمل بالنجارة في ورشة والد زوجي”.

ومضت قائلة، “دخلت الورشة ولم أخرج منها إلى أي عمل آخر منذ قرابة عام ونصف العام”.

وأشارت الشريف إلى أن نجاح عملها في مجال صناعة الأخشاب دفع زوجها أيضا إلى ترك عمله في مجال السياحة ومشاركتها في العمل بالنجارة.

وتحدد الشريف أبرز المعوقات التي تواجهها في عملها الجديد، قائلة، “لا تزال نظرة العاملين في هذه المهنة ترفض وتستهجن اقتحام النساء لها (…)، أحيانا أسمع كلمات لا تليق فقط لكوني امرأة”.

في الأربعينات من عمرها، تحزمت سهام مغازي، بحبال غليظة على خصرها لتتسلق الجدران الخارجية للبنايات بغرض إصلاح عيوب وأعطاب مواسير المياه والصرف الصحي.

النساء يعرفن أسرار المحركات
النساء يعرفن أسرار المحركات

مهنة لم تخطر يوما على بال السيدة الأربعينية التي انفصلت عن زوجها، وتحملت عبء تربية 3 أبناء وحدها دون مال أو حذق حرفة، حتى تعلمت السباكة في مركز غير حكومي بإحدى المناطق الشعبية منذ 17 عاما.

قالت سهام (63 عاما)، “حتى الآن أعمل في السباكة التي عشقتها بعد أن استطعت من خلالها تربية وتعليم أبنائي الثلاثة وتزويج فتاتين منهم”.

وأضافت، “فوجئت بعد طلاقي من زوجي، أن معي 3 أبناء صغار دون أموال أو مُعيل.. اضطررت للعمل في هذه المهنة، ثم عشقتها وواصلت في العمل بها مدة 17 عاما”.

وتابعت، “اكتسبت في البداية تعاطف السيدات، وربات المنازل للحصول على عمل بالسباكة، ثم اكتسبت ثقة أزواجهن في ما بعد”.

ومضت قائلة، “بعد 3 سنوات من العمل في السباكة أصبحت ‘أسطى’ وهو اللقب الذي يُمنح لأصحاب الخبرة في المهن والحرف اليدوية”.

وأردفت، “كبر سني منع عني تلاسن المتطفلين، كما أن ظروفي القاسية جلبت لي الكثير من التعاطف، وإجادتي للسباكة في ما بعد شجعت أصحاب محال الأدوات الصحية على توفير فرص عمل لي لدى زبائنهم”.

واختتمت بالقول، “أولادي الثلاثة أكملوا تعليمهم، واثنتان من أبنائي تزوجتا، وابني الوحيد أنهى تعليمه المتوسط ويعمل الآن في مصنع للملابس الجاهزة بالقاهرة، وأصبح لدي أحفاد ولا زلت أعمل في مهنة السباكة”.

رباطة الجأش سلاحهن لتجاهل ازدراء البعض
رباطة الجأش سلاحهن لتجاهل ازدراء البعض

تعتبر نفسها “إمبراطورة لحوم الجمال” في منطقة البساتين (جنوبي القاهرة)، قضت نحو 40 عاما من عمرها في مهنة الجزارة (القصابة) ورثتها عن أسلافها وأورثتها لأبنائها.

هويدا حسني (54 عاما)، التي تعمل في مهنة الجزارة منذ أن كان عمرها 10 سنوات، اعترفت في بداية حديثها قائلة إن “المهنة شاقة وقضت على أنوثتي في شبابي”. وتابعت هويدا، “كنت الزوجة السابعة لرجل مسن ومريض، أنجبت منه 4 أبناء؛ بنتين وولدين، ولدي الآن 11 حفيدا، جميعهم عاشوا في رخاء من مهنة الجزارة”.

وأضافت، “لا أريد لبناتي العمل في مهنة الجزارة، فقد أخذت من عمري وصحتي وشبابي الكثير، وخاصة أن مجال عملي في لحوم الجمال وليس العجول وهو مجال صعب في مهنة الجزارة”.

واختتمت بالقول، “أعاني الآن من متاعب صحية في قدمي بسبب الوقوف لمدة ساعات طويلة، لكني في المقابل ألقب بإمبراطورة لحوم الجمال في منطقة البساتين”. المصريات يعملن بمهن شاقة كثيرة، فتراهن يقدن سيارات التاكسي في الطريق المكتظ غير مهتمات بما يقوله الناس عنهن، هذه المهنة ليست جديدة على المصريات، ففي دفاتر نقابة العاملين بالنقل البري توجد عضوات يعملن سائقات للتاكسي منذ عام 1970.

والممثلة المصرية عبلة كامل جسدت في فيلم “سيد العاطفي” دور سائقة تاكسي توفي زوجها تاركا لها ابنا دون معيل فتكفلت بتربيته بعد أن أهمله عمه الذي سلب منه ميراث والده.

وأجبرت الظروف الاقتصادية مصريات كثيرات على العمل في مهن أخرى كماسحات أحذية، وتاجرات متجولات، كما اقتحمن العمل بعربات الفول ليلا في القاهرة فقط، ليكسبن لقمة العيش بكرامة ولا يسألن أحدا معونة لتربية أطفالهن.

20