مصريون عائدون يروون مآسي القتل المجاني في شوارع اليمن

الأحد 2015/04/19
باسم زكي: وصلنا إلى مصر بعد رحلة دامت 20 ساعة على متن ناقلة للنفط رست بنا في جيبوتي

يروي مصريون هربوا من اليمن إلى بلادهم، عبر البر والبحر، لـ”العرب”، عن النيران التي تركوها تلتهب في اليمن والقتل المجاني في شوارعه وحالة الحرب التي تسبّبت في هروب الآلاف من الأجانب المقيمين في اليمن الذي يسير بخطوات متسارعة نحو الانهيار والانحدار إلى مصاف الدول الفاشلة والمدّمرة.

من العراق والكويت وحتى اليمن مرورا بليبيا، يبدو أنه كتب على المصريين المغتربين مواجهة كل صنوف المعاناة، بسبب حرب مفاجئة أو هجمات غير محسوبة تضعهم في قلب الجحيم، وعندما يقدمون على الفرار يكتشفون أن رائحة الموت تصاحبهم في رحلة الهروب التي لا يدعمهم فيها سوى دعاء ذويهم، كما روى لـ”العرب” بعض الناجين من جحيم اليمن.

أحد هؤلاء العائد من اليمن باسم محمد زكي، الذي عمل لمدة عام ونصف العام مديرا للتسويق بمجموعة مستشفيات معروفة بعدن؛ وتمثّل هذه المستشفيات، وفق حديث زكي، موقعا استراتيجيا لعناصر المقاومة ضد الحوثيين، وهو ما حوّلها فعليا إلى مسرح للعمليات الحربية وما يترتب على ذلك من تبعات منها مثلا الجثث المتراكمة في الشوارع المحيطة بهذه المستشفيات، ولجان الحماية الشعبية المدججة بالأسلحة الثقيلة، فضلا عن عشرات السيارات المحترقة.

وقال زكي، في حديثه لـ”العرب” عن رحلة العودة من جحيم اليمن، إنه ومجموعة من المصريين قرّروا حزم أمتعتهم والمغادرة، لكن السفارة المصرية كانت قد أغلقت أبوابها (قبل شهرين) وتم إجلاء البعثة الدبلوماسية، لذلك اقترح عليهم مسؤولون في وزارة الخارجية المصرية أن يسلكوا الطريق البري إلى سلطنة عُمان.

لكن الاقتراح لم يحظ بالترحيب كما (يقول زكي) لأنه وزملاءه شاهدوا في الأخبار سيارات محروقة وأسرا بكاملها جرى قتلها على الطريق، فقرروا الهروب، خصوصا أن أحد المستشفيات كان في مواجهة البحر.

ويواصل زكي حديثه قائلا: كان إطلاق النار قد تزايد وقاذفات الهاون تسقط في كل مكان، فقررنا خوض المغامرة وتواصلنا مع مصريين آخرين، أخبرونا أنهم ذاهبون إلى ميناء عدن، وسيتم نقلهم على ناقلة نفط يملكها رجل أعمال يمني.

وأضاف: تحركنا بسيارة إسعاف حتى لا يشكّ الحوثيون في أمرنا، ومع ذلك تعرضّنا للتوقيف والتفتيش في أكمنة لأعضاء اللجان الشعبية، وبعد المرور من إحداها فوجئنا بدفعة من طلقات البنادق الكثيفة من الخلف، دون أن يملك أحدنا الجرأة للنظر خلفه ومعرفة من الذي يطلق الرصاص.

وأكد زكي أنه بعد 20 ساعة قضاها وزملاءه في ناقلة للنفط وصلوا إلى جيبوتي، ومنها إلى مصر، بعد رحلة معاناة طويلة.

بهاء مجاهد: السفير المصري في عمان طلب منّي التحرك إلى السلطنة لأن طريقها أكثر أمانا من السعودية

في انتظار الفرج

شاهد آخر عاش مغامرة الهروب من اليمن إلى مصر، هو سيد حامد، رئيس قسم الأطفال بالمستشفى الألماني السعودي في صنعاء. حدّثنا حامد، الذي عاد من اليمن مع زوجته وأطفاله الثلاثة، قائلا إن المستشفى كانت قريبة للغاية من مطار صنعاء الحربي، الذي يعتبر أول هدف تم ضربه.

