مصريون يتوارثون شقاء صناعة العجوة اللذيذة

خبر المزارعون الحفاظ على ما زاد من إنتاجهم الزراعي بطرق عديدة ليكون مؤونة لهم في ما تبقى من فصول السنة بطرق مختلفة منها التجفيف والتمليح والكبس والتخليل. وجعلوا من التمر عجوة تصبر لسنوات بعد طبخه وخزنه ليظل غذاء في موسم الشتاء.
الأربعاء 2017/10/11
معرفة وخبرة بالبلح وأنواعه

القاهرة- أيام قليلة وينتهي موسم تصنيع “العجوة” من التمر والذي بدأ منتصف سبتمبر لتستغرق دورة صناعتها ما يقارب الشهر ونصف الشهر، وتحولت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية إلى منظر خلاب نتيجة تفريغ سباط النخيل من البلح.

ويقوم بزراعة نخيل التمر في مصر عدد من السكان على امتداد القرى والمحافظات من مدينة السلوم شمالا إلى أسوان جنوبا، بالإضافة إلى محافظة سيناء. والعجوة هي عجينة التمر، وتسمى بهذا الاسم في مصر والسودان والمملكة العربية السعودية، وفي ليبيا ‘عجين’ وفي اليمن ‘سيم’.

وفي قرية أم خنان إحدى القرى التابعة لمدينة الحوامدية في محافظة الجيزة (جنوب القاهرة) يتجمع أفراد العائلات في هذا الوقت كل عام ليقوموا بتصنيع العجوة من التمر، طامحين أن يكون الموسم فرصة سانحة تدر عليهم دخلا يساندهم في تلبية احتياجاتهم في فصل الشتاء.

أهالي القرية يطلقون على النخيل “شجرة الحياة”، وقالوا لـ”العرب” إنه اسم قديم ومتداول بين جميع مزارعي النخيل، لكنهم لا يعرفون أصل النشأة بالتحديد، فمنهم من يقول إنها السعودية والبعض يؤكد أنها مدينة بابل في العراق، لكن هناك شبه اتفاق على أنها من أقدم الأشجار في العالم.

مواقع التواصل الاجتماعي تنشر مقاطع فيديو لمزارعين معدومي الضمير يدقون العجوة بأقدامهم

خلية من البشر سيدات ورجال وأطفال ينتشرون بين أشجار النخيل المتراصة يعملون دون كلل أو تعب، الجميع لديهم خبرة في ما يقومون به، وقلة تضع على رؤوسها غطاء للرأس للحماية من أشعة الشمس.

السير في الأراضي التي يتم فيها تصنيع العجوة لا بد أن يكون بحذر شديد، هناك حفر كثيرة وأقفاص بلاستيكية وخشبية وأكياس متناثرة هنا وهناك، تلمحها بصعوبة وسط النباتات والنخيل، ومواقد مشتعلة عليها أوعية نحاسية تتصاعد منها أعمدة دخان كإشارة إلى غليان المياه بداخلها.

أحمد أمين حسن أبوالعلا (53 سنة) مزارع بسيط، قال لـ”العرب” بفخر وزهو إنه يتعامل مع ثمرة ذكرت في القرآن، وفوائدها لا تعد ولا تحصى، يعمل بتصنيع العجوة منذ أن كان طفلا صغيرا، فقد ورثها عن أجداده ويعتبرها من التراث.

ميراث العائلة

تتوارث العائلات في أغلبية القرى المصرية بساتين النخيل من الأجداد وإذا ماتت أو ذبلت يزرعونها مرة أخرى، ويصل عمر النخلة إلى ما يقرب من 150 عاما، وهي بالنسبة إليهم ثروة من زمن جميل، تؤدي واجبها تجاههم بثمارها الوفيرة، وتؤمن لهم الغذاء في فصل الشتاء، إذ يتم تصنيع العجوة وتناولها وحفظها وبيعها.

وأشار أبوالعلا إلى أنها من الصناعات النادرة التي تعتمد على العنصر البشري وتحتفظ بذات التفاصيل منذ سنوات بعيدة لم يزد عليها إلا رتوشا في الشكل الخارجي، فلم تؤثر التكنولوجيا وارتقاء التصنيع إلى العمل بآليات حديثة على العمل اليدوي لتصنيع العجوة.

