مصري ولبناني ومغربية وفلسطينية يحصدون جوائز الكتاب العربي الأميركي

أعلن المتحف الوطني العربي الأميركي (AANM) عن الأعمال الفائزة في مسابقة الكتاب العربي الأميركي (AABA) لعام 2015، ومن المقرر أن يقام حفل سنوي مجانا ومفتوحا للجمهور، يلتقي فيه الكتّاب العرب الأميركيون (الروائيون) بغرض توزيع الجوائز في 29 أكتوبر المقبل بالمتحف الوطني العربي الأميركي في مدينة ديربورن من ولاية ميشيغان. وكان المتحف العربي الأميركي قد أطلق هذه المسابقة للمرة الأولى عام 2007 في بادرة كانت الأولى -والوحيدة حاليا- من نوعها.
الجمعة 2015/08/14
ماثيو شنودة وربيع علم الدين وليلى لالامي يصعدون منصة التتويج وينالون شهادات الاستحسان

يمنح المتحف الوطني العربي الأميركي الجوائز سنويا في مجالي الرواية وأدب الأطفال، كما يقدّم جائزة للنثر غير القصصي تحمل اسم إيفيلين شاكر الرائدة في دراسة الأدب العربي الأميركي، وجائزة أخرى للشعر تحمل اسم الشاعر الكندي جورج إلينبوجين.

والجوائز مخصصة لكتّاب ومؤلفين وشعراء من أصول عربية أو أميركيين معنيين بالعالم العربي وثقافته وتاريخه، بغرض تشجيع المبدعين منهم ونشر أعمال فائقة الجودة تعضد منزلة الأميركيين العرب وتثقف القراء الأجانب، معززة احترام الغرب للثقافة العربية.

والمتحف هو الأول والوحيد في الولايات المتحدة الذي يهدف إلى عرض التاريخ الثقافي المميز للمجتمعات العربية، ومنجزاتها في المشهد الاقتصادي والسياسي على الصعيد الأميركي. افتُتح المتحف عام 2005، ومن أهدافه الأساسية تبديد المفاهيم المغلوطة عن الأميركيين العرب، وغيرهم من الأقليات. وكان قد استهل مؤخرا مبادرة جديدة للعمل على زيادة عدد قراء الكتابات العربية في الولايات المتحدة، وتشجيع إقامة نوادي القراءة، وحث المعلمين على اختيار أعمال بأقلام عربية لتدريسها للطلبة والتلاميذ.

الخديعة وغريزة البقاء

ومن الأعمال التي فازت بالجائزة في سنتها التاسعة رواية المغربية ليلى لالامي (1968) “حساب مور”. وقد فازت هذه الرواية التاريخية بجائزة الكتاب الأميركي، وترشحت لجائزة البوليتسر وجائزة هيرستون-رايت للتراث وجائزة مان البوكر البريطانية لهذا العام. ظهرت كذلك ضمن قائمتي جريدة “نيو يورك تايمز” وجريدة “وول ستريت جورنال” لأفضل كتاب عام صدورها.

حيث تختلط الخديعة بغريزة البقاء

تبدأ الرواية عام 1520 حين يصل مصطفى الزموري أول عبد إلى أميركا من أفريقيا، وتحديدا المغرب، على سفينة تضم مئتي حصان وأربعمئة رجل، تحوّلوا جميعا بين عشية وضحاها إلى عبيد، والفاعل هم الغزاة الذين أطلقوا عليه اسم استيبانيكو.

ينخرط مصطفى من خلال حملة محفوفة بالأخطار في استكشاف الأرض الجديدة المترامية على مساحة 6000 ميل، عبر ولاية فلوريدا وما وراءها، وفقا لمخيلة تاريخية فانتازية كانت فيها أميركا خاضعة للتاج الإسباني، “حيث تختلط الخديعة بـغريزة البقاء” كما كتب الناشر. ولكن دوره ينقلب في النهاية من عبد خانع إلى معالج للأمراض ومترجم للمشاعر.