وأشار إلى أن الضرب تواصل خلال شهر فبراير الماضي، وأن السفارة المصرية في صنعاء أجلت العاملين بها، وأنه هو ومجموعة من المصريين اتصلوا بها وطلبوا خطة الإجلاء، لكن أبلغوا بعدم وجود خطة لديهم، وأنهم غادروا بناء على تعليمات سياسية وليست أمنية.

وأضاف سيد حامد أنّهم مكثوا في حالة انتظار حتى طلبت منهم الخارجية المصرية التحرك إلى مطار عدن، وأجرت ترتيبات مع موسكو ليتم نقلهم بطائرة روسية إلى القاهرة، وطلبوا منهم عدم حمل متعلقات سوى حقيبة صغيرة، لأن الطائرة ستهبط في مطار القاهرة ترانزيت لمدة عشر دقائق فقط. وأضاف المتحدّث أن الرحلة من المستشفى إلى المطار كانت غاية في الرعب والفزع، والطريق لم يكن آمنا، حيث تم تفتيشهم أكثر من ثلاث مرات.

وعن الأيام الأخيرة لهم في عدن قال: كنا محتجزين تقريبا داخل المستشفى مع بقية المصريين العاملين فيها وأسرهم، ووصل عددنا إلى 58 فردا، وقد أمنّا أنفسنا من حيث الحاجة إلى الغذاء والماء. وأشار إلى أنهم كانوا يقيمون أغلب الوقت في الطابق الأرضي بالمستشفى خوفا من حالة الفوضى والقتل المجاني في الشوارع، وكانت الميليشيات المسلحة والدبابات والطوافات تملأ الشوارع. وأضاف سيد حامد قائلا: إنه رأى شبابا لا تتعدى أعمارهم 16 عاما يحملون مدافع “أر بي جي”.

من جهته، قال خالد جابر، الذي كان يعمل مديرا ماليا لفندق بالعاصمة صنعاء: كنت ضمن مجموعة تضم 14 مصريا بين طبيب ومهندس مقيمين بالفندق، وعندما بدأ الاجتياح الحوثي ترك العاملون بالسفارة المصرية العاصمة صنعاء وعادوا إلى مصر دون علم أبناء الجالية هناك.

وأضاف جابر: علمنا من اللجان الشعبية في الشوارع أن هناك ناقلة نفط بميناء صنعاء مملوكة لرجل أعمال يمني فطلبنا منه أن تنقلنا سفينته إلى جيبوتي ووافق الرجل بشهامة رافضا تقاضي أيّ مقابل مادي.

واستطرد جابر قائلا، كان علينا التحرك بالسيارات لنصل إلى ميناء صنعاء، وهي مسافة لا تستغرق في الأحوال العادية أكثر من 15 دقيقة، لكن قطعناها في 3 ساعات، حيث كنا نسير ببطء وبشكل متقطع، حسب كثافة قذائف الهاون التي كانت تسقط فوق رؤوسنا من الشوارع الفرعية والممرات الضيقة، ثم احتجزتنا مجموعة مسلحة من الحوثيين، وأجروا تحقيقا طويلا معنا قبل أن يتركونا بصعوبة، بعد أن تأكدوا أننا مدنيون.

العائدون من جحيم اليمن أزمة جديدة تطرق أبواب مصر

وتابع: وصلنا إلى ميناء صنعاء وكان يجب الصعود على متن مراكب صيد صغيرة إلى ناقلة النفط التي كانت تنتظر في المياه الدولية، وكنا 39 مصريا بالإضافة إلى 270 شخصا من جنسيات مختلفة على سطح الناقلة، وبيننا 4 بحارة مصريين جاؤوا من ميناء مصافي عدن بجوازات بحرية، ما جعل قائد الناقلة يرفض اصطحابهم لتخوفه من المساءلة القانونية عند وصوله ميناء جيبوتي، وكان اتصالنا بوزير الخارجية المصري سامح شكري بادرة إنقاذ، حيث تدخل وتحدث إلى القبطان بضمانته الشخصية.

وأضاف جابر: وصلنا ميناء جيبوتي، حيث كان في استقبالنا خالد طه، سفير مصر هناك، الذي قام بترتيب إقامتنا في مستشفى دار الحكمة إلى حين موعد السفر إلى القاهرة بعدها بيومين.

