مصرية تستوحي تصميمات الحلي من حكايات تاريخية

الثلاثاء 2017/03/07
عالم التصوف يتواءم مع الفن

تعتبر الفنانة المصرية مي المناخلي واحدة من بين القليلات اللاتي وجهن اهتمامهن إلى إحياء التراث من خلال فن الحُليّ.

ووراء كل قطعة فنية تصنعها حكاية من عبق التاريخ، قد تكون آية قرآنية أو أغنية قديمة، خاصة أغاني كوكب الشرق أم كلثوم، أو حتى حكاية من حكايات الجدات، وفنها مستمد من عالم روحاني يثير الأشواق في النفوس.

لم تتخيّر مي لمشروعها الفني اسما تجاريا كي يساعدها في عملية الترويج والبيع، بل اختارت عنوانا من عالم التصوّف هو “تَجلّي”، ولم يكن ذلك وليد الصدفة وإنما ليتواءم مع روح الفن الذي تقدمه.

وقالت المناخلي لـ“العرب” كنت محتارة في اختيار اسم لمشروعي وتبادرت إلى ذهني العديد من الأسماء، ولكني ذات يوم وخلال أدائي صلاة الفجر تناهت إلى مسامعي الآية الكريمة، “فلمّا تجلّى رَبُّه للجبلِ جَعَلَه دَكّا” (سورة الأعراف- الآية 143).

وأوضحت أن التَجلّي هو بزوغ النور من وسط الظلام، وفكرة المشروع هي انتشال التراث من العتمة المحيطة به، وإزاحة الأتربة المتراكمة عليه وإحياؤه وتعريف الناس بجواهره الدفينة.

موهبة مي بدأت معها في سن صغيرة، فهي ابنة لأم عاشقة للرسم وأب يعمل مهندسا معماريا ربياها على قصائد المتنبي وابن الفارض، فكيف لمن تربت في بيت كهذا ألا تكون فنانة؟

ورغم أنها درست علم التسويق البعيد كل البعد عن موهبتها إلا أن ذلك أفادها في تسويق فكرتها، وبناء مشروع قوي ومؤثر من مجرد فكرة صغيرة (هذا ما تعلمته خلال دراستي في باريس).

مي المناخلي: فكرة المشروع هي انتشال التراث من العتمة وتعريف الناس بجواهره الدفينة

عملت المناخلي في الخارج لمدة 15 عاما، وكانت بدايتها مع شركات حُليّ كبيرة، تبيع لها تصميماتها بمبالغ مرتفعة للغاية، لكن اسمها لم يكن يُكتب على تلك التصميمات لأن التصميم بمجرد بيعه يصبح ملكا للشركة التي اشترته ومن ثم تشعر بالحزن الشديد حينما ترى النساء مرتديات حُليّا من تصميمها ولا تحمل اسمها، وقررت أن يكون لها مشروعها الخاص الذي تقدم فيه تصميمات تحمل روحها.

وتراعي المناخلي دائما أن تمس أعمالها شغف القلوب، وهي تعلم أن الروحانية وكل ما له علاقة بالدين يجذب إليه أنظار الناس في كل مكان، وقد لاقى تصميمها مفتاح الكعبة الشريفة إعجابا كبيرا حتى في الغرب، ولمست ذلك من خلال المعارض التي تقيمها بالدول الأوروبية.

وأكدت أن “من أسعد لحظات عمري حينما يستوقف أحد تصميماتي شخصا من الغرب ويطلب مني أن أوضح دلالته الدينية”.

أناملها تصيغ الحُلي من كافة أنواع المعادن، كالذهب والفضة والماس، وتعبّر كل قطعة بين يديها عن مكنون صوفي وروحي يميز أعمالها ويمنحها الفرادة والتميز، ومن ذلك أنها استلهمت البعض من أعمالها، من روح قصيدة “سقاني الغرام” للشاعر الصوفي الأندلسي أبومدين الغوث، التي يقول فيها “سَقاني الغرامَ كأسًا من الحُبِّ صافيًا.. يا ليته لمّا سقاني سَقاكُم”.

ومن أكثر القطع الفنية للمناخلي التي أثارت اهتماما وجدلا كبيرين، تصميمها لنجمة داوود السداسية الذي لفت الأنظار إليها بشدة.

وأوضحت “قرأت عن النجمة على مدار ثلاثة أشهر باحثة عن أصلها، وانطلاقا من كل ما وصلت إليه من معلومات تأكدت أن تلك النجمة ليست يهودية ولا تعود للنبي داوود، بل تعود إلى القائد صلاح الدين الأيوبي محرر القدس”، وهاجمها الكثيرون معتقدين أنها تؤيد اليهود، لكنها تؤكد أن هذا التصميم لم تربح من ورائه أي شيء “بل على العكس كاد أن يجعلني أخسر كل شيء بسبب البلبلة التي أحدثها”.

وهناك مناطق في التراث أحبت مي المناخلي أن تقترب منها أكثر ومنها “المولوية”، ذلك الفن الصوفي الذي أسسه جلال الدين الرومي، فروحها كما تقول تحلق مع الحركة الدائرية لدراويشها وانفردت بتصميم درويش المولوية كقلادة رائعة والذي حقق مبيعات كثيرة، ليس في مصر فقط بل في دول عدة حول العالم.

ولأن التراث الفرعوني أضحى من الفنون التي تجذب الكثير من الفنانين إلى تقليده وإضافة روح إليه، حيث يلقى هذا التراث رواجا كبيرا في معارض الحُلي بالخارج، فقد قامت المناخلي في بدايتها بتصميم قطع فرعونية كثيرة لم تكن موقعة باسمها، لكنها تشدد على حرصها على عدم التقليد، وتنتظر أن تلهمها موهبتها بتصميمات جديدة تكون مميزة كالعادة.

ومن المشكلات التي تواجهها في عملها محاكاة الآخرين لفنها وتقليدهم لنفس التصميمات التي تطرحها للبيع، وكان ذلك في البداية يغضبها، لكنها بعد فترة أيقنت أن ذلك مؤشر على نجاحها، وأنه لولا جمال قطع الحُلي الخاصة بها لما قلدها أحد.

وحاليا تعكف على التحضير لمشروع جديد مع مساعديها من الفنانين والفنانات بالورشة الخاصة بها، وتقول “سيكون الأمر مفاجأة للجميع، فالتصميمات ستكون مختلفة تماما عمّا قمت بإنجازه من قبل”.

21