مصر الثورة.. رحل الطاغية وبقي صناع الطغاة

الخميس 2014/01/09
الطغاة يتمعشون من استغلال "الغلابة" النخب الكسيحة

النخب الكسيحة، التي تخضع للاستبداد وتتماهى مع أفكار الحاكم الشمولية وقراراته السلطوية، وتصمت عن تعسفه وبطشه، في تواطئها وخضوعها، تشكّل أصابع الطاغية وذراعه الباطشة، وتصبح بمشيئتها أو على غير إرادتها جزءا من صناعة الاستبداد وعائلة الطغيان.

يقدم كتاب “صناعة الطاغية: سقوط النخب وبذور الاستبداد” في قراءة موثقة ورصد دقيق للكاتب الصحفي ياسر ثابت دراسة رصينة لآفات سياسية واجتماعية واقتصادية تسببت في المأزق السياسي الذي تعيشه مصر باستمرار، خاصة في ما يتعلق بالخضوع الشديد للحاكم، أيـا كان اسمه وأيـا كانت انتماءاته.

يؤكد ثابت، في مقدمة الكتاب الصادر عن دار الكتب، أنه يتناول الطغيان، لا الطاغية، لأنه يتحدث عن الطغيان ابتداء، وكيف تتورط النخب الكسيحة في صناعته، حيث يرصد ويحلل أزمة النخب المختلفة باعتبارها اللبنة الأولى في صناعة الطغاة، قائلا “إن تشوهات كثيرة تعرضت لها تلك النخب حتى باتت إما فئات عاجزة أو جماعات مصالح أو تكتلات لا يهمها سوى الارتباط بمؤسسة الحكم بشكل أو بآخر”.

التاريخ يكرر نفسه وإن اختلفت الأسماء.. ينتظر المصريون وزيرا للعدل، فيأتي وزير.. ضد العدل

وبأسلوب المكاشفة، ينتقد ثابت تلك النخب التي تخضع للاستبداد، وتروج للطاغية، وتتماهى مع أفكاره الشمولية وقراراته السلطوية، وتصمت عن تعسفه وبطشه، وهي تتمنى ألا يصيبها بعض من رذاذه. وهو يرى أن هؤلاء في تواطئهم أو خضوعهم، يكونون أصابع الطاغية وذراعه الباطشة، ويصبحون بمشيئتهم أو على غير إرادتهم جزءا من صناعة الاستبداد وعائلة الطغيان.

ويرى الكاتب أنه في مختلف مواقع المسؤولية وصنع القرار، هناك مكان لتلك النخب الزائفة التي تتضافر وتتضامن لحماية مصالحها وضمان استمرار نفوذها وسطوتها، وتساوم على القيم والإجراءات الديمقراطية، وتزين للطاغية سوء عمله، وتدفع الوطن باتجاه تكرار إخفاقات الماضي، وكل ذلك من أسباب النكبة في مصر المحروسة.


جسد الوطن


تتنوع فصول الكتاب وموضوعاته تحت مظلة فكرة صناعة الطاغية، حيث تتحدث عن مشهد عام يبدو بكل عمومياته وتفصيلاته، طاردا للأمل، في ظل هيمنة نخب وقوى سياسية واقتصادية ودينية عاشت وتربت في كنف أنظمة مستبدة، خضعت لها طويلا واستكانت لها كثيرا، حتى باتت مؤمنة بأدواتها في الحُكم وأساليبها في الطغيان.

ينقسم الكتاب إلى عدة فصول، تحمل عناوين دالة، مثل: النخب الكسيحة، جمهورية العبث، إعادة تدوير الوزير، في الفتنة سقطوا، جرائم الباشا، الحرب على العدالة، في حظيرة السُّلْطة، إفقار مصر، بلد العائلات، الوطن ليس سلسلة مفاتيح، موت “التوك شو”، جماهير الشرفاء!