اضطرام العقل والجسد

كما فازت بفئة الرواية “امرأة لا لزوم لها” للكاتب اللبناني ربيع علم الدين (1959) المقيم بين سان فرانسيسكو وبيروت. كانت الرواية قد وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الكتاب القومي الأميركي. والمرأة غير الضرورية هنا هي البيروتية عالية صالح، المقيمة في شقة تزخر بالكتب. يرسم لها علم الدين لمحة مظلمة مترعة بالكآبة. امرأة لا أب لها ولا أم، تطلقت من زوجها دون أن ترزق بطفل. ولانقطاعها عن الحياة وحيويتها، ولانعزالها عن الخلق ووحدتها الناشبة في قلبها، يتراءى روتينها اليومي وكأنه فائض، لا لزوم له، هي شخصيا هامشية في الوجود.

عملَها مترجمة، تترجم كتبا أدبية تجدها بديعة وتقع في غرامها بيد أنها لا تنشرها بعد إتمامها. تكدسها مع غيرها من الكتب التي لا ترنو إليها عين سواها. ولكن هل سمحت أبدا لأحد بمطالعة أي من كتبها السبعة والثلاثين؟ هيهات. ومع الترجمة لا يكف ذهنها عن الاستطراد بين الحين والآخر، متفكرة في ماضيها وعاصمتها الحبيبة، تاريخ الحرب الأهلية اللبنانية وذكرياتها. فيضطرم عقلها ويتأرجح بين مفاهيم الأدب والفن والفلسفة.

لديها أزمة أخرى تشغل وجدانها، أزمة آخر العمر وهجوم الشيخوخة. يتناهى إلى أذنيها حديث جاراتها، “الساحرات الثلاث”، يتكلمن عن الشيب في شعرها. فلا تسعى للتصالح مع عمرها الفائت، ولكنها لا تلبث أن تصبغه بلون أزرق بشع. ولكن هل تكفي هذه الحيلة النفسية للتغلب على ما سيحيق بحياتها من كوارث لا تُصدّق في المستقبل القريب؟

المواطنة الأزمة

وجاءت جائزة إيفيلين شاكر للنثر غير القصصي من نصيب كتاب “الإسلام القديم في ديترويت: إعادة اكتشاف الماضي الأميركي المسلم” للأكاديمية سالي هاويل، وهي أستاذة مساعدة في التاريخ والدراسات العربية الأميركية بجامعة ميشيغان. شاركت في تأليف كتابها الأهم “المواطنة والأزمة: ديترويت العربية عقب 11 /9”، كما حررت كتاب “ديترويت العربية 11 /9: الحياة خلال عقد من الرعب”.

إعادة اكتشاف الأميركي المسلم

تشرف هاويل على تحرير موقع إلكتروني تحت عنوان “بناء الإسلام في ديترويت” (BIID)، وهو مشروع بحثي متداخل الاختصاصات، يسبر رحلة تطور المساجد ومختلف المعاهد الإسلامية في مدينة ديترويت في غضون القرن الماضي.

تروّج وسائل الإعلام الغربية لصورة مغايرة للحقيقة عن المسلمين القاطنين في أميركا الشمالية. فالمسلم إمّا مهاجر معدم وإمّا مجرم محتمل وإمّا منبوذ اجتماعيا وثقافيا. تجاهد هاويل عبر دراساتها وكتبها كي تبرهن على أن الإسلام كان جزءا لا يتجزأ من المجتمع الأميركي منذ عقود طويلة. وفي هذا الكتاب تؤرخ للتاريخ الإسلامي في مدينة ديترويت التي تضم جاليات مسلمة مختلطة الأعراق منذ عشرات السنين.

إن كتاب هاويل يوفر للباحثين تفسيرا جديدا لإمكانيات وحدود اندماج المسلمين في الحياة الأميركية. وينير لنا الطريق لاستيعاب كيف اصطبغ الإسلام قديما بصيغة “أميركية” لا ريب فيها، وكيف أنه جانب من العملية الديناميكية للتغيير السياسي والديني الجارية ولا تزال في أميركا. وعليه، تؤكد المؤلفة أنه من غير المحتوم أن يقلق الأميركيون المسلمون اليوم على مكانة دينهم في التاريخ الأميركي.

هجرة طفولية

هذا وقد فاز في مجال أدب الأطفال واليافعين كتاب “سلحفاة عمان” بقلم الأميركية ذات الأصول الفلسطينية نعومي شهاب ناي. كانت ناي قد فازت من قبل بالجائزة نفسها عن كتاب “العسّالة” عام 2009. يتناول “سلحفاة عمان” بلغة جميلة محببة إلى النفس مواضيع دافئة غنية بالعاطفة، كالترحال والعائلة والطبيعة الغنّاء، وكذلك الهجرة.

