مصريون يلجأون إلى "السيكودراما" لمداواة أوجاعهم

يشتمل النشاط الذي يقدمه مركز "دوار" الثقافي في العاصمة المصرية القاهرة على شريحة واسعة من الفنون التي تتطلب قدرا من التجاوب والمشاركة الجماعية، لمساعدة الراغبين في التعافي النفسي على تجاوز أوجاعهم اعتمادا على الفن في المقام الأول، وذلك من خلال الانفتاح أكثر على الآخرين.
الأربعاء 2017/02/01
العلاج بالفن

يستخدم مركز “دوار” الثقافي في العاصمة المصرية القاهرة، الفنون من أجل التعافي النفسي والتحول المجتمعي، كما يقول خالد صلاح مدير المركز، حيث يقدم المركز أنواعا مختلفة من الفنون والدراما العلاجية كمسرح السيكودراما والرقص والغناء وورش الرسم.

ويتكوّن فريق المركز من عدد من الفنانين والمربين والمعالجين النفسيين وممارسي العلاج عن طريق الفن من مصر ودول أخرى، وتشمل أنشطته عددا من المبادرات التي تشجع على الإبداع والتفكير النقدي والمشاركة المدنية والتماسك المجتمعي، علاوة على تقديم الخدمات العلاجية للأفراد والأسر والمجتمعات المتضررة من الضغوط الحادة والصدمات المؤلمة، كما تشمل خدماته تقديم المشورة والنصح وإتاحة المجال للباحثين والمتدربين على مثل هذا النوع من النشاط.

وتعدّ عروض الحكي من بين أبرز النشاطات التي يتبناها مركز “دوار”، خاصة إذا ما امتزج الحكي بالمسرح، في ما يعرف بالـ”بلاي باك”، وهو نوع من العروض يندرج تحت مسمى “السيكودراما” التي ظهرت في الولايات المتحدة خلال سبعينات القرن الماضي وامتدت إلى بلدان أخرى حول العالم، وفيها تتم “مسرحة” التجارب الحياتية والروايات المتعددة التي يتم طرحها خلال العرض من قبل الجمهور. وتعد هذه العروض الأكثر جذبا لجمهور المركز، ويقدمها فريق مسرحي مكون من أربعة أعضاء من مصر ولبنان، بالإضافة إلى عازف واحد على آلة العود يقدم الموسيقى المصاحبة للفقرات المؤداة.

الأجواء الحميمية التي تخيّم على جل العروض والدعم النفسي من قبل الجمهور كانا مشجعين للبعض على الحديث بحرية عن الكثير من التفاصيل والتجارب الشخصية للتخفيف من الأوجاع التي يعانون منها

ولا تمثل المساحة المخصصة لهذه العروض مسرحا بالشكل المتعارف عليه، فما هي سوى قاعة كبيرة نسبيا تستوعب جمهورا لا يزيد عن المئة وخمسين فردا، ومساحة خالية يتحرك عليها الممثلون في المقدمة، لكنها تجتذب مع الوقت المزيد من الحضور وتستقطب شرائح مجتمعية متباينة، كما تخلق فرصا للحوار والنقاش وعرضا للتجارب الشخصية.

تعتمد هذه النوعية من العروض على التفاعل الكامل بين الممثلين والجمهور، فالنص الذي يتم ارتجاله مستوحى بالكامل من الحكايات التي يرويها الجمهور، على نحو أشبه بجلسات البوح أو المصارحة، إذ يقترح الفريق المسرحي في البداية موضوعات بعينها ويطلب من الجمهور المشاركة، ومن خلال هذه المداخلات والتعليقات والتجارب الشخصية تحتدم المنافسة على الحكي.

في العرض الأخير الذي نظمه المركز كان الاحتفال بليلة رأس السنة مدخلا مناسبا لحث الحضور على سرد تجاربهم المتعددة مع هذه الليلة، غير أن الحكي سرعان ما تحوّل خلال الجزء الأخير من العرض الذي استمر قرابة الساعة ونصف الساعة إلى موضوعات أخرى شخصية، وهي موضوعات لم تخل من مخاوف وإحباطات ونجاحات أيضا، وككل عرض ما إن ينتهي صاحب الحكاية من سرد ما لديه، حتى يشرع فريق العمل المسرحي في ارتجال مقطع تمثيلي يعبر عن هذه التجربة التي تمّ سردها.

تجارب كثيرة ومتعددة لا تخلو من التأثر إلى حدّ البكاء أحيانا، جاءت أغلبها على لسان فتيات ونساء يعانين من القهر الأسري والمجتمعي، ويروين تجاربهن في البيت والعمل والشارع وأماكن الدراسة، بعض صاحبات هذه التجارب استسلمن لأوضاعهن، بينما تمردت عليها أخريات.

في المقابل، تراوحت التجارب الذكورية بين الخوف من المستقبل والقلق من العجز عن تحقيق ما يطمحون إليه، أو التردد الأخلاقي بين الالتزام الأسري وخوض تجارب أخرى خارج هذا الإطار.

الأجواء الحميمية التي تخيّم على جل العروض والدعم النفسي من قبل الجمهور كانا مشجعين للبعض على الحديث بحرية عن الكثير من التفاصيل والتجارب الشخصية للتخفيف من الأوجاع التي يعانون منها، سواء كانت هذه الأوجاع ناتجة عن تجارب عميقة وصادمة، أو عن تجارب هامشية وعابرة لكنها مؤثرة.

16