في كل فصل من هذه الفصول نجد وقفة متأنية مع نخبة أو فئة من الفئات تشكل عصبـا عاريـا في جسد الوطن، فهو يتحدث عن الإخفاق في اختيار الوزراء والمسؤولين وإعادة تدويرهم كأنما لا يوجد غيرهم في هذا الوطن. ويقول في هذا السياق، “كنا نريد لمصر أن تكون جنة الوسطيين، في الرأي والسلوك، فإذا بها تتحول إلى جنة المتوسطين، من محدودي الموهبة والخيال والإدراك، الذين تصدروا المشهد من حيث لا يدري أحد. وفي ظل الغيبوبة الجمعية، شهدنا التزييف العمدي للواقع، والتغني الأجوف بمنجزاتٍ متوهمة لا تصمد أمام المقارنة المتأنية مع تاريخ مصر أو مع الآخرين في العالم.

جرائم الباشا


يتوقف المؤلف عند قضية عقلية رجل الأمن التي ارتبطت في الذاكرة الجمعية للمصريين بالتسلط والجبروت والعنف، حتى كانت من أبرز أسباب قيام ثورة 25 يناير. ويشير إلى أنه رغم كل شيء فإن هناك تجاهلا متعمدا لفكرة إصلاح جهاز الأمن عبر إعادة هيكلته وتغيير فلسفة العمل الشُرطي.

ويرى ثابت أن التعذيب في مصر اختراع أمني “فقد كان الأمن في مصر – بميراثه السلبي من الغرور والصلف والتعالي على الشعب المصري- سبّاقـا في اللجوء إلى جرائم تصل إلى هتك العرض وأحيانـا الاغتصاب لانتزاع اعترافات من المتهمين. كما استخدم الأمن التهديد بهتك العرض أو اغتصاب نساءٍ من أسرة هارب أو متهم، لدفعه إلى تسليم نفسه إذا كان هاربـا، أو إجباره على الاعتراف أو التوقيع على اعترافاتٍ معدة سلفـا بهدف تلفيق القضايا. كان هذا التعالي المتجذر في نفوس نسبة لا يُستهان بها من رجال الأمن، هو “العامل النفسي” المُسبب لانتهاك الحقوق والتضييق على الحريات وتعذيب المواطن وإهانته بشتى الطرق الممكنة، إذ تربى ضباط وأفراد شرطة كُثر على ثقافة الاستعلاء على المواطنين، وباتوا مقتنعين بأن المواطن كائن أقل منهم مرتبة، وأن المتهم أو السجين لا حقوق له، وبالتالي فإنه لا يستحق معاملة آدمية لائقة”.

وفقا لهذه الرؤية فقد “زاد الوضع في مصر سوءا بانتشار الفساد والتربح واستغلال الوظيفة بين أفراد الأمن في مجالات عملهم، فكانت الرشوة طريقة معتادة للتعامل مع أمناء الشرطة في المرور وفي الأقسام. وأصبح الدخول في خلاف مع أي رجل شرطة – حتى على أولوية المرور في الشارع- يمثل مبررا لهم للتنكيل بأي شخص. ومع تزايد الحاجة إلى خدمات الشرطة السياسية في الانتخابات وغيرها، تزايد سكوت النظام السياسي عن “تجاوزات” الأمن، الذي طالما اتهمه الإعلام بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، إضافة إلى دوره في إدارة الانتخابات الوطنية بصورة غير نزيهة.. لقد أدت السلطات شبه المطلقة والحماية السياسية وضعف مرتبات أغلب الرتب الدنيا من رجال الشرطة إلى استشراء الفساد بشكل سرطاني وسط جهاز الشرطة، حتى أصبح من الممكن شراء أي نوع من أنواع خدمات الشرطة أو إبطال مفعولها بالمال، وكان ذلك مؤشرا آخر على انهيار المهنية في العمل الأمني”.

ورأى الكاتب أن “جهاز أمن الدولة امتلك منذ نشأته سجلا سيئـا على مستوى حقوق الإنسان، فضلا عن تاريخ حافل بأساليب وأدوات التعذيب بحق المعتقلين، لا سيما من التيارات السياسية المعارضة والمناهضة للنظام. فقد اتسم العمل في جهاز “أمن الدولة” بالاعتماد على “التعذيب” باعتباره منهجـا للاستجواب وجمع المعلومات، حتى أن كل مقاره تقريبـا كانت تحوي أدوات وأماكن التعذيب، وامتنع على كل الجهات الرسمية، حتى “النيابة العامة”، دخول هذه المقار أو خضوعها لأي تفتيش من أي جهة أو هيئة رسمية. وفي حين كان جهاز مباحث أمن الدولة بشكل عام متهمـا بالتعذيب الممنهج والاختطاف والاحتجاز غير القانوني، وُجِهَت معظم هذه الاتهامات إلى إدارة “النشاط المتطرف” ومجموعة “مكافحة الإرهاب”، كما تم اتهامهما أيضـا بالقيام بأعمال قتل خارج نطاق القضاء، وإصدار أوامر بالاغتيالات وتنفيذها”.


