مصري كتب في كل أصناف الكتابة إلا الشعر

الكاتب والناقد المصري محمود قاسم: إذا انتهيت من قراءة كتاب اتركه في مكان عام ليستمتع به غيرك.
الجمعة 2018/04/13
الطفل الذي بداخلي هو الذي يكتب ما يحب كتابته

نادرا ما نجد كاتبا مثل محمود قاسم بمشروع كتابي متوسع، بين الكتابة للطفل كتابة الرواية والترجمة وكتابة النقد السينمائي خاصة، علاوة على عمله على طرح عدد من الموسوعات الخاصة بالأدب أو الفنون. في هذا الحوار نغوص مع قاسم في عوالم كتاباته المختلفة وعن تمثلاته لها وأهم القضايا التي تشغله.

لا يرى الكاتب والناقد المصري محمود قاسم تناقضا أو تعارضا بين أن يكتب أعمالا درامية وأن يمارس النقد الفني والسينمائي، وأن يكتب الرواية ويمارس نقدها ويقدم على ترجمة نماذج منها، وأن يكتب للكبار وللأطفال في الوقت الذي يصدر فيه الموسوعات، ويقول عن ذلك “أن تكون كاتبا يعني أن تكتب، وأنا كاتب أستخدم الكلمة لا غيرها، سواء في كتابة الرواية أو المسرحية أو الدراما الإذاعية أو كتب الأطفال، والنقد والموسوعات، في كل واحدة منها تكون الكلمة هي السيد، لا يوجد شيء بالنسبة إليّ اسمه كافة أشكال الكتابة، الكتابة هي الكلمة واستخدمها في مكانها، مارستها في أغلب الأشكال عدا القصيدة”.

ويضيف “لا أعتقد أنني أسأت استخدام الكلمة في أي مجال، وبشكل عام فإن الطفل الذي بداخلي هو الذي يكتب ما يحب كتابته، فقد عكست حبي للسينما بكتابة روايات عن الأفلام والأغاني في حياتنا، وقدمت أفلام السينما العالمية للأطفال من أجل الاستمتاع بقراءة الفيلم، واستفدت من دراساتي العلمية وقدمت حكايات تبسيط العلوم وكانت كتاباتي عن السينما نوعا من التعبير عن امتناني لما أمتعتني به، حتى الفن التشكيلي، فإنني عندما كتبت فيه فقد كتبت عن الأفلام التي صوّرت حياة الفنان، أما الموسوعات فهي اكتشاف أن الشعوب لا تتطور إلا إذا استجمعت ما لديها من معرفة، ويمكن مراجعة ما تفعله بنا الويكيبيديا وما سوف تفعله في المستقبل”.

لملمة الماضي

يرفض محمود قاسم اتهامه بالتخلي عن مشروعه الروائي، حيث أصدر عشر روايات، ويؤكد “أنا لم أنشق عن مشروعي الروائي، لكن لم أقدم نفسي لسوق الرواية في مصر باللغة المتعارف عليها، فأنا لا أميل إلى عمل ندوات عن أعمالي، ولا أحب استحضار النقاد والصحافة، وهي الظاهرة التي انتشرت في ما بعد باسم حفلات التوقيع حيث يتم تعميد الروائيين، هل شاهدني أحد أفعل ذلك مع أي من كتبي حتى الموسوعات، لم أسأل أحدا إن كان قد قرأني، أقول هذا وأنا في بلد لا يقرأ فيه الناقد لك إلا إذا أهديته روايتك وألححت عليه، أنا لا أتسوّل الاهتمام”.

روايات شاهدة على أزمنة تاريخية
روايات شاهدة على أزمنة تاريخية

من إطلالة على عناوين رواياته نجد “أيام الشارلستون، وقائع سنوات الصبا، زمن عبدالحليم حافظ” عناوين توحي بالانشغال بالماضي، وهو ما يؤكده قاسم بقوله “في رواياتي أحاول لملمة الماضي بين الصفحات، تاهت مني حبيبتي وذهبت إلى رجل آخر، فرحت ألملم ماضينا معا من خلال كل الأماكن التي جمعتنا ثم خلت منا، وذلك في رواية ‘البديل’ المنشورة عام 1987، أما ثلاثية الحنين، وهي ‘وقائع سنوات الصبا’، و’زمن عبدالحليم حافظ’ ثم ‘أيام الشارلستون’ فهي محاولة للاحتفاظ بالماضي كله من خلال ذكرياتنا مع الأفلام والأغنيات، ثم الملابس، تحولت صفحات رواياتي إلى شاهد على الأزمنة التي عشناها، خاصة الأشخاص، المعلمين في المدارس، أيام القبلة الأولى، أول بنطال شارلستون، ذكريات الحب والحروب التي عاشتها البلاد”.