وأشار المتحدّث، إلى أنه تم نقلهم بالطائرة إلى مطار الدوحة ومنه إلى القاهرة، مؤكدا أن هناك مشكلة كبيرة ستواجه العائدين من جحيم اليمن، تتمثل في أن عددا كبيرا منهم اصطحبوا أطفالهم ولم يكملوا النصف الثاني من العام الدراسي بسبب الأحداث، مناشدا وزارة التربية والتعليم المصرية الاستعداد لمواجهة تلك الأزمة.

هروب عبر الحدود

رحلة عودة بهاء مجاهد، الذي كان يعمل مديرا للمبيعات بإحدى الشركات الكبرى التي تملك فروعا في مختلف أنحاء اليمن، مع أسرته المكونة من زوجة وأربعة أبناء لا تختلف كثيرا في شقائها عن رحلات الآخرين، لكن تفاصيلها تحمل الكثير من المفاجآت، منذ أن بدأها من منزله المترف القريب من ساحل خور مكثر القريب من مطار عدن الدولي، عقب ضرب المطار خلال مناوشات بين الحوثيين والقوات اليمنية.

وقال مجاهد: كان لابد أن نذهب إلى مدينة المُكلا التي تبعد عن عدن 600 كيلومتر على الحدود مع السعودية وسلطنة عُمان.

وتابع في حديثه لـ”العرب”: وصلنا إلى مدينة المُكلا، وكان يفترض أن نبقى بها لبعض الوقت حتى تهدأ الأوضاع فنعود مرة أخرى إلى عدن، لكن الأمر ازداد سوءا، ليبدأ التواصل مع حازم حنفي السفير المصري في سلطنة عُمان الذي طلب منّي التحرك إلى السلطنة لأن طريقها أكثر أمانا من الحدود السعودية.

فوضى السلاح تملأ شوارع اليمن بالجثث

واستطرد قائلا: قبل أن أبدأ التحرك نحو مدينة المزيونة التي تبعد عن سلطنة عُمان نحو 1000 كيلومتر، استأجرت سائقا ومرافقا يمنيين ليكونا معي في الطريق حتى أستطيع المرور من اللجان التفتيشية، كما ساعداني في تزويد سيارتي بالوقود. وأشار بهاء مجاهد إلى أن الطرق كانت غير مؤمّنة ووعرة، والسيارات المحترقة بفعل القذائف منتشرة على طول الطريق.

وأضاف وصلنا إلى المزيونة ثم قطعنا 300 كيلومتر أخرى لنصل إلى صلالة، وهناك استطعنا بمساعدة القنصلية المصرية أن نصعد على طائرة إلى مطار مسقط، ومنه إلى مطار القاهرة.

من جهته، قال السفير بدر عبدالعاطي، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، إن عمل البعثة القنصلية المصرية على المعابر البرية في السعودية وسلطنة عمان متواصل، حيث استقبلت عبر معبر الطوال 46 مواطنا مصريا ليرتفع عدد الذين تم إجلاؤهم للسعودية إلى 1016 مواطنا، كما استقبل معبر المزيونة على الحدود اليمنية العمانية عددا آخر ليرتفع العدد الإجمالي للمصريين الذين تم إجلاؤهم من اليمن إلى أكثر من 1300 مواطن حتى 10 أبريل الجاري.

وفتحت السعودية ثلاثة معابر حدودية مع اليمن لاستقبال المصريين وتسهيل عودتهم إلى مصر، وهي معبر “الطوال” بمنطقة جيزان، ومعبرا “الوديعة” و”الخضراء” بمنطقة نجران، لتضاف إلى المعابر الحدودية العمانية التي استقبلت بالفعل مصريين عائدين مثل معبري “المزيونة” و”صرفي”.

وأكد مصدر دبلوماسي لـ”العرب” أن مصر تسعى إلى إجلاء رعايا بسرعة من اليمن حتى لا يتحولوا إلى ورقة في أيدي الحوثيين، خاصة أن ملامح التدخل البري المصري بدأت معالمها تتضح، عبر إرسال المزيد من القوات المصرية للمشاركة في عاصفة الحزم.

6