مصرُ التي.. في "الرُّوضة"

الأربعاء 2017/11/29

" .. و"الروضة" مصريا لها معنيان: الأول هو مرحلة "الحضانة" التي يذهبون إليها بأطفالهم قبل سن الدراسة لتلقي “ما تيسّر" من التعليم، أو لـ"الفشخرة" التي ضربت كل شيء، أما المعنى الذي طغى خلال الأيام الماضية بعد مذبحة الساجدين في بئر العبد بشمال سيناء، فذلك الذي يحدد جريمة قتل مُصلّين، وقت صلاة الجمعة في المسجد الذي يحمل ذات الاسم، وراح ضحيته قرابة 500 أغلبهم فقدوا حياتهم على يد هجوم إرهابي متطرف، بات حديث العالم.

وما بين "الرّوضتيْن".. كان الحال الأسود الذي خيَّم بظلاله الحزينة على الجميع، وباتت ضرورية للغاية التفرقة بين من لا يتعلم شيئا حقيقيا في الأولى كجزء من نظام تعليمي يحتاج لإعادة نظر، أو بين من لا يملك عقلا أو ضميرا، ويُصدِّر لنا هذا الوجه الإرهابي المخيف في الثانية.

طيلة قرابة 5 سنوات، ومنذ وصول جماعة الإخوان إلى السلطة، نجد أنفسنا بعد كل جريمة أو مذبحة، غارقين في بحيرة الدم الملعونة، يقدّم لنا فيها مجرمو الإرهاب فطائر فصْحِهم المدنَّسة بأرواح لا تستثني أحدا، وتكبيرات تَنشدُ “دولة الخلافة” على جماجمنا وأشلائنا، لتصبح مشاهد جنائزنا المتعددة، تجسيدا لمقولة فيلسوفنا الفكاهي الراحل، مرسي الزناتي في مسرحية مدرسة المشاغبين الشهيرة “مارشات عسكرية.. وقرآن”، دون أن نتَّعظ ولو لمرَّة واحدة من الأفاعي الكامنة بيننا.. ولنبقَ فقط محاصرين بالألم والدموع ليس ضحكا على “حضْرة النَّاظر”، ونموذجه “علام الملَّواني” يقدم رقصاته بحثاً عن تبريرٍ أو “فتوى” على خشبة المسرح، ولكن بأمل أن يكون بحقيبة “بهجت الأباصيري” ما هو أثمن من “مقدمة ابن خلدون”.

للأسف، مصر اليوم إمَّا "روضة" لأطفال يقضون وقت فراغهم في ألعاب ساذجة، وإمّا “مدرسة مشاغبين” حقيقية ومتنوعة.. دُعاة متاجرون استلبوا العقول، مؤسسات دينية مشلولة في فكرها وخطابها وقدرتها على مواجهة نتائج عجزها، وخبراء “استراتيجيون” من كل الأصناف يهلوسون بأي كلام عن أي شيء، وساحة إعلامية ومعها نُخبة عقيمة لا تختلف كثيرا عن عقلية “الواد منصور اللي ما بيجمَّعش”.. وبالتالي تكون النتيجة أننا ندور في دائرة مقاومة عناصر إرهابية، ولا في مواجهة ومحاربة فكر إرهابي، لأن هذه الأخيرة تتطلب إجراءات استباقية توفر الكثير من المعاناة.

لذا.. لا يزال جوهر الحال أننا "وطنٌ في أزمة.. طفلٌ يموتُ قتلاً بالرَّصاصِ في مُصلَّى.. وقاتلهُ يمرحُ بعيداً عن أمٍّ لم يعرف طريقه إلى ثديها".. بتعبير جنرال الشمس الساطعة، علاء الدين سويلم، أو كما قال.. وافهموها كما تشاءون.

24