وفي شهري فبراير ومارس تتم عملية التلقيح للثمرة بنقل حبوب اللقاح من النخلة المذكرة إلى الأزهار في النخلة المؤنثة، ويكون يدويا، وتسمى هذه العملية في مصر وتونس “التذكير”، وفي السعودية “التنبيت” وفي الإمارات “النبيت” وفي العراق “التلقيح”. والبلح الذي لم يتعرض لعملية التلقيح والمستخرج من النخلة يسمى بـ”الحفش” وهو لا يصلح للاستخدام الآدمي بل يقدم علفا للدواب.

موسم التكييس

لا شيء يضيع من البلح

وفي منتصف شهر يونيو تتم عملية التكييس عن طريق وضع كيس بمواصفات معينة وبه تهوئة حول عرجون البلح، وينضج البلح في أول سبتمبر ليبدأ الفلاحون عملية تصنيع العجوة مع بدء النضج لينتهوا منها في منتصف شهر أكتوبر.

وشرح المزارع بلهجته الريفية البسيطة أنهم يقومون بجمع الرطب (البلح الذي نضج حتى يصبح شكله أسمر بما يعرف بالعزق) عن طريق الصعود إلى النخلة وهز القنوان بشدة وقوة، حتى يتساقط منه الرطب على “المشنة”، وهي وعاء من الخشب المجدول يكون في يد صاعد النخلة، وبعضها يتساقط على فرش موضوعة على الأرض.

وبعد ذلك يقوم بجمع الرطب ثم يفرزه ويصنفه درجات، أولى وثانية، ويذهب به إلى المشرات لمدة سبعة أيام، وهي أماكن مؤقتة مربعة الشكل توضع على أرضيتها حصر تصنع من جريد النخل لامتصاصه حرارة الشمس بسرعة ليساعد على نضج البلح، وهي مقسمة للبلح الرطب والبلح الأحمر وسميت بالمشرات أي ما ينشر عليها من بلح.

وبين حين وآخر يرتفع صوت المزارع منبها العاملين معه من الحفاظ على التمر عند نشره حتى لا يختلط بالرمال، أو زاعقا في أحدهم ليحترس من سرب الطيور التي من الممكن أن تقترب من الثمرة، إذا لم تجد الرادع لتخاف وتنصرف بعيدا.

ولا يحبذ أبوالعلا جمع البلح الأحمر ووضعه لينضج على المشرة والرطب الناتج من هذه العملية يكون أقل درجة من الرطب الناضج على النخلة نفسها، وبالتالي تكون العجوة الناتجة عن هذا الرطب أقل جودة وسعرا من العجوة المصنوعة من الرطب الناضج على النخلة.

وتلي الفرز والنشر عملية التزليط وتقوم بها النساء في أغلب الأوقات، فهناك قوالب مخصصة لذلك وتستوعب من 200 إلى 250 كيلوغراما من التمر. سامية شعراوي (46 عاما) ربة منزل لديها أربعة أولاد يعملون معها في مزارع نخيل البلح، وهي لا تعرف أي مهنة أخرى غير تصنيع العجوة، وتعلمتها منذ الصغر على يد جدتها.

ارتدت ربة المنزل طرحتها السوداء ورداء فلاحيا بسيطا، ووقفت وسط الرجال لتصب الماء المغلي على البلح لإزالة التراب العالق به وفي ذات الوقت لتعقيمه، فالمياه المغلية بمثابة مادة حافظة طبيعية تحافظ عليه من السوس والديدان.

وبذلك تكون الثمرة جاهزة لـ”التزليط” أي فصل القشرة عن لحم الرطب من خلال ضغط خفيف على جانبها حتى تخرج النواة إلى الخارج ويبقى اللحم في يد والقشرة في اليد الأخرى لتوضع بعد ذلك في مكان مخصص لها.

