مصر التي في خاطري.. وقطر

الخميس 2016/01/28

احتفل الشعب المصري قبل أيام بذكرى ثورته التي ألهمت العالم، ويحق لمصر أن تفخر بشعبها وجيشها وما حققته ثورتها في 25 يناير 2011 من بداية لتعزيز مكانتها بطرق جديدة. المخاض الثوري الذي انتهى في 30 يونيو 2013 توج التجربة الثورية بولادة ناضجة سهر العالم جرّاها واختصموا. وبالرغم من ألم المخاض إلا أن مصر استفادت من الارتباك الذي صاحب تلك الحقبة، لكي تثبت للعالم أنها سائرة على الطريق الصحيح.

ارتداد ثورة 25 يناير وصل إلى دول الخليج بداية فأصابها بالارتباك كرد فعل طبيعي متناسب مع حجم مصر وقوتها. يقول هنري كسينجر في محاضرة بجامعة لندن لتسويق كتابه “الدبلوماسية” في التسعينات، إن الولايات المتحدة لا زالت في ارتباك جراء السقوط المفاجئ للاتحاد السوفياتي ذلك العدو الممنهج المؤدلج المحتمل. لكن لم يطل أمد الارتباك في كثير من دول الخليج وفي مقدمتها السعودية فحزمت أمرها ووقفت مع مصر بكل إمكاناتها لأنها الخيار الاستراتيجي الأفضل.

انفردت قطر بلعبة التشويش والتشكيك في مسرحية هزلية متحالفة مع الولايات المتحدة وتركيا لدعم الإسلام السياسي، ومتذرعة بحجة الديمقراطية التي حاولت الولايات المتحدة تسويقها بوسائل شتى. اجتهد وزير خارجية قطر السابق في أن يكون الإمبراطور غير المتوج للعرب من منصة جامعة الدول العربية، وباتت قطر، في غياب الكبار وانشغالهم، هي الدولة التي تُسخّر قرارات الجامعة لرؤيتها وتأذن لحلف الأطلسي بالتدخل في ليبيا في سابقة خطيرة، وتطرد سوريا الدولة المؤسس من الجامعة، وتمنح مقعد الدولة المؤسس لحفنة، سُمّيت تجمّلا، معارضة وتم تلفيقها على عجل أسوة بما تم في سيناريو العراق.

قطر، الدولة الخليجية الصغيرة التي يصعب تمييزها في خارطة العالم، تفسح المجال للسلطان التركي رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء حينذاك، لكي يصول ويجول في دول الربيع العربي مهنئا ومباركا للإسلام السياسي القادم إلى الشرق الأوسط، مبشّرا بعودة الخلافة ولو بثوب علماني تركي يعوّض ما فقدته تركيا من الدخول في الاتحاد الأوروبي. لكن “جت الحزينة تفرح ما لقتلهاش مطرح” كما يقول المثل الشعبي. استوعبت مصر وشعبها الموقف وامتلأت الشوارع والميادين بالشعب المصري مستكملا ثورته في 30 يونيو، وعاد اليقين إلى مصر والشك إلى قطر وتركيا فتحولتا للعبث في سوريا.

ما لم تدركه قطر أو تركيا أو حتى الولايات المتحدة، هو أن مصر دولة/أمة، وليست أمة/دولة، حسب تعبير باري بوزان في كتابه “الشعب والدولة والخوف”. بمعنى أن الشعب المصري (الأمة) سابق على الإطار السياسي (الدولة)، وليس العكس مثل الولايات المتحدة التي تعتبر أمة/دولة، إذ أن الإطار السياسي (الدولة) سابق على تكوين الأمة الأميركية، ويمنح الحرية والحقوق لكافة المواطنين دون تمييز، أو هكذا يفترض. ولذا، فإن الميزة التي تتمتع بها مصر والقوة الكامنة فيها عبر التاريخ تكمنان في شعبها كأمة سبقت الأطر السياسية وحتى الأديان السماوية.

استكملت مصر اليوم خارطة الطريق السياسية، وأصبح لديها رئيس قوي منتخب، ودستور صاغه المجتمع المصري، وبرلمان منتخب يمثل كافة أطياف الشعب. بدأت مصر خطى حثيثة لبناء مصر من الداخل وترميم بنيتها التحتية المتهالكة ومواجهة التحديات التنموية كما تواجهها كافة دول العالم على حد سواء. المثير، أن مصر الجديدة القوية تسير نحو المستقبل بسياسة خارجية متّزنة وتحالفات موزونة لا تلغي سيادة مصر أو استقلالها من ناحية، ولا تقلل من أهمية ومحورية مصر في النظام العربي والشرق أوسطي، من ناحية أخرى. وتحتاج مصر إلى عقد، على الأقل، من الزمن لكي تضبط توازنها وتعيد الثقة والقوة إلى اقتصادها في الداخل، بدلا من ملاحقة سراب وأوهام الزعامة في الشرق الأوسط أو أفريقيا.

تبقى مصر الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط والعالم العربي، التي تعرف حجم الحمل السياسي والأخلاقي الذي تقوم به السعودية، حيث كانت مصر تقوم بذات الدور في الماضي. ولذا فإن العلاقة والتنسيق العالي بين السعودية ومصر يشكلان الضمانة الاستراتيجية ليس للدولتين فحسب، بل للنظام العربي والشرق أوسطي.

السعودية بحاجة إلى مصر وقوتها ومكانتها وخبرتها وامتداداتها المكتسبة على مدى أكثر من 60 عاما، كما أن مصر بحاجة إلى السعودية وقوتها ومكانتها وخبرتها وامتداداتها المكتسبة على مدى الحقبة ذاتها. الحاجة متساوية ولا يطغى جانب على آخر. حتى الاختلافات في وجهات النظر حول القضايا والتحالفات الإقليمية والدولية هي ظاهرة صحية ومفيدة للطرفين في سيمفونية سياسية جميلة لتبادل الأدوار.

أخيرا، هنيئا لمصر وشعبها بثورتهما، وهنيئا للعالم العربي بمصر وشعبها. فقد آن الأوان، أن تلتفت الدول العربية والأنظمة والحكام إلى إعادة بناء دولهم ومجتمعاتهم، ويجب أن يتذكر الجميع أن حقبة “الربيع العربي” هي فصل من التاريخ يضع الشعوب في مكان الحصان، ويعيد الحكومات والحكام إلى مكان العربة، حيث يجب أن يكونوا.

لو حافظت مصر على اتزانها الداخلي وتوازنها الخارجي لعقد واحد فقط من الزمن، فإننا نجزم بحول الله، أن الحصان المصري سيسبق الجميع دون استثناء.

كاتب سعودي

9