مصريون في السفارة الأميركية جربوا كل شيء ليهربوا

جذب الفيلم المصري “طلق صناعي” الأنظار سريعا بإلقائه الضوء على قضية تمسّ شرائح عديدة من الشعب المصري، وهي الهجرة إلى خارج البلاد بحثا عن معيشة أفضل، وحمل الفيلم، الذي صاحبته ضجة كبيرة تطالب بحجب عرضه، ازدواجية وتناقضا بين الرغبة في الهروب والبحث عن الهوّية والانتماء.
الثلاثاء 2018/01/23
على شباك الجنة الكاذبة

القاهرة – مع أن المنافسة محتدمة عقب طرح العديد من الأفلام لموسم إجازة منتصف العام، إلا أن فيلم “طلق صناعي” نجح في الحصول على الاستحواذ والنصيب الأعظم من المشاهدة الجماهيرية مبكرا.

ويبدو أن الشعبية التي يتمتع بها الإخوة دياب “محمد وشيرين وخالد دياب” مؤلفو وصانعو الفيلم، كانت محفّزا لهذا الإقبال نظرا لطبيعة الموضوعات والطرح السينمائي اللذين أصبحت تحظى بهما أعمالهم.

المواطنة العميقة

نجح الفيلم في جذب الاهتمام إليه بعد أن قدم صورة مصغّرة للعديد من المصريين الحالمين بالهجرة والهروب من الواقع المؤلم والفقر المدقع، خاصة في السنوات الأخيرة التي تحولت فيها الحياة لمعاناة بسبب تصاعد حدة الأزمات الاقتصادية.

وجاء اختيار منطقة وسط البلد والسفارة الأميركية على وجه التحديد كرمزية كبيرة في تناول الأحداث بشكل غير مباشر، فقد شهدت هذه المنطقة ميلاد ثورة 25 يناير عام 2011 وما تلاها من أحداث، بالإضافة إلى كونها عَصب العاصمة القاهرة في مراكزها الحيوية.

الواضح أن خالد دياب، المخرج وأحد من شاركوا في تأليف فيلم “طلق صناعي”، شديد الاهتمام بقضية المواطنة والتأكيد على الهوّية ومناقشة الظروف الطاحنة التي يمر بها المواطن، والتي طرحها من قبل في عام 2010 وكانت ممثلة في شخصية “مصري سيد العربي” التي قدمها الفنان أحمد حلمي ضمن فيلم “عسل أسود”.

وفي “طلق صناعي” يعود خالد دياب ويرصد فكرة المواطنة بشكل أكثر عمقا يكشف من خلاله مزاعم وأكاذيب الغرب الذي يريد الحفاظ على هيبته أمام العالم مدعيا الديمقراطية والحريات في نظرة متكبرة تجاه المجتمع المصري. ويكشف على الجانب الآخر حقيقة وجه السلطة المصرية في تعاملها مع الأحداث بشكل أكثر قسوة وعنفا أيضا، في وقت يحاول فيه المجتمع الغربي معالجة الأمور بحكمة وهدوء.

الشخصيات الموجودة في الفيلم قد تفتعل أي شيء من أجل سرعة الحصول على تأشيرة الهجرة الأميركية ولكن دون جدوى

“حسين” أو ماجد الكدواني، المواطن المصري المطحون الذي فقد الأمل في الاستمرار والتعايش في دولته، وبعد محاولات عدة للحصول على التأشيرة من قبل السفارة الأميركية يختلق فكرة جديدة لحل أزمته من خلال زوجته “هبة” التي تلعب دورها الفنانة حورية فرغلي، السيدة الحامل بتوأم التي تذهب معه إلى السفارة لوضع طفليها بها ليحصلا إجباريا على الجنسية باعتبارهما على أرض دولة أجنبية.

“طلق صناعي” عنوان يحمل الكثير من الدلالات في هذا العمل ليس لمجرد قرص دواء يجبر “حسين” زوجته على أخذه خلال تواجدهما في السفارة من أجل الإسراع بعملية الولادة داخلها بل لأنه اسم يعبر عن الكثير من الأفكار منها طلقات الرصاص التي يطلقها رجال الأمن بعد خطف “حسين” للسفارة واحتجازه للرهائن الموجودين بها.

