مصر الحائرة بين حركتي فتح وحماس

الحيرة المصرية بين فتح وحماس سوف تظل مستمرة طالما بقيت التقديرات السياسية للحركتين على نفس الدرجة من التناقض، وطالما لم تتسلح القاهرة بأوراق ضغط حاسمة.
الاثنين 2018/09/03
الحذر سيد الموقف

التصريحات الإيجابية التي أدلى بها مسؤولون في السلطة الفلسطينية حيال القاهرة، مساء السبت، عقب زيارة وفد أمني مصري لرام الله، تؤكد طي مرحلة قاتمة في العلاقة بين الجانبين، وأن الزيارة أعادت ضبط الأمور بما يتماشى مع التطورات المتسارعة على الأصعدة السياسية والأمنية والإنسانية.

مصر لم تجنح في أي وقت بعيدا عن فتح مثلما بدا ذلك خلال الأشهر الماضية، وهذا الجنوح كان مرتبطا بحسابات الأمر الواقع المعقدة، ومحاولة إيجاد حل للأوضاع المتدهورة في قطاع غزة، لكنها وضعت القاهرة في كفة بدت قريبة من حماس التي حاولت استثمار الموقف بانتهازية معروفة.

الحاصل أن الانخراط في اجتماعات وحوارات مع حماس وأخذ ورد، يشبه انخراط الضرورة الذي يفرض التعامل مع المعطيات بقدر كبير من المرونة دون استغراق في الديماغوجية، فمن الممكن لأي فصيل، كبيرا كان أم صغيرا، قلب الطاولة في أي قضية محورية، فقد أصبحت القضايا متشابكة بصورة مثيرة، واللاعبون فيها يأتون من مشارب مختلفة، منهم المعلن وغالبيتهم يمارس هوايته في الخفاء، بما يمنح البعض فرصة جيدة للتخريب.

التبدل الذي ظهر في مواقف بعض الأطراف كان تكتيكيا، بمعنى عندما ابتعدت حماس نسبيا عن قطر لم يكن ذلك تحولا استراتيجيا في مواقفها، لكنه مناورة جديدة لتحقيق أعلى استفادة من خصوم الدوحة، وهو ما تعاملت معه الحركة بذكاء حيث كادت تخلق انطباعا يشي بأن براغماتيتها ربما تنقلها إلى معسكر مضاد.

كما أن اقتراب السلطة الفلسطينية من قطر والذي أوحى بأن فتح أصبحت أقرب إلى الدوحة من القاهرة، لم يكن مقنعا لكثيرين، لأن الهوة واسعة بين الطرفين، فالعناصر الحاكمة لسياسات السلطة الوطنية لا تتماشى مع قناعات الدوحة، التي حاولت أن تبدي مرونة حيال قيادات فتحاوية، وتغريها بأنها تقف في صفها لدعمها في عملية خلافة الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

البعض جذبته الإغراءات القطرية السخية، وتصور أن الدوحة بإمكانها توفير غطاء له، يمكن أن يساعده في خوض مواجهة متوقعة مع قيادات أخرى تريد المنافسة على منصب الرئيس، لكنه اكتشف اللعبة سريعا ونأى بنفسه عندما تأكد أن هدف الدوحة تكريس الانقسامات التي تمنحها فرصة الانتقال من خندق إلى آخر وتحقيق بعض المكاسب السياسية.

مسؤول عربي كبير حكى قصة عن قيادة فتحاوية، مفادها أن قطر تشجعه على الاستعداد لدخول حلبة من يتصارعون على وراثة أبومازن، وأغدقت عليه الأموال لهذا السبب، فنصحه المسؤول العربي بأن يقبل الأموال دون أن ينفذ ما تطلبه منه قطر، لأن رفضه مباشرة سيجعلها تتحرك باتجاه شخصيات أخرى للمزيد من الاستقطاب. وتفسر هذه القصة، لماذا يُقبل البعض على قطر؟ ولماذا تعتقد أنها قريبة من التأثير في القضية الفلسطينية؟ المسؤول العربي أكد أن قطر لا تستطيع فرض أي شخصية على الفلسطينيين، لأن مسألة ترتيب الأوضاع لها علاقة بحسابات قوى محلية وإقليمية ودولية، تعرف كيف تتعامل مع هذه النوعية من المستجدات، ولها باع سياسي طويل على الساحة الفلسطينية المعقدة.

