مصريات يطالبن بإلغاء قانون بيت الطاعة القمعي

الهاربة من سجن الزوج تتّهم بالنشوز وتخسر حقوقها ولا يكون لها خيار سوى الاستسلام في هذه الظروف.
الجمعة 2020/06/26
إلى أين المفر

منحت أزمة كورونا الكثير من السيدات المصريات الجرأة والتمرد على قانون بيت الطاعة القمعي، حيث رفضن الخضوع له في ظل هذه الجائحة التي تهدد بيوتهن، لأن أحد مطالب التغلب عليها التباعد الاجتماعي، بينما تستوجب الطاعة تجاهله.

القاهرة - وجدت جمعيات نسوية فرصة في انتشار فايروس كورونا المستجد لتعلي أصواتها مؤخرا محذرة من مغبة الاستسلام لقانون بيت الطاعة الذي تجاوزه الزمن، وأصبح تطبيقه يتسبب في مضاعفة المشكلات الأسرية، التي تزايدت بفعل بقاء الأزواج فترات طويلة في منازلهم، ما كان سببا في ارتفاع نسب الشجار العائلي، والذي دفع بعض السيدات إلى المطالبة بالطلاق، محتميات بأن روح القانون لن تجبرهن على الرضوخ عنوة.

ولم تتوقف الأزمة عند حدود الضرر النفسي المباشر الواقع على السيدات اللاتي يخضعن لبيت الطاعة، بل هناك نسبة من الأضرار المادية من الممكن أن تقع عليهن، في حالة الاستسلام في هذه الظروف للزوج، والرضوخ لرغبته في كسر إرادة الزوجة.

واضطرت رحاب مختار، وهي أم مصرية لثلاث بنات، إلى هجرة سكن الأسرة لتكرار التعدي اللفظي والجسدي عليها من جانب زوجها، لأنها ترفض إنجاب طفل رابع وخامس، حتى يأتي الولد، استجابة لرغبة حماتها بأن يكون لدى ابنها طفل يكبر ويحمل اسم العائلة أفضل من البنات.

وتحملت رحاب الكثير من الاعتداءات، وصبرت حفاظا على قوام الأسرة ومستقبل أطفالها، ومع بقاء زوجها في المنزل بسبب إجراءات مكافحة فايروس كورونا، لا يمر يوم دون إهانتها، حتى استغلت خروج الزوج وتركت المنزل، ثم فوجئت بدعوى قضائية تلزمها بالعودة إلى بيت الطاعة.

ولا تملك الأم صاحبة الأربعين عاما من الدنيا سوى والدتها وشقيقها، وعندما استفسرت من أحد المحامين عن مصيرها، أبلغها بأن عدم عودتها للمنزل سوف يترتب عليه صدور حكم قضائي باعتبارها “ناشزا”، وتسقط عنها النفقة الزوجية، ومستحقاتها بعد الطلاق.

قالت رحاب لـ”العرب”، إن اعتراضها على عدم تكرار الإنجاب لمرة رابعة، مبرره أن الأطباء نصحوها بذلك، لأنها مريضة بالقلب، وتوجد خطورة على حياتها، وكل ما تخشاه أنها عندما تقف أمام القاضي لا تستطيع إثبات الاعتداء عليها وإذلالها من زوجها، لأنه يُنكر هذه التصرفات، وينفي عن نفسه قيامه بالضغط عليها لتنجب المزيد من الأطفال.

وليست هذه حالة استثنائية لاستغلال بعض الرجال قانون بيت الطاعة فهناك وقائع أخرى يعتقد البعض عندما يسمعها أنها خيالية من قسوة تفاصيلها خلال جائحة كورونا، وعجز النساء عن الوصول إلى حلول لها بعيدا عن القهر، بعد أن أصبحت ساحات المحاكم نقطة انطلاق الرجال للثأر من زوجاتهم تحت مظلة الطاعة.

لا بديل عن إلغاء قانون بيت الطاعة أسوة بما حدث في بلدان عربية، بعد أن ثبت استخدامه في انتهاك إنسانية الزوجات

وكانت مبررات بعض الرجال بعيدة عن الانتقام من الزوجات بعد العودة لبيت الطاعة، فهناك أسباب أخرى تدفعهم إلى إجبارهن على الرجوع، أبرزها مساومتهن على الطلاق مقابل التنازل عن المستحقات، وعدم المطالبة بأي شيء بعد الانفصال، غالبا تضطر الزوجة للموافقة دون شروط مقابل تحريرها من السجن الذي تعيش فيه تحت وطأة التعذيب.

