مصر: التسريبات فرصة لتنقية مؤسسات الحكم وليست إنجازا إخوانيا للتشهير بالدولة

التسريبات المنسوبة لمسؤولين مصريين، رغم انطواء الكثير منها على عيوب تضرب مصداقيتها، إلاّ أنّها تكشف عن وجود مسؤولين يحتفظون بعقلياتهم القديمة والمقاومة لنوازع التغيير والإصلاح، لتصبح التسريبات بذلك فرصة للنظام للتخفّف من أعباء تلك العقليات التي تكبّل حركته من الداخل.
الاثنين 2018/01/15
موجتان ثوريتان والتصحيح لم يكتمل

القاهرة - كشفت تسريبات نُسبت لمسؤول ادّعت أنه ضابط في المخابرات الحربية المصرية اختلافا في وجهات النظر بين مؤسسات الحكم في مصر، خصوصا في إدارة وسائل إعلام خاصة أصبحت لاحقا ملكا لأجهزة رسمية بشكل مباشر، كما أزاحت الستار عن استمرار تحكّم لنظرة تفوّق فكري في رؤى بعض المسؤولين المصريين تجاه دول خليجية محورية في المنطقة.

ولا تعبّر تسريبات أذاعتها وسائل إعلام تابعة لتنظيم الإخوان المسلمين ونسبتها إلى ضابط مصري يظهر وكأنه يوجه بعض الإعلاميين والفنانين في قضايا سياسية حساسة، عن إجماع بين عناصر الحكم الرئيسية في مصر، إذ لجأ التنظيم إلى نشر هذه التسريبات التي هاجمتها وزارة الخارجية المصرية دون أن تتطرق إلى نفيها، دونًا عن تسريبات أخرى منطقية ولا تخرج عن حيز العقلانية في الحكم.

ويتجنّب التنظيم أيضا، في سياسته لنشر تسريبات ينسبها عادة لمسؤولين مصريين في أجهزة سياسية وأمنية، إذاعة أي محادثات كاشفة لعمليات أو تمويل أو تحرّكات خارجية لقادة التنظيم حفاظا على صورته المتراجعة كثيرا بين أنصاره التقليديين من غير الحزبيين.

وتقول تقارير إن ملكية أجهزة أمنية لوسائل إعلام “خاصة” في مصر أوضحت تباينا عميقا في نظرة أجهزة الحكم لقضايا تشكل جوهرا للسياسات العامة للدولة في الداخل والخارج.

وعلى تباين الآراء وكثرة عدد المسؤولين المتعاملين مع وسائل الإعلام بشكل يومي، ركز الإخوان المسلمون على آراء نسبت لضابط صغير من أجل إحراج القاهرة دوليا.

وأدت هذه الانتقائية إلى فقدان مصداقية الكثير من التسريبات، التي لم تؤت الهدف المرجوّ من إذاعتها، خصوصا الوقيعة بين مصر ودول خليجية قدمت لها مساعدات مالية ضخمة منذ الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين في يوليو عام 2013.

واعتبر المتحدث باسم الخارجية المصرية أحمد أبوزيد، السبت، إن “محاولات تنظيم الإخوان الإرهابي للوقيعة بين مصر وأشقائها مفضوحة”. وأضاف “على الرغم من سياسة وزارة الخارجية الثابتة بعدم التعليق على مثل تلك الأعمال المشبوهة، التي لا تعبر إلا عن يأس مقترفيها، إلا أنه تقديرا وإعزازا للعلاقة الوثيقة التي تربط بين الشعبين المصري والكويتي، واحتراما لمواقف دولة الكويت الراسخة في دعم مصر وشعبها، فقد آثرت أن تؤكد مجددا على موقفها تجاه دولة الكويت وأشقائها من دول الخليج المعروفة بدعمها لمصر واحترامها لإرادة شعبها”.

أحمد أبوزيد: محاولات تنظيم الإخوان الإرهابي للوقيعة بين مصر وأشقائها مفضوحة

ولطالما تجاوزت مصر ودول خليجية محاولات التنظيم لإحداث شقاق بينها عبر تسريبات نسبت في السابق لمساعدين للرئيس عبدالفتاح السيسي، لكن النظرة العامة التي أظهرتها هذه التسريبات تعكس استمرار بعض المسؤولين في الاعتقاد بفوقية فكرية على الخليجيين بشكل عام.

وإذا كانت مصر تسعى إلى بناء تركيبة سياسية وإعلامية مسؤولة وتتسم بالرصانة، فمن غير الواقعي أن يستمر كثيرون ممن لا تزال هذه الرؤى الخاطئة تسيطر على أجندتهم في التحكم بالمشهد في مصر، التي يكافح نظامها للخروج من أزماته الاقتصادية والاجتماعية، إثر موجتين ثوريتين أطاحتا بنظامي حكم متعاقبين.

ويقول مسؤولون عرب إن هذه التسريبات ربما تكون فرصة أمام القيادة المصرية لإعادة النظر في اختياراتها للمسؤولين وبعض الإعلاميين، الذين باتوا يشكلون عبئا على صورة الطبقتين السياسية والإعلامية المصريتين في الخارج.

وقالوا إنه ينبغي أن ترى الإدارة المصرية في هذه التسريبات فرصة، بدلا من أن تتركها كي تتحول إلى فرصة مضادة للإخوان للتشهير بالحكومة المصرية والداعمين لها.

ويواجه السيسي، الذي يتبنى رؤية إصلاحية، مقاومة كبيرة من قبل مؤسسات تسيطر عليها ثقافة إدارة راسخة منذ عقود، كما يواجه اختلافات جذرية بين مؤسسات نافذة أحيانا ما تؤثر على صنع القرار بشكل مباشر.

وتقول مصادر خليجية لـ“العرب” إن “مقاومة الأجهزة لتغيير طريقة عملها في المسرحين السياسي والإعلامي أوصلت القيادة أحيانا إلى يأس دفعها إلى القيام بإعادة ترتيب في أولوياتها، تجنبا لوقوف العجلة تماما”.

وأضافت المصادر إنه “من الطبيعي جدا الاختلاف في وجهات النظر بين الحلفاء الخليجيين والمصريين حول قضايا إقليمية، من اليمن وسوريا إلى لبنان، لكن القيادة المصرية تجد صعوبة في مواجهة ثقافة قومية ناصرية مازالت تشكل وعي بعض المسؤولين عن ملفات مهمة في مصر، على رأسها الإعلام”.

3