مجتمع “النصف في المئة


تحت عنوان “بلد العائلات”، يحدثنا المؤلف عن مصطلح مجتمع “النصف في المئة” الذي أطلقه الرئيس جمال عبدالناصر، في سياق وصفه لمجتمع ما قبل ثورة 1952، وكان يقصد بذلك تلك المجموعة الضئيلة التي تضع يدها على ثروات مصر وتملك النفوذ السياسي فيها. بل إن ناصر قال في حديث صحفي عام 1965 إن 16 عائلة فقط في مصر كانت تملك السلطة السياسية قبل الثورة، ومن هذه العائلات خرج معظم رؤساء الوزارات والوزراء والكبراء في العهد الملكي. وقد يكون هذا صحيحـا إلى حد كبير، خاصة أن مصر شهدت في النصف الأول من القرن العشرين توطيد علاقات النسب والمصاهرة بين عدد كبير من عناصر الرأسمالية المصرية.

بل يذهب باحثون إلى أنه منذ أول انتخابات نيابية عقب ثورة 1919، فإن هناك حوالي 500 عائلة، من أعيان الريف ووجهاء المُدن، تطفو على السطح السياسي في كل العهود، إن لم تكن بشيوخها، فمن خلال الأبناء، والأحفاد، وأولاد العموم”.

وفي إطار نقده لمن يصعدون إلى مواقع السلطة رغم تواضع إمكاناتهم وقدراتهم، يشير الكاتب إلى محطات مهمة ومواقف محددة تكشف عن أخطاء رؤساء وزعماء مصريين ترتبط في الأساس بتغليبهم للمسائل الشخصية على حساب المصلحة العامة.


إعادة تدوير الوزير


في فصل بعنوان “إعادة تدوير الوزير”، يشير إلى ظاهرة اختيار رؤساء مصر في نهايات فترات حُكمهم لوزراء عدل تثار حول مواقفهم علامات استفهام كبرى.

ومن هؤلاء وزير العدل محمد أبو نصير، الذي كان أداة الرئيس جمال عبدالناصر في “مذبحة القضاء” عام 1969. كما عمل الرئيس أنور السادات على اختيار وزراء للعدل من المخلصين له بدءا من مصطفى أبو زيد فهمي الذي كان أول رئيس لجهاز المدعي الاشتراكي عند تكليفه بمحاكمة خصوم النظام، وحتى أنور أبو سحلي الذي تولى التحقيق مع خصوم السادات السياسيين قبل أن يصبح وزيرا للعدل عام 1979.

ومما يُروى عن مصطفى أبو زيد فهمي أن محمد عبدالسلام الزيات كان يعرض مسودة مواد دستور 1971 على السادات، في حضور الأول – الذي كان يشغل آنذاك منصب المدعي العام الاشتراكي- وحين وصل إلى المادة 138 التي تتحدث عن أن رئيس الجمهورية يضع بالاشتراك مع مجلس الوزراء السياسة العامة للدولة ويشرفان على تنفيذها، اعترض أبو زيد فهمي وقال مخاطبـا السادات: “كيف تقبل وأنت مؤسس الجمهورية الثانية أن يأتي “زعيط” ولاّ “معيط” ولاّ “زرمبيح” من الشارع ليقول لك إنه شريك لك في وضع السياسة العامة للدولة؟”. ووافق السادات على حذف الإشارة إلى مشاركة مجلس الوزراء لرئيس الجمهورية في وضع هذه السياسة على الرغم من اعتراض الزيات الذي ذكرهما بأن المادة وردت بنصها في دستور 1964. ولم يجد الزيات مفرا من تسريب الخبر للدكتور محمود فوزي – الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء آنذاك- فهدد بالاستقالة، لأنه قبل المنصب على أساس تلك المشاركة. ومازال التاريخ يكرر نفسه، وإن اختلفت الأسماء: ينتظر المصريون وزيرا للعدل، فيأتي وزير.. ضد العدل.