وأوضحت شعراوي لـ”العرب” أنهم لا ينسون دوابهم أثناء تصنيع العجوة “ينالها من الحب جانب” فالقشر الناتج من عملية التزليط يخلطونه مع الخبز الناشف والذرة ويطعمونه للدواجن.

العلماء يعتقدون أن زراعة نخيل التمر أدخلت قبل نحو 5 آلاف عام قبل الميلاد إلى مصر، وينتشر في البلاد أكثر من 15 نوعا من التمور، أشهرها البلح الحياني والزغلول والسماني والأمهات

ولا ترمي الفلاحة الأربعينية نواة البلح أيضا بل تقوم بنقعها في الماء لأربعة أيام ثم تضعها لدوابها في “الزريبة”. وبعد ذلك تأتي عملية تفديغ الثمرة، ويتم فتح البلح المزلط ونشره لمدة ثلاثة أيام يتعرض فيها للشمس لكي ينضج.

أميرة مرعي شعراوي فتاة تبلغ من العمر ستة عشر عاما في الثانوية الفنية خرجت من مدرستها وتوجهت مباشرة إلى المزارع لكي تساعد أباها في تصنيع العجوة. قالت الطالبة لـ”العرب” إن أصعب ما كان يواجهها ويرهقها في صغرها هو “الشيالة” أي حمل البلح، بسبب وزنه الثقيل، أما الآن فهي كبرت وأصبحت أكثر تحملا.

ويشارك أحمد الأخ الأكبر لأميرة والده في “التعجاية”، أي عجن الثمرة المرنة ودكها في حفر بالأرض موضوعة بها قفاف وهي سلال عميقة من جريد النخل أو أعواد الخشب، ويتم دك البلح بداخلها عن طريق الضغط عليها بالأيدي ثم تغطى بعد الانتهاء من امتلائها.

وأشار الشاب العشريني إلى أن هناك مواطنين معدومي الضمير يدكون أثناء تصنيع العجوة الثمرة بأقدامهم وتم نشر مقاطع فيديو لهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وهم بذلك يضرون الصناعة الوطنية ويساهمون في انتشار الأمراض والتسمم لمن يأكلها.

وبعد الدك يتم تشكيل ما بداخل القفة على هيئة أقراص مستطيلة كبيرة يصل وزنها إلى 3 كيلوغرامات، وهناك قرص يزن اثنين أو كيلو فقط، ثم توضع الأقراص تحت أشعة الشمس لمدة عشرة أيام ويتم تقليبها مرة كل ثلاثة أيام لتصل إلى المرحلة الأخيرة في التصنيع ويتم تغليفها بالبلاستيك الشفاف.

وهناك عائلات تضع على العجوة قبل تغليفها جوز الهند أو الفول السوداني، إلا أن عائلة الشعراوي لا تفعل ذلك حفاظا على العجوة من السوس إذا أراد التجار تخزينها لفترات طويلة.

زراعة قديمة

يعتقد العلماء أن زراعة نخيل التمر أدخلت قبل نحو 5 آلاف عام قبل الميلاد إلى مصر، وينتشر في البلاد أكثر من 15 نوعا من التمور، أشهرها البلح الحياني والزغلول والسماني والأمهات.

ولفت عماد محمـد (تاجر) إلى أن العجوة المنتشرة في الأسواق المصرية لها أنواع منها المنسولة منزوعة النوى ومنها الصلبة. وتأتي إليه عجوة البلح الجيزاوى من البدرشين بمحافظة الجيزة أما عجوة البلح الأبيض الصفائح فتأتي إليه من محافظة الوادي الجديد، وفي بعض الأحيان يستورد التاجر العجوة المصنوعة من البلح العراقي المجفف تلبية لرغبات زبائنه.

التكنولوجيا لا تزاحم أيادي المزارعين

وأكد التاجر أن أجود الأصناف الصالحة للتصنيع والتعبئة كعجوة هو البلح السيوي (الصعيدي) وتنتشر زراعته في الوادي الجديد والواحات والجيزة والفيوم. وشرح لـ”العرب” أن ثمرته كبيرة الحجم نوعا ما، لونها أصفر وعند النضج تجف الثمرة قليلا ويتحول لونها إلى البني الداكن، وطعمها شديد الحلاوة ولحمها سميك وقليلة الألياف.