تسارع وتيرة الأحداث في المنطقة والبطء الذي بدت عليه حركة فتح وخلفها السلطة الوطنية، مقابل ديناميكية لافتة تحلت بها حماس، لعب دورا مهما في الشرخ المصري- الفتحاوي

الاقتراب التاريخي بين القاهرة وفتح لم يمنع تواصل مصر مع حماس بحميمية، ولم تؤدّ العلاقة الودية معها إلى خصام مع الأولى، فالقاهرة التي ارتضت القيام بدور وساطة لأسباب عروبية وأخرى تتعلق بأمنها القومي، على اقتناع بأنها يجب الاحتفاظ لنفسها بمسافة واحدة بين الطرفين، منتصرة للشرعية الفلسطينية، وعلى يقين من أن حماس لم تتخل عن أيديولوجيتها الإسلامية.

المشكلة أن قيادات في فتح تعاملت مع التحركات المصرية بالقطعة، أي كلما احتضنت القاهرة لقاء لعناصر تنتمي إلى حماس فقط أو ضمن فصائل أخرى، اعتقدت أنها أضحت بعيدة عن مصر، مع أن جميع المواقف الرسمية تؤكد التمسك بالسلطة الفلسطينية وشرعيتها كضامن أساسي في التطورات المتلاحقة.

تسارع وتيرة الأحداث في المنطقة والبطء الذي بدت عليه حركة فتح وخلفها السلطة الوطنية، مقابل ديناميكية لافتة تحلت بها حماس، لعب دورا مهما في الشرخ المصري- الفتحاوي، الذي تزايد عندما بدأت بعض القيادات تتطاول على القاهرة بصور مختلفة، ضمن تقديرات لها علاقة بتوزيع الأدوار وممارسة أنواع عديدة من الضغوط، أملا في ضبط الدفة نحو الزاوية التي تريدها السلطة الفلسطينية. المفارقة أن التقارب الظاهر بين القاهرة وفتح حاليا مرجح أن ينعكس سلبا على علاقة حماس بمصر، ويقود إلى قدر من الفتور، وهو تقدير صحيح وحدث في أوقات سابقة عندما كانت علاقة حماس بكل من قطر وتركيا وإيران تسير على وتيرة جيدة ومن دون ضغوط خارجية تكبحها.

المعاناة التي ترتسم على سياسة الدوحة بسبب علاقتها المتوترة بعدد من القوى الإقليمية وانشغالها بإنقاذ رقبتها من المقاصل، هي واحدة من المصدات التي تحجم استئناف الزخم في علاقتها مع حماس، التي تظاهرت أيضا بالتخلي عن إرثها القديم، ومن بينه تخفيف حدة الالتحام بقطر، كي تحافظ على روابطها مع مصر وحلفائها الذين يرون أن تدخلات الدوحة في الشؤون الفلسطينية تفضي إلى نتائج سلبية.

الارتباك في السياسة التركية وتعاظم المشكلات مع المحيطين الإقليمي والدولي من العناصر التي تقود إلى تهميش أنقرة للقضية الفلسطينية، والتوقف عن دعم حماس، ناهيك عن إيران التي دخلت ورطة عالمية لا تعرف حتى الآن هل يمكن أن تنجو منها أم لا؟ ما يجعل حماس حذرة في التعاطي معها.

الخريطة الإقليمية المتداخلة لم تغب عن ذهن القاهرة، لذلك كانت تحتفظ بخط رجعة مع كل جهة تتعامل معها، فعندما انهمكت في حوارات مع حماس لم تفقد فتح، واحتفظت بشعرة معاوية، الأمر الذي مكنها من استعادة الدفء سريعا مع قيادة السلطة الفلسطينية.

الدفء الجديد مع فتح لن يؤدي بالطبع إلى خصومة مع حماس، لأن اللقاءات والاجتماعات معها سوف تستمر لتجسير الهوة في ملف التهدئة مع إسرائيل ودمج الفصائل الفلسطينية فيها، ومواصلة الحوار لقطع شوط في ملف المصالحة الوطنية.

مصر بدورها، وطوال المرحلة الماضية التي بدت فيها معركة تكسير العظام محتدمة، كانت متمسكة بوساطتها ولم تيأس من التراشقات البينية، بالعكس كلما وجدت حفرة في طريق أي من الملفات الفلسطينية التي ترعاها سعت لتجاوزها بسلاسة، لأنها تعي أن خيار التسوية السياسية على المستويات الفلسطينية والإسرائيلية والأميركية هو الطريق الوحيد المتاح، وسط انعدام الفرص العربية للتفكير في خيارات أخرى بديلة.

الحيرة المصرية بين فتح وحماس سوف تظل مستمرة طالما بقيت التقديرات السياسية للحركتين على نفس الدرجة من التناقض، وطالما لم تتسلح القاهرة بأوراق ضغط حاسمة تفرض على كل منهما تقديم رؤية محددة قابلة للتطبيق على قاعدة لا غالب ولا مغلوب، والالتزام بتقديم تنازلات متبادلة.

9