وصحيح أن القانون يسمح للزوجة بخلع زوجها وخسارة مستحقاتها دون أن تكون مضطرة للعودة منكسرة إلى بيت الطاعة، لكن هناك نساء لا يمتلكن القدرات المادية ولا الجرأة على مقاضاة الزوج، بحكم العادات والتقاليد والوصمة المجتمعية التي قد تطالها إذا لجأت لهذا الخيار، بالتالي تضطر إلى الرضوخ للأمر الواقع لحماية نفسها وأطفالها من الاستهداف.

أكد محمد سيد أحمد، محام متخصص في القضايا الأسرية، أن أغلب قضايا بيت الطاعة تخسرها الزوجات، لأن الرجال يتعمدون كتابة عنوان سكن الأسرة بشكل خاطئ، بحيث إذا خاطبت المحكمة الزوجة بالرجوع إلى بيتها، أو إبداء الاعتراض لأسباب، لا يصل إليها الخطاب، بالتالي لا ترد، ويصدر القاضي حكمه باعتبارها ناشزا.

أضاف سيد أحمد لـ”العرب”، أن أكثر مبررات الزوجات اللاتي يتركن سكن الأسرة في ظل ظروف كورونا، تنحصر في الاعتداء اللفظي والجسدي للتنفيس عن الغضب المرتبط بالبقاء في المنزل، وغالبا ينكر الزوج الواقعة، ويستعين بشهود مقربين لإنصافه، مقابل عجز الزوجة عن إثبات ذلك وتكون أمام خيار رفض العودة وخسارة كل شيء، أو تعود إلى منزلها ثم تخلع الزوج ولا تحصل على مستحقات، أو ترضى بسجن الزوجية.

وقد يسمح انتشار كورونا لبعض السيدات برفض العودة لبيت الطاعة، ويتفهم القاضي المبررات الصحية لذلك، طالما أن المرأة مصممة على رفض العودة القسرية والبقاء ليل نهار مع زوج يكيل لها الضرب والسباب.

وأخذ الموضوع منحى مختلفا، فقد باتت للمرأة مبررات منطقية لرفض العودة في أجواء تستلزم رعاية صحية معينة، وهناك رهان على أن القضاء سينصف السيدات، لأن الضرر الواقع عليهن له علاقة بالحياة ذاتها.

ويعكس ارتفاع عدد قضايا إلزام الزوجة بالعودة إلى بيت الطاعة زيادة حالات العنف المنزلي دون غطاء قانوني، وتراجع دور العائلات في تقريب وجهات النظر وحل المشكلات الزوجية بالطرق الودية دون الحاجة إلى ساحات القضاء، ورغم أن القانون يتيح للمرأة مقاضاة الزوج وحبسه إذا تعدى عليها وأثبتت الواقعة، لكن جهلها بالقانون والخوف على نفسها من الاستهداف يدفعان إلى عدم الإقدام على الخطوة.

وترى منظمات نسائية أنه لا بديل عن إلغاء قانون بيت الطاعة أسوة بما حدث في بلدان عربية، بعد أن ثبت استخدامه في انتهاك إنسانية الزوجات، مقابل أن يشعر الرجل بنشوة الانتصار، وإلحاق الهزيمة بشريكة حياته، بعد إجبارها على العودة للمنزل بالقوة، في حين لا توجد نصوص شرعية تبيح ذلك، حتى أن الإسلام مصدر التشريع، يرفض الإكراه في الدين، فكيف يجبر الزوجة على شيء تبغضه؟

وقالت عزة سليمان، وهي باحثة ومحاضرة أسرية وناشطة في قضايا المرأة، إن أيّ قانون يخص الأسرة يُفترض أن يشارك في تحصين البناء العائلي، لكن بيت الطاعة ورقة لترهيب المرأة وكسرها أمام زوجها، ولا توجد مادة يمكن أن تساهم في الحفاظ على الكيان الأسري من الانهيار أو التفكك، وليس هناك مبرر لاستمرار تطبيقه.

وأوضحت لـ”العرب”، أن أزمة الكثير من الأزواج، تتمثل في أنهم يتعاملون مع قانون بيت الطاعة على أنه البديل الأقوى للحفاظ على رجولتهم وكرامتهم، بعد هروب الزوجة من منزلها، ولا يدركون أنه من الشهامة عدم إجبار شريكة الحياة على الاستمرار وهي مسلوبة الإرادة، وكارهة لإقامة جبرية مغلفة بالنفور من شخص يقدم نفسه وصيا على جسدها.

وبغض النظر عن مبررات الرجل في التمسك بالعيش مع زوجة استسلمت لرغباته أمام ضيق السبل ومرارات البدائل، فما زالت الأصوات الرافضة لهذه التصرفات تطلق تحذيراتها من أن يقود إحساس بعض النساء بالقهر إلى بحثهن للثأر من أزواج ارتضوا على أنفسهم فرض المعاشرة بالإكراه.

21