مصر التي تفاجئ نفسها

الاثنين 2013/09/23

أعادت مصر الوديعة المالية القطرية إلى أهلها. كان القطريون قد راهنوا على حكم جماعة الإخوان المسلمين، غير أن المزاج الشعبي المصري خذلهم. خسر الإخوان الحكم فخسرت قطر فرصتها في التحكم بشؤون أكبر بلد عربي، وهو ما دفعها إلى الانتقال إلى موقع التآمر.

بعد ثورة الثلاثين من يونيو كان المصريون واضحين في التعامل مع قطر. لقد سدوا كل الطرق أمام دسائس ومكائد الأخت الصغيرة. أغلقوا مكاتب قناة الجزيرة في القاهرة جزءا من الحملة التي شنوها ضد القنوات الفضائية والأرضية الإخوانية، وهم يعرفون أنهم بذلك يسددون ضربة قاصمة لقطر. فقطر ليست سوى قناة الجزيرة. لم تنطلِ سياسة الابتزاز القطرية على المصريين.

قبلها كان للمصريين موقف شجاع وجريء إزاء التهديد الأميركي بإلغاء المعونة السنوية. يومها بدا واضحا أن المصريين صاروا يفضلون أن تلغى تلك المعونة على أن يفقدوا جزءا ولو صغيرا من حريتهم في اتخاذ قرارهم السيادي المستقل.

أما بالنسبة لقطر فقد كان كل شيء محسوما. لم يعد مسموحا لقطر أن تقول كلمة واحدة تتعلق بالشأن الداخلي المصري. فانحيازها إلى طرف سياسي، صار بمثابة عدو لتطلعات الشعب المصري في الحياة المدنية جعلها هي الأخرى تنتقل إلى المكان الذي يهبها صفة العدو الذي يجب أن يحذره المصريون.

لم يكن متوقعا أن تراجع القيادة القطرية حساباتها في مصر. لم يكن ارتباطها العضوي بالجماعة الدينية المتطرفة ليسمح لها في القيام بفعل ذكي من هذا النوع.

لذلك مضت سادرة في غيها، من غير أن تقدر حجم التغيرات الجذرية التي وقعت في مصر. الأنكى من ذلك أنها لم تكن قادرة على رؤية مصر بحجمها الحقيقي. مصر التي يشكل نهوضها بداية لنهوض العرب.

لم يتلق القطريون صفعة سقوط الإخوان بالطريقة التي تكشف عن نوع من الحكمة أو الذكاء. بل حدث العكس تماما. لقد استمروا في كيل الشتائم لمصر، حتى وصل الأمر بأحد عباقرة صحافتهم إلى وصف مصر ببلد الفلافل.

صحيح أن الهستيريا القطرية كانت واضحة الأسباب، غير أن المصريين شعروا أنه كان من واجبهم أن يعمقوا الدرس القاسي الذي يجب أن تتلقاه دولة صغيرة استقوت بالمال مستغلة أحوال الفوضى التي سادت مناطق عديدة من العالم العربي.

ولأن مصر كانت أول الناجين من تأثيرات تلك الفوضى، فقد كان واجبا عليها أن تعيد قطر إلى حجمها الطبيعي ومكانها الحقيقي في نادي المحميات الصغيرة. كما لو أن لسان حال المصريين يقول «لم يعد مسموحا لقطر أن تلعب مع الكبار»

فشل قطر في مصر لا يقارن بفشلها في أي بلد عربي آخر، قادتها سياستها التوسعية إلى التدخل في شؤونه واللعب بمصائر مواطنيه.

كان وصول جماعة الإخوان المسلمين في مصر وهي الجماعة الأم لكل الجماعات الإسلاموية في العالم العربي إلى السلطة حدثا تاريخيا، تخيلت قطر وهي الدولة الراعية لحركة الإخوان إنها من خلاله ستكون لها اليد الطولى في القرار العربي. وهو ما كان سيقع لو أن الإخوان استمروا في الحكم.

حينها ستقع مصر تحت العباءة القطرية. وهو ما يعني تمكن القطريين من تحقيق أوهامهم مستغلين حجم مصر ونفوذها في محيطيها العربي والإفريقي. وبذلك يتخلص القطريون ولو مؤقتا من عقدة الدولة الصغيرة، قليلة السكان، ضئيلة الأهمية. لذلك كانت انتكاسة جماعة الاخوان في مصر بمثابة هزيمة كاملة للمشروع القطري.

ومع ذلك فإن قطر التي توقع الكثيرون أنها ستغير سياستها بعد أن سلم الأب الحكم إلى ابنه، وبعد أن توارى عراب مشروعها حمد بن جاسم عن الأنظار، لم تتعلم من الدرس المصري شيئا ينفعها.

لقد سعت إلى أن تنتقم لجماعة الإخوان، متخيلة أن المصريين سيرضخون لشروطها طمعا بوديعتها. غير أن الجواب المصري كان صاعقا «خذوا وديعتكم ولا نرغب في رؤية وجوهكم». مصر التي لا يعرفها القطريون هي مصر التي صارت تفاجئ نفسها بعد أن تعرفت على حجمها الحقيقي.

* كاتب عراقي

8