ويتم تصنيع العجوة أيضا من البلح الأمهات، مثل بلح النخل المُسمى بالهيروغليفية (أمات) ومنها أخذت كلمة أمهات، ومنه عدة أنواع حسب قوامه وثمرته صغيرة نسبيا، قصيرة الشكل وأسطوانية ذات قاعدة مسطحة وقمة مسحوبة ويتحول لون الثمرة الأصفر الفاتح إلى أسمر داكن عند طور الرطب، ولحمها لين القوام حلو الطعم خال من الألياف وتنتشر زراعته في محافظة الجيزة. مزارعو قرية أم خنان يبيعون كل ما يتم تصنيعه من عجوة للقرى والأسواق التي تنتظر بشوق بالغ الموسم وما ينتج عنه من أقراص.

وأكد شعبان محمـد (صاحب عزبة نخيل) أن أسواقا كثيرة تتسابق لشراء العجوة، بل هناك من يتعاقد معه قبل التصنيع ويدفع له جزءا من المبلغ المطلوب، كتجار سوق العبور بالقاهرة وسوق الجملة بمدينة السادس من أكتوبر بالجيزة، مشيرا إلى أنه يبيع البلح بالقنطار(126 كيلوغراما) والقنطار سعره ما بين 900 إلى 1200 جنيه (50 إلى 66 دولارا تقريبا).

وألمح شعبان إلى أن أسعار العجوة هذا العام ارتفعت إلى الضعف مقارنة بالأعوام السابقة، بسبب ارتفاع أسعار مستلزمات النخيل من الأسمدة والكهرباء وزيادة أجرة العمال المستأجرين للمتابعة المستمرة خوفا من “سوسة النخيل”.

وأوضح حاتم عاشور أستاذ بكلية الزراعة جامعة عين شمس، لـ”العرب” أن سوسة النخيل جاءت لمصر من دول الخليج في التسعينات من القرن الماضي، وتستلزم اليقظة والمتابعة بعد أن باتت عدوا خفيا وآفة خطيرة تهدد قطاع التمور في مصر، تدمر النخلة خلال عامين من إصابتها، وتضعف الجسم والجذع ثم تموت النخلة.

وتصيب السوسة النخيل في جميع الأعمار، ولكنها تفضل جذع النخلة الغض ما بين عمر 3 إلى 20 سنة لأنه يكون سهل الاختراق، وتعتبر السوسة الحمراء من أخطر الآفات الحشرية.

وأشاد عاشور بالدور الذي تقوم به وزارة الزراعة المصرية لمواجهة تلك الآفة، من عقد ندوات ودورات تثقيفية للمزارعين لاكتشاف الإصابة والتعرف عليها، وإطلاقها مبادرة بتخفيض سعر المبيدات للنصف وتحملها النصف الآخر لمواجهة سوسة النخيل.

وتدرك الحكومة المصرية أهمية تلك الزراعات وما ينتج عنها من صناعات، وليس هذا بجديد فمنذ القدم والمصريون يقدرون زراعة النخيل. ووجدت رسوم ونقوش مصرية قديمة في مقابرهم تشير إلى ذلك، كما أنهم حفروا رسومات له على جدران المعابد، وفي الكثير من البرديات عبارات تشير إلى القيمة الغذائية للتمر وفوائده الصحية.

وأكدت مديحة محمـد أستاذة التغذية بالمركز القومي للبحوث (جهة حكومية) لـ”العرب” أن العجوة تحتوي على الكثير من الفيتامينات التي تمد الجسم بطاقة حرارية كبيرة.

وأثبتت العديد من الدراسات أن العجوة لها تأثير إيجابي في تكوين مضادات السموم بالكبد، وتخفض معدل الإنزيم المسؤول عن إبطال مفعول السموم بالكبد، بما يعكس انخفاض نسبة السموم، بل إن تناولها باستمرار يعمل على ثبات الإنزيم في وضعه المنخفض أي أن العجوة تقي من السموم وتشفي منها.

تصوير: محمـد حسنين

20