يؤكد قاسم أن أكثر من ثمانين بالمئة من الكتاب من حولنا مارسوا الكتابة في الظل، إما أنهم كتبوا لآخرين وعن رضا شديد، وإما أن آخرين كتبوا لهم، وبشكل دائم، هي ظاهرة منتشرة بقوة، كما يقول، وقد تعرض هو شخصيا لإغراءاتها في فترة ما من حياته، ورفضها، لذا تناولها في روايته “الركض فوق الماء”. وهذه النماذج موجودة في كافة مجالات الكتابة، ومنها الرسائل الجامعية، وكما هناك باحث الظل هناك روائي الظل، وكذلك نجد الصحافي، وكاتب السيناريو، ومؤلف الأطفال، وكل أبطال هذه الرواية لهم ظل في الحياة، ونكاد نعرفهم بالاسم، ينسبون كتابات الآخرين إلى أنفسهم، يفوزون بالأضواء والمكاسب المادية والمعنوية وهم مستمرون، ويتجددون، كما أنهم منتشرون.

محمود قاسم له 25 موسوعة بخلاف الموسوعة التي لم ينجزها عن كتاب القصة في مصر، يستعيد معنا الحكاية “تطلعت إلى أرشيفي المعلوماتي الضخم، وإلى الملفات الكثيرة الخاصة بالأدب والسينما، واكتشفت أن كل الموسوعات التي قدمتها ناقصة، ولن تكتمل أبدا في أي تاريخ قادم، فالأفلام تحللت والوثائق سرقت وتم تهريبها إلى خارج مصر”. ويرفض قاسم تسميته بكاتب الموسوعات، ويوضح “كل ما فعلته أن زرعت البذرة الأولى في موسوعات مهمة، مثل موسوعة الممثل في السينما العربية، وموسوعة الأغنية في السينما المصرية، وموسوعة أدباء العالم المعاصرين وموسوعة أدباء الأطفال، وموسوعة مجلات الأطفال في العالم العربي وموسوعة الجوائز الأدبية في العالم، وغيرها من الموسوعات. هذا هو دور المؤسسات الثقافية وليس الأفراد”.

الكثير من الكتاب مارسوا الكتابة في الظل، إما أنهم كتبوا لآخرين وعن رضا شديد وإما أن آخرين كتبوا لهم
 

الإسكندراني والأفلام

نصف حياة محمود قاسم قضاها في القاهرة، فقد جاء إلى صحفها فاستلبته وهو غير نادم، فلو بقي سكندريا لما حقق شيئا، ويدلل قاسم “أمامي نموذجان بالغا الأهمية هما إبراهيم عبدالمجيد، ومصطفى نصر، كل منهما مولود في نفس السنة، وقد كتبا عن الإسكندرية مرارا، وعن أيامها القديمة، اختار عبدالمجيد القاهرة والتوظف فيها، والنشر في دور نشرها الكبرى فصار عالميا، أما مصطفى نصر الذي تم التعاقد لعمل روايته ‘جبل ناعسة’ فيلما في الثمانينات، فإن المشروع توقف، وظل ينشر أعماله المتميزة ببطء، إلى أن أعادت الدار المصرية اللبنانية اكتشافه ونشرت روايته ‘يهود الإسكندرية’، فدخل دائرة الضوء وهو على مشارف السبعين رغم جدارته واستحقاقه”.

نقل محمود قاسم عن الفرنسية 12 عملا منها أربعة للمصري الفرنسي ألبير قصيري، وبالرغم من ذلك يقول “لا أعتبر نفسي مترجما محترفا، كل الحكاية أنني كنت أقع على نصوص جميلة لا يكاد يعرفها القارئ العربي، فأقوم بترجمتها حتى تعجب الناس مثلما أعجبتني، أنا في الترجمة مثل القارئ الذي تعرفت عليه في كل فنادق أوروبا، إذا انتهى من قراءة كتاب وأعجبه، يتركه في مكان عام مثل الفندق أو محطة قطار حتى يمكن لشخص آخر أن يأخذه ليستمتع أيضا بالقراءة، وقد فعلت ذلك تقريبا مع أكثر الروايات التي ترجمتها، ومنها ‘يدوم الحب ثلاث سنوات’ و’اغتيال’ و’أناقة القنفذ”.

إذا كان محمود قاسم بدأ كاتبا، فالكل يعرفه ناقدا سينمائيا، يقول عن ذلك “السينما والأدب هما الكيان نفسه في حياتي، فأنا قارئ ومشاهد معا، أقرأ الرواية وأحب مشاهدتها سينمائيا، وأجمل الأفلام هي المأخوذة عن نصوص أدبية مثل سبارتاكوس وبداية ونهاية، والغريب، وأعظم المخرجين هم من تخصصوا في تقديم أفلام عن النصوص الأدبية ومنهم ستانلي كيوبريك، وكوبولا، وصلاح أبوسيف، وقد قدمت الكثير من الدراسات في هذا الشأن، وهي كتب أكثر أهمية من الموسوعات، لكن الأدب دائما أهم من السينما، فرواية ‘الغريب’ أكثر

أهمية من الفيلم الذي قدمه فيسكونتي، ورواية ‘طبل الصفيح’ لغونتر غراس أفضل من الفيلم الذي قدمه شولندورف، ونفس الشيء بالنسبة إلى ثلاثية نجيب محفوظ. الناس في الروايات لهم مواقف من الحياة، والسينما تعبر عن آراء الناس من خلال الحوار، وهو دائما ناقص”.

15