أزمة المثقف


عن المثقفين يقول الكاتب “إن طبيعة لحظة دخول مصر عملية التحديث منذ قرنين شكَّلت علاقة المثقَّف بالسُّلْطة حتى اللحظة. فالأصل هو السياسي. هو الداعي إلى التحديث وموجِّه دفته، وواضع أولوياته. والمثقَّف سواء هو شيخ “معمّم” أم “أفندي”، فإن دوره فرع على هذا الأصل. الطبيعة الهشة اجتماعيـا واقتصاديــا لشريحة المثقفين، جعلت المثقَّف في علاقة حبل سريّ مع السُّلْطة”.

كنا نريد لمصر أن تكون جنة الوسطيين، في الرأي والسلوك، فإذا بها تتحول إلى جنة المتوسطين، من محدودي الموهبة والخيال والإدراك، الذين تصدروا المشهد من حيث لا يدري أحد

ويوضح “جاء محمد علي باشا، صاحب التحديث، بالقضاء على كل التنظيمات الاجتماعية القديمة التي لا تدخل تحت جناح الدولة، فأصبح المثقَّف كي يحقِّق أيـا من مشروعاته للتحديث مطالبـا بأن ينضوي تحت لواء الدولة وأن ينفذ أفكاره تحت رعاية السُّلْطة، فإذا غضبت منه عاقبته بالنفي أو السجن. هذه اللحظة التي شكّلها ووضع أساسها كل من محمد علي باشا، ورجل التحديث رفاعة الطهطاوي ظلت نموذجـا يحتذى في مراحل لاحقة.

وقد ظلت السلطة في العهد الملكي واقفة بالمرصاد للكتاب والشعراء والصحفيين تطاردهم وتحاصرهم باسم المحافظة على النظام العام والدين والآداب. هذه المعادلة الشائكة جعلت عين المثقَّف دائمـا، سواء أكان مؤيِّدا للسلطة أم معارضـا لها، على راية السياسة أينما تتّجه. ومع تجربة يوليو زادت الحدّة، لأن الدولة أمَّمت إنتاج الفكر والثقافة وتـوزيعهما، وأصبحت صاحبة التوجيه الأيديولوجي الأكبر إن لم يكن الوحيد”.

ويضيف “اجتهدت السلطة الجديدة وامتداداتها في تحويل الثقافة المصرية إلى ملكية خاصة لها، وفي تحويل المثقفين المصريين إلى أبواق، فإن أبوا فليس أمامهم إلا الصمت. فإن نطقوا فليس لهم إلا معتقلات أبو زعبل، والقلعة، والواحات. وهكذا عاش المثقفون المصريون هذه المحنة بكل صورها. وما على القارئ إلا أن يعود إلى المذكرات والاعترافات التي قدمها الضحايا، ومنهم ألفريد فرج في “ذكريات وراء القضبان”، وصنع الله إبراهيم في “يوميات الواحات”، وفوزي حبشي في “معتقل كل العصور”، وصليب إبراهيم في “من ذكريات معتقل سياسي”.

يفرد المؤلف مساحة واسعة لنقد كل من رجال الأعمال والمثقفين والعاملين في مجال الإعلام وارتباطهم بالسلطة وتماهيهم مع أهل الحكم، ويقدم نماذج لهؤلاء عبر كل العصور، بدءا من عهد جمال عبدالناصر وأنور السادات وحسني مبارك ومرورا بفترة حكم المجلس العسكري والرئيس المعزول محمد مرسي، وانتهاء بأيامنا هذه.

ولا ينسى د. ياسر ثابت تحليل موقف العامة أو الجماهير من الطغيان والتسلط، وكيفية خضوع البعض ومعارضة القلة، في مقابل تحايل فئة ثالثة للبقاء في منطقة الأمان.

يقول “إن بيننا جهلة ومدعين ومستغلين، يُنسبون إلى مفهوم “النخبة”. وهذا الثلاثي قاتل وقد تركناه يستشري كثيرا، وحان وقت إسقاط الأقنعة الزائفة عن هذا الثلاثي غير الظريف”.

من هذا المدخل يرى الكاتب أنه حين يتوطن الخوف والظلم والنفاق في أرض، فقُل على نخبتها السلام.

6