والمعاناة مع الهجرة موضوع من العسير نقله للطفل لما يكتنفه من مشاعر مختلطة، سوداوية ووحيدة في الغالب، ولكن تؤمن ناي بقوة التعاطف مع الآخرين وسلطان الروابط الإنسانية بين البشر. نتعرف على قصة حياة عارف العمري، واضطراره إلى توديع جميع أحبائه في مسقط رأسه، مدينة مسقط العمانية، وأسرته تستعد للرحيل نهائيا إلى مدينة آن أربر بولاية ميشيغان.

أدب الأطفال واليافعين

انسلاخ الذات

أمّا جائزة جورج إلينبوجين للشعر، فقد ذهبت إلى ديوان الشاعر المصري ماثيو شنودة “لحن التحرير”. ويتأمل -شأن عدد كبير من الأعمال الفائزة بهذه الجوائز منذ تأسيسها- الهجرة والحنين إلى الموطن، وشتات المرء المغترب عن أهله وأرضه في القرن الواحد والعشرين. يوحي الديوان بأن غربة القرن العشرين لا تختلف عن غربة القرن الحالي بالرغم من وسائل الاتصال الحديثة والعولمة وبرنامج “الفايبر” وأوهام القرية الصغيرة. الغربة هي الغربة بالأساس، وما هي إلا انسلاب وانسلاخ من الذات والتاريخ والماضي.

يعرّفنا الديوان على اثنين من المصريين ورحلتهما عبر الحدود واللغات والثقافات والأنظمة السياسية المختلفة، من البيروقراطية الدكتاتورية إلى الرأسمالية الديمقراطية. هاجرا من مكان “يبتلع فيه الدكتاتور السحب لصنع الظلال/ ويخلف الناس في قيظ الشمس”، من هذه البقعة الظالمة إلى أرض الأحلام، وهناك “لن يفارقنا قط إحساسٌ بالجوع/ أو حنين إلى السباحة في بحر مفتوح”.

وحينما خاضت بلدهما، مصر، واحدة من أحلك وأحرج لحظاتها التاريخية، ثورة 25 يناير -التي لم يحدث من قبل أن تطلّع إليها الشعر الأميركي، سواء بعين الشفقة أو الإدانة- تمزقا بين التشرد القاتل ومفارقات التأقلم من جانب، والرغبة في السلامة والمستقبل الغربي المأمول من جانب آخر.

تقول الشاعرة الأميركية رامونا لوفتون، والمعروفة باسم سافاير، إن قراء أميركا الشمالية غالبا ما يتجاهلون قصيدة مثل قصيدة شنودة هذه، غير عابئين بما قد يجلبونه على أنفسهم من قصر نظر وانفصال “غربي” مميت.

وتضيف أننا ينبغي أن نطالع “لحن التحرير” بوصفها قصيدة وقصة رمزية وترنيمة جنائزية وبيانا رسميا، وعلى صعيد من الأصعدة بوصفها مانيفستو سياسيا. “إنه لأمر حيوي/ ألا يستطيع المرء أن يحيا بدون خيوط من الكرامة/ ألا يستطيع المرء أن يحيا بدون قبول/ ألا يستطيع المرء أن يحيا بدون أن ترشده الشمس”.

تتشكك قصيدة شنودة في قدرة المجتمع الدولي على احتواء الأغراب، وما قد يصدّره هذا الوضع من إرباك ثقافي. ولكنه في الوقت ذاته يحتفي بنعم الغربة الحقيقية، ألا وهي مرونة البشر وصلابتهم، وما يستقرّ في أرواحهم من إنسانية لا تلين في عالم متشظّ عامر بأناس ينقبون عن “البيت”.

سوف نجد أن الديوان الثالث لشنودة يتلوّن بلمحة موسيقية شجية حريّة بعنوانه. يسهب في نسج مشاعر ملغزة تنتاب المغترب، مغترب يختبر ورطة أهله دون أن يجرؤ على مشاركتهم فعليا. يتفرج من مكانه الآمن القصي على بلده وهي تخوض معترك تغيير ثوري، فيتبدل فهمه لفكرة “الوطن” و”المكان”.

وهذا التأمل المشوب بالألحان ينبئنا بمعان عدة، منها معنى المواطن العالمي المتجذّر ولا يزال في تراب بلده.

15