لكن العمق الحقيقي الذي يحمله هذا العنوان يلقي بظلاله على نماذج الشخصيات الموجودة فيه والتي قد تفتعل أي شيء من أجل سرعة الحصول على تأشيرة الهجرة الأميركية والهروب من الدولة، حتى وإن كان ذلك يتنافى مع العقائد والأخلاق، فكما يكون “الطلق الصناعي” محفّزا سريعا لولادة المرأة تكون هذه الأفكار المطروحة محرّضة لعقول الباحثين عن حلم الهجرة.

ومن بين هذه النماذج شابان يدعيان كونهما شاذين جنسيّا للحصول على التأشيرة الأميركية ويبدو من حالتهما انتماؤهما للطبقة الفقيرة، وآخر شاب ثلاثيني يتنصل من إسلامه مدعيّا اعتناقه المسيحية وأنه يتعرض للاضطهاد، وشاب آخر شاذ يرتدي ثوب امرأة ويضع “باروكة” على رأسه ويزيّن وجهه بمستحضرات التجميل، وشاب ينتحل صفة طبيب.

الأهم أن الفكرة الرئيسية التي يقوم عليها البناء الدرامي للفيلم والتي تجعل الزوج أكثر قسوة في التعامل مع زوجته التي يحاول إجبارها على تناول دواء الطلق الصناعي برغم رفضها لكونه قد يؤثر على حياتها هي وطفليها.

أحلام أميركية

العقدة التي وضعها مؤلفو الفيلم برفض الزوجة تناول قرص “الطلق الصناعي” للإسراع في عملية الولادة بالسفارة وخطف الزوج للمقر، منحت الأحداث ثراء في تقديم عملية تحاور مع العقل في الأفكار المطروحة من المنظور الإنساني والسياسي والاقتراب من نماذج الشخصيات.

رغم محاولات الهروب من الدولة، فإن موقف الخطف والتهديد يأتي ليجعل أمل الخروج والاستقرار الحلم الأعظم حتى على لسان الخاطف الذي يصرخ بوجه قوات الأمن في النهاية طالبا الآمان لأسرته

ورغم أن التعمّق في إبراز الشخصيات شديد التعقيد، خاصة وأنه قد يشعر المشاهد بالملل، فإن الحنكة والتناول في تقديم أبطال الفيلم جعلا من الأحداث تكون أكثر انسيابية.

في السفارة الأميركية بغاردن سيتي “أحد أحياء وسط البلد” لا نكتشف أحلام الأبطال فقط بل نعرف كيف ينظر المجتمع الأميركي لنظيره المصري من خلال نموذج المدير الأميركي الذي يلعب دوره أكرم الشرقاوي والذي يرى أن جميع أفراد الشعب المصري كاذبون ويعاملهم باضطهاد إلى أن يغيّر وجهة نظره مع نهاية الأحداث ويحاول مساعدة الزوج الخاطف وزوجته.

وتضاف إلى ذلك نظرة أخرى يستعرض فيها الفيلم فكرة تقبّل الآخر من خلال نموذج رفض الرجل مدعي الشذوذ نظيره “المستأنث” وركله بيده حتى أنه يقول له “أنت مش راجل” هذا المشهد الذي يتنافى مع الفكرة التي جاءت السفارة من أجلها.

مواجهة بين رجل الأمن والسفير الأميركي هي علاقة حتمية فرضتها الأحداث وتحمل سخرية الواقع من خلال مدير أمن القاهرة الذي برع في تقديم دوره الفنان سيد رجب، الذي يجمع بين خفة الظل ويتعامل بمنطق القوة في معالجته للحدث.

وبالمقابل فإن شخصية السفير الأميركي التي لعبها الفنان التونسي نجيب بلحسن الرجل الذي يحاول معالجة الأمر بدبلوماسية ويرفض تعامل رجل الأمن المصري مع الأزمة في محاولة لإنقاذ أرواح الرهينة الأميركية فقط وفي محاولة فاشلة أيضا لفرض قوة الدولة على أرض مصرية من خلال طلب نزول قوات “المارينز” الأميركية لإنهاء الأزمة.

ورغم محاولات الهروب من الدولة، فإن موقف الخطف والتهديد يأتي ليجعل أمل الخروج والاستقرار الحلم الأعظم حتى على لسان الخاطف الذي يصرخ بوجه قوات الأمن في النهاية طالبا الآمان لأسرته.

14