مصر: التصويت للمستقبل

الاثنين 2014/05/19

مشاهد تصويت المصريين بالخارج في الانتخابات الرئاسية أعطت انطباعات قوية بالرغبة في طي صفحة الماضي القاتمة، التي كانت جماعة الإخوان المسلمين تشغل جانبا كبيرا من سطورها، وأكدت كثافة المصوتين الرغبة الشديدة في بناء مستقبل يراعي التنوع والتعدد السياسي في مصر، ورفض أية جماعة تحاول الاستئثار بمفردها بالحكم، وقد وجه الإقبال على التصويت، بصرف النظر عن اسم المرشح الذي جرى التصويت له، صفعة قوية للإخوان التي حشدت قوتها الضعيفة حاليا للتشكيك في جدوى الانتخابات، الأمر الذي وجه مجموعة مهمة من الرسائل.

رسالة إلى قيادات الجماعة مفادها أن تكف عن محاولاتها البائسة لإرباك الأوضاع السياسية في مصر، من خلال حشد أنصارها في ميادين وشوارع مختلفة، وتقتنع أن الحشد الضعيف كان بمثابة تراجع قوي في شعبيتها، كما أن عمليات العنف التي تمارس في مناطق مختلفة لم تعد مجدية، ودفعت المواطنين إلى مزيد من الكراهية للجماعة، ناهيك عن الهشاشة التي بدا عليها التنظيم الدولي، الذي يقيم غالبية قياداته في الخارج، فقد فشلت جميع محاولاته في إثناء المصريين عن التصويت، والعكس هو الصحيح، حيث أفضت مساعي تشويه الواقع المصري وإلصاق التهم الباطلة بالسلطات الحاكمة والمرشح القوي المشير السيسي إلى حض الناس على التصويت، والرغبة في بناء مستقبل خال من الإخوان.

رسالة للغرب والشرق، وكل من شكك أو لم يقتنع بخارطة الطريق المصرية، فالتصويت الكثيف معناه ببساطة دحض لهذه النوعية من الأفكار، التي لا تزال لها بقايا في وجدان وعقول أصحابها، على الرغم من التغير الكبير في مواقف دول كانت حتى وقت قريب تقف إلى جانب معسكر الإخوان، وقد أحدثت طوابير المصوتين الطويلة في عدد من الدول صدمة لدى البعض، الذي كان يعتقد أن للإخوان سطوة سياسية، وأن السلطات الحالية لا تحظى بقبول كبير، وتأكد هؤلاء أنهم تعرضوا لدعاية خبيثة ومغرضة، حاولت خداعهم وتزييف الصورة الحقيقية، لذلك من المرجح أن تلين مواقف دول وجماعات ومنظمات استسلمت لخداع وسائل إعلام عملت على تضخيم صوت الإخوان، وعرضت الموقف المصري الرسمي بصورة مزيفة.

رسالة للداخل، كانت صور طوابير المصريين التي تناقلتها صحف وفضائيات ووكالات أنباء لافتة ومبهرة، بطريقة يمكن أن تكون لها تأثيرات قوية على الحشد المتوقع خلال يومي الانتخابات (26 و27 مايو الجاري)، فإذا كان من يعيشون خارج البلاد تكبدوا عناء السفر من أماكن إقامتهم البعيدة وذهبوا للإدلاء بأصواتهم في السفارات والقنصليات المختلفة، فالأولى ألا يتكاسل مصريو الداخل عن هذه المهمة، وهو ما يعزز فشل رهان الإخوان على مقاطعة الانتخابات، ويمنحها زخما في أشد الحاجة إليه، يؤكد في محصلته عطش المصريين لبناء مستقبل على أرض صلبة.

رسالة أمل قوية، من المؤكد أن ضعف الإقبال كان سيؤدي إلى رسائل عكسية، ويتسبب في إحباط قطاعات واسعة تتطلع للمستقبل، لكن جاء الإقبال الواضح ليضفي بريقا من الأمل، ويمنح الرئيس القادم سلاحا مهما للتخلص من ميراث الماضي، سلاح افتقده المصريون سنوات طويلة فغرقوا في أزمات معقدة، وأعتقد أن استثماره جيدا سوف يكون كفيلا بتبديد الهواجس والشكوك التي درج البعض على ترويجها، ويغلق رهانات البعض على إشاعة الفوضى في البلاد، وهذه الطاقة من المنتظر أن تكون إحدى المحفزات للتلاحم الاجتماعي حول بناء المشروعات القومية، التي يتبناها كل من المرشحين، عبدالفتاح السيسي وحمدين صباحي.

رسالة إلى أنصار المرشحين المتنافسين، تقول إن المصريين في الخارج استشعروا حجم الخطر الذي يحيط بالبلاد ولم يتكاسلوا وأدلوا بأصواتهم، لذلك عندما يأتي دورهم بعد أيام قليلة عليهم التدفق بالحماس ذاته، ليس فقط انطلاقا من العدوى في التصويت والإحساس بالمسؤولية، لكن أيضا لأن كل فرد يشعر أن لصوته ثمنا كبيرا، ثمنا معنويا في أن تخرج مصر من كبوتها، وثمنا ماديا في أن يذهب الصوت إلى من يستحقه، وفي الحالتين ينطوي الخروج المتوقع للمصريين في الداخل، على رسالة أخرى مفادها أن ما يجري من منافسة حامية بين المرشحين هو عملية انتخابات صحيحة وشريفة، ولم تدخل فيها أية اعتبارات مسرحية، وأن الفائز فيها سيكون فائزا عن جدارة.

إذا كان التصويت للمستقبل له مزايا وطنية، فإنه يضع بعض الجهات المتضررة أمام خيار غاية في الصعوبة، إما أن تستسلم للتحول الإيجابي الحاصل في المشهد المصري، وتؤمن بعدم جدوى محاولاتها السلبية لإرباكه وتعيد ترتيب أوراقها، وتتعامل معه وفقا للقواعد التي أرساها، أو تضاعف من حدة استهدافها وتهورها، وتحاول ارتكاب مزيد من الحماقات، مع أن هذا الطريق ثبت فشله، لأن حجم المؤامرات التي تعرضت لها مصر وتم إفشالها ليست بالهينة، وفي كل الأحوال نجاح جولة التصويت في الخارج، يعني تجاوز جملة من العقبات السياسية في الداخل وتهيئة الأجواء أمام الرئيس الجديد ليبدأ فترة رئاسية مستقرة أو أقرب إلى ذلك.

